 |
كان منتصب القامة, يخطو برشاقة وحيوية, مع أنه قد بلغ آواخر الثمانينيات من عمره, مبتسم الوجه, شامخ بكيانه, ورأسه عال كأنه عامود صلب يدعم العالم, يند عنه نبل يفيض إشراقا كأنه عطر. كنت أدرس عليه الفلسفة وعلم الجمال خلال سنوات بعثتي. كان مرحا, حاضر الذهن, متقد الذكاء, دائم الاستفزاز لعقولنا, يلقي علينا المعضلات الفكرية إكراها علي النقاش. أشد ما كان يحيرني كيف نجا هذا الرجل من ضربات صخور الزمن, إذ المفروض أن يصير عجوزا, فإذ بعمره الحقيقي يتفاوت مع راهنه الجسدي والعقلي, وكأنه ولد بعمره هذا مكتمل النضج والعافية,
حتي خلته يجسد ذلك التصور الذي طرحه الكاتب الفرنسي أرمان سالاكرو في مسرحيته الطريق المعاكس, القائم علي فكرة أن الإنسان يولد مكتمل العمر, ثم يتدرج تنازليا إلي أن يصبح طفلا فيموت. ظل يشغلني السؤال حتي تبدي واضحا علي ملامحي, إذ استطاع الرجل بذكائه أن يتعرفه, حيث يوما, وفي نهاية درسه, ناداني واصطحبني منفردا بي, وضاحكا طلب مني أن أطرح عليه سؤالي الذي أخفيه, فسألته: كيف يمكن للإنسان أن يهزم الزمن؟ أجابني: إن معركة الإنسان الأولي هي مع ذاته, بأن يتعرف غاياته, بوصفه إنسانا يعيش في إطار عالم اجتماعي وأخلاقي,
وأن يلاحظ سلوكياته وأفعاله. إن جسد الإنسان هو السجل المادي المرئي الذي يحمل تشوهات أفعاله تجاه ذاته, وتجاه مجتمعه, والبعض يتناسي ذلك أو يتجاهله, ويعزو تلك التشوهات إلي فعل الزمن, وهذا التجاهل أو النسيان ليس سوي نهي صادر من داخلهم, تبريرا لممارسة أفعالهم التي تتناقض مع جوهر وجودهم الإنساني في مجتمعاتهم, واستطرد الرجل شارحا: إن حياة الإنسان تشبه المقطوعة الموسيقية التي تصاغ وفق سياق محدد, ينتظمه لحن له بداية ونهاية, فإذا ما غير الإنسان نغمات هذه الموسيقي بنشازات وتقلبات متضادة مع السياق, فلا شك أن اللحن كله يتغير.
إننا نحن الذين ننتج كل ما يرتد ضدنا, ونصنع مأساتنا, بما يتسلط علينا من تشوهات أفكار قد نغفل عنها, ولا نقاومها, نتيجة انغلاقنا علي أنفسنا التي لا نتجاوزها أو نراجعها, وعيا ومعرفة عقلانية نقدية تمارس علي الذات باستمرار نقدها, ولا نتجاهل من حولها. إننا نتقدم في العمر بالطبع, لكننا نعجز عندما تتصلب الأفكار التي تعادي مجتمعاتنا, وتتسلط علينا, وتهيمن علي حياتنا الإنسانية, عندئذ تتصلب أجسادنا.
قفزت إلي ذاكرتي ـ في ضوء حديثه ـ قصة الشباب والشيخوخة للشاعر والكاتب إيفان بونين, آخر عمالقة الأدب الكلاسيكي الروسي. تتأسس قصة الشباب والشيخوخة علي حكي ذاتي, حيث يقص راويها ما صادفه من أحداث في رحلته الدائرية علي سفينة, بدأت من القرم, إلي القوقاز, ثم ساحل الأناضول, حتي القسطنطينية, ثم العودة. ضمت تلك الرحلة أنماطا من جماعات ذات أجناس متنوعة, ما بين روس, وأوكرانيين, وأكراد, وجورجيين, ويونانيين. يصف الراوي في بانوراما متحركة ملامح هذه الجماعات الجسدية وصفاتها, والممارسات الخاصة بها, وملابسها,
لكن الراوي يتوقف أمام مشهد ملفت يثير انتباهه, فيركز عليه متحريا ملاحقا, ذلك حين صعدت إلي السفينة مجموعة تمثل بطانة شيخ يتقدمها, يعتمر عمامة بيضاء, ويرتدي عباءة, ويتبدي عريض العظام, وسيط القامة, نحيل الخصر, ذا لحية بيضاء ناصعة, وعيناه تتألقان ألقا غريبا, أسرع كل من ينتمي إلي جنسية هذا الرجل بالمشاركة في تنظيف مكان رحب له علي سطح السفينة, وفرشت بطانة الشيخ كثيرا من السجاد, ووضعت الوسائد, واستلقي الشيخ علي هذا المرقد بجلال. اندفع الراوي في متابعة التحري, مقتربا من الشيخ, جالسا إليه, سائلا إياه عن جنسيته ووجهته, فأجابه الشيخ ـ بود ـ بأنه كردي, متجه إلي اسطنبول,
حيث يحمل سبعة كرابيج هدية إلي البادشاه, الذي أخذ منه سبعة أبناء, هم كل من كانوا لديه, وأرسلهم إلي الحرب, فماتوا جميعا. اقتحم الحديث ـ محفزا تغيير مسار الموقف ـ شاب يوناني وسيم, متأنق, أحمق, متغندر, وقح, معلنا إشفاقه المشوب بالاستخفاف مما حدث, ثم خاطب الشيخ ساخرا, متعجبا من أن يموت الشباب السبعة الأبناء, ويبقي العجوز حيا. رفض الشيخ بحسم وصفه له بأنه عجوز, بل أكد أنه أبدا لن يكون عجوزا,
مشيرا إلي الشاب اليوناني الأحمق, ومعلنا له بأنه هو من سوف يصبح عجوزا, ثم سأله إذا ما كان يعرف قصة القرد, فنفي الشاب اليوناني مستنكرا, عندئذ راح الشيخ يحكي أن الله سبحانه خلق السماء والأرض, ثم خلق الإنسان الذي علم أنه سوف يعيش ثلاثين عاما سعيدا مسرورا في هذه الدنيا, التي خلقها الله سبحانه من أجله, لكن الإنسان تململ غير راض عن ضآلة سنوات حياته, ثم خلق الله سبحانه من الحيوانات الحمار, حيث علم أن مهمته في الحياة أن يشقي, يحمل الرحال, ويمتطيه البشر, ويضربوه, ويعيش ثلاثين عاما, فأجهش الحمار بالبكاء, متوسلا بأنه لا حاجة له إلي كل هذا العمر, ويكفيه نصفه, أسرع الإنسان ضارعا طالبا أن تضاف هذه الخمسة عشر عاما إلي رصيد عمره, فأصبح الإنسان خمسة وأربعين عاما, ثم خلق الله سبحانه من الحيوانات الكلب, حيث علم أنه سيعيش عمرا يمتد ثلاثين عاما, يقضيها مستاء, ساهرا علي حراسة ثروة صاحبه, لا يثق بأي غريب, ينبح علي المارة, ولا ينام الليل من قلقه. تأوه الكلب وتوسل أنه يكفيه نصف هذا العمر, من جديد توسل الإنسان أن يضاف إليه هذا العمر, فأصبح عمر الإنسان ستين عاما.
خلق الله سبحانه من الحيوانات القرد, حيث علم أنه سيعيش ثلاثين عاما, من دون حاجة إلي بذل جهد, ولن يعرف الهم والغم, لكنه سيكون قبيح الوجه, أصلع الرأس, كثير التجاعيد, وسوف يأتي الجميع للفرجة عليه, ويضحكون منه, وكذلك القرد توسل بأنه يكفيه نصف هذا العمر, وتضرع الإنسان أيضا طالبا لنفسه هذا النصف من العمر. عاش الإنسان في الدنيا سنواته بوصفه إنسانا حياة لائقة, أما سنوات الحمار فقد عاشها يشقي كادحا بسلطان كاسح في سبيل كسب المال والحرص عليه, أما سنوات الكلب فقد أمضاها في السهر علي ثروته,
قلقا لا ينام الليل, لا يكف عن الغضب, مستاء لا يثق بأحد, ولم يلبث أن أصبح دميما, هرما مثل القرد, وراح الجميع يهزون رؤوسهم, ويضحكون من هرمه. بعد أن انتهي الشيخ من قصته, تطلع إلي الشاب المتغندر الأحمق قائلا: كل هذا سوف يكون من نصيبك., سأله الشاب الوسيح الوقح عن السبب في أن ذلك لم يحدث له, فأجابه الشيخ: إن أمثالي قلة, فانني لم أكن حمارا, ولم أكن كلبا, فكيف أصبح قردا, ولماذا أصبح عجوزا!
جسدت هذه الأقصوصة البديعة مقاصد أستاذ الفلسفة, وعمقت شرحه لفكرته, كاشفة عن أنه حين يتجاوز الإنسان إنسانيته, تعم الغفلة, وتسود صيغ العنف البارد المدمر لتماسك المجتمع, ولا يتأتي للإنسان الخروج من مأزقه إلا بوعي المراجعة الدائمة لسلوكه, ويقين تمسكه بأن يعيش متوافقا مع إطاره الإنساني الاجتماعي, متعايشا مع سياق زمنه الثقافي, بوصف الثقافة هي الخاصية الوحيدة التي يتمتع بها الإنسان من دون كل مخلوقات الأرض, فالثقافة بكل تجليات قيمها تحفز الوجود الإنساني علي إقامة نظام اجتماعي يتطلع إلي جودة الحياة, تولد المبادرات التي تحقق للإنسان حياة لائقة, وتنمي الانفتاح علي التفكير, وتناهض الانغلاق علي الذات, وتخلق الوعي بالواقع, وتدفع إلي الإصلاح والمراجعة. فالثقافة في توحدها مع الإنسان سلوكا وكيانا, تصل به إلي آفاق حياة لا تعرف العجز, لذا فإن السيدة الفاضلة سوزان مبارك, عندما رفعت نداء القراءة للحياة شعارا لمشروعها القراءة للجميع, الذي تبنته بقناعة أهدافه, وحرصت علي متابعته بدأب يقين نتائجه, ودفعت مبادراتها بإهداء مليون كتاب, بحسم إرادة تحرير القراءة وتأمين ممارستها,
إنما يعني ذلك استمساكها بالثقافة, بوصفها مملكة شرف الإنسان, بما تولده القراءة لدي الناس من إمكانية حضورهم الإنساني في حياة لائقة, إذ لا تستقر رؤية في مجتمع ما إلا بنفاذ الثقافة في نسيج مجتمعها, وشرط ذلك أن تعم عدالة المعرفة. إن حرص السيدة الفاضلة سوزان مبارك علي انتظام مشروع القراءة للجميع, يؤكد مرجعية تؤمن بالحرص علي استمرار تجدد الانتباه, والانفتاح الدائم علي المعرفة, اكتسابا لثقافة الارادة التي تصد الغفلة عن كل ممارسة تعادي جوهر الوجود الإنساني قبل أن تتصلب وتهيمن علي المجتمع. ولا شك أن هذا الإيمان الجاد المنتظم بدعم القراءة وتحريرها, يعني أيضا أنه صميم الاستثمار الاستراتيجي لرأس المال البشري للمجتمع المصري, ترسيخا للقيم الحافزة لكل مجالات نشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي, توليدا لرأي عام واع فعال وقوي, يتوافق حول قيم مشتركة, ولا يسمح لأي قوي أو فئة أو جماعة أن تحاول الهيمنة علي مصيره, لتحرمه من جودة الحياة, لذا فهو مشروع الحياة اللائقة. |