|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44429 | السنة 132-العدد | 2008 | يوليو | 28 | 25 من رجب 1429 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
في دمياط.. أيام لها تاريخ! بقلم : د.سعيد اللاوندي
|
 |
أحسب أننا نرتكب خطأ كبيرا في حق محافظة دمياط إذا قصرنا نظرتنا علي الخلاف الدائر حاليا بين الدمايطة وشركة أجريوم الكندية الذي أوشك أن ينتهي لمصلحة السكان خصوصا بعد أن وضع الرئيس مبارك حجر الأساس في تناول هذه القضية بتأكيده ضرورة موافقة المجتمع المدني علي بناء المصنع( الذي يطلق عليه الدمايطة مصنع الموت!) وبعد أن أوصي مجلس الشعب بنقل المصنع إلي مكان آخر.
أقول إننا نظلم دمياط كثيرا إذا سمحنا لهذه الأزمة أن تحجب عنا كل ما يحدث علي أرضها وبين سكانها من انجازات في الأعوام القليلة الماضية.. والتي يهمني منها انجازان:
الأول هو تطور حركة المجتمع المدني بطريقة لافتة للنظر تعكس نضجا سياسيا غير مسبوق, انعكس في الأداء الواعي والحضاري عبر مراحل أزمة مصنع أجريوم.. وكان العهد أن تجري حركة الاحتجاجات في القضايا الخلافية بطريقة عشوائية لا تخلو من عنف وتطاول, وهو مالم يحدث ـ في حالة دمياط ـ فالمعترضون ـ وهم كل دمياط تقريبا ـ حرصوا علي أن يعبروا عن رفضهم إقامة مصنع السموم بأسلوب حاز إعجاب المراقبين, فلاعنف, ولا صخب ولا تهديدات وأقصي ماتم اللجوء إليه هو تنظيم مسيرات شعبية( منظمة) ترفع لافتات سوداء عليها شعارات تفند أسباب الرفض والتي تدور في معظمها حول حقائق لا يختلف عليها اثنان وهي أن إقامة المصنع ستدمر واحدا من أعرق منتجعات ومصايف مصر( وهو مصيف رأس البر) الذي لا يخلو فيلم ـ في الزمن الجميل ـ من مشاهد تجري في ربوعه, بل كان المنافس الأقوي لمصايف لبنان في الأيام الخوالي.. ناهيك عن أن دمياط هي المحافظة الوحيدة التي لا تعاني من البطالة, فأبناؤها يتميزون بالدينامية والحركة ولا يوجد في أجندتهم اليومية وقت فراغ وإذا اضفنا إلي ذلك أن دمياط هي المكان الوحيد في مصر الذي أصبحت فيه الأمية بين الأهالي تساوي( صفرا) وأن دفاعهم عن موطنهم ينبع من وعي بمكان ومكانة دمياط, ومن خوف علي تشويه مكان حباه الله بمقومات جمالية قل أن نجدها في مكان آخر خصوصا في مثلث مدينة رأس البر.
الأهم من ذلك أن المجتمع المدني الدمياطي يعيش في حالة تناغم وانسجام مع نفسه من ناحية, ومع حركة تطور المجتمع المصري من ناحية أخري, فلم يسمع أحد أن عنصرا من أبنائه خرج علي المألوف أو المعتاد, وعزف لحنا نشازا بعيدا عن المجموع, فأزمة مصنع أجريوم هي أزمة الصغير والكبير, ولا مصلحة فردية من أي نوع يمكن أن تجب أو تلغي المصلحة العامة.
وما يجب أن يسجل لأهل دمياط( بإعجاب وتقدير بالغين) أنهم إنما انطلقوا في حركتهم( كمجتمع مدني) من لحظة وعي صادقة تدرك أن( مصر ـ مبارك) تمر بواحد من أزهي عصورها علي صعيد الحراك السياسي, وإفساح المجال رحبا أمام المشاركة السياسية والشعبية.. ولذلك لم يشعر أحد أن الدمايطة أتوا شيئا نكرا.. وأكاد أقول العكس تماما.. فالثابت أن هذه الصفحة التي يكتبها أهل دمياط في تاريخهم المعاصر ـ بوعي سياسي ناضج وبسلوك حضاري رفيع ـ سيقف المؤرخون أمامها ـ بإعجاب وإجلال ـ لتكون عنوانا كبيرا لأيام لها تاريخ علي نحو ما فعل الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين في واحد من كتبه الشهيرة متأملا مجموعة من الأحداث الشعبية والسياسية والوطنية التي عرفتها مصر عبر تاريخها القديم والحديث.
وأعترف بأن ما يقبض قلبي ويشعرني بكثير من الضيق أن هناك من يحاول إجهاض هذه التجربة الدمياطية الناجحة في التعبير والمشاركة السياسية, فيهيل ـ عن عمد ـ التراب عليها, ويشكك في مقاصدها النبيلة فيتحدث عن( قطيع دمياطي) يسوقه بعض من ذوي النفوذ والسلطة, كما تساق الإبل!
وهذا ظلم كبير, لأنه يسلب دمياط واحدة من أهم مميزاتها كمنطقة وكشعب, وهو الوعي العميق باللحظة السياسية التي تعيشها مصر عامة, كما يعني ـ ضمن ما يعني ـ أن مصر لا تعرف أو يجب ألا تعرف سوي التحركات المشبوهة, أو المأجورة وهذا ـ لعمري ـ خلط غير بريء يستهدف اغتيال دمياط وأهلها, وهو أمر يسئ بل يضر صاحبه الذي يصبح حاله أشبه بحال من يقف علي جذع شجرة ثم يقوم بقطعها ناسيا أنه إنما يقطع نفسه!
مرة أخري, إن دمياط تعيش لحظة تاريخية تدعونا جميعا للفخر بمصر التي أصبح فيها مجتمع مدني متحضر ـ يرفض السكونية( والبكاء علي اللبن المسكوب) ويفسح لنفسه مكانا عريضا في المشاركة السياسية التي تعكس نضجا شعبيا( مصريا) نتمني أن نراه في كل أنحاء مصر.
الشئ الآخر الذي يجب ألا يحجبه عنا غبار أزمة مصنع أجريوم هو الانجازات العمرانية التي حدثت علي أرض الواقع خصوصا في جزيرة رأس البر التي لم يكن لها سوي لسان واحد علي مر العصور, فأصبح لها ثلاثة ألسن تمتد في شموخ في عرض البحر الأبيض المتوسط لتبرهن علي نبوغ هندسة تخطيط المدن وبراعة توظيف المعطيات الجغرافية لايجاد واقع معماري أخاذ ومثير للإعجاب.
وما يحسب ـ بحق ـ للمجتمع الدمياطي أن هذه التجديدات التي شهدها هذا الثغر الدمياطي الجميل ـ أقصد رأس البر ـ لم تكلف موازنة الدولة جنيها واحدا, وإنما تم توفير نفقاته بجهود ذاتية, ومشاريع بيئية ومجتمعية يمتلكها سكان دمياط أنفسهم وهو ما يترجم ـ مرة أخري ـ المشاركة المجتمعية في التنمية والنهضة العمرانية.. والشئ نفسه شهدته دمياط( المدينة) من خلال شاطئ النيل الذي أصبح( أيقونة جمالية) نادرة الصنع وكذلك الجاليري العائم من خلال توظيف الكوبري القديم الذي خطفه الدكتور فتحي البرادعي ـ محافظ دمياط ـ من أيدي تجار الخردة, وضخ في عروقه وأوصاله الدماء لتعود الحركة ـ مجددا ـ إليه وليظهر في أبهي حلة ـ كمركز ثقافي عائم يكمل رسالة مكتبة مبارك التنويرية في دمياط وضواحيها.
يبقي أخيرا أن نذكر أن الرئيس مبارك عندما تمني ذات يوم أن يكون كل شعب مصر( دمايطة) إنما كان يؤكد ثقته في الدمايطة الذين يبادلونه ـ حبا بحب ـ ويتمنون أن تلتزم حكومة د.أحمد نظيف بتوصياته لطي صفحة أزمة المصنع ولكي تتفرغ دمياط للإبداع في الأثاث والحلوي والعمران. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|