|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44429 | السنة 132-العدد | 2008 | يوليو | 28 | 25 من رجب 1429 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
صحراء حلوان.. مرثية المنتجع الصحي العالمي بقلم : د. حمدي هاشم
|
 |
خبير جغرافية بيئيةانفردت حلوان بمناخ صحراوي لا مثيل له وسط تلك الصحراء العظمي في شمال إفريقيا, مما جعلها منتجعا صحيا عالميا وذلك في مرحلة ما قبل دخول الصناعة. فكان المناخ, حينذاك, عاملا مؤثرا وجاذبا بدرجة كبيرة للسياحة الصحية والعلاجية, ثم تراجع بصورة واضحة في مرحلة ما بعد دخول الصناعة, فأصبح متأثرا بالتلوث, بدرجة شديدة, أفقدته القدرة علي خاصية التنقية الذاتية لمكوناته. فبقدر ما تأثرت مفردات المحيط الحيوي للمكان تغيرت العلاقة العضوية بين المناخ والانسان, نتيجة ذلك التوطن الصناعي بامتداد منطقة حلوان وما يتزامن معه من نمو حضري مضطرد.
ولا ننسي أن نذكر النبات الطبيعي, الذي لم يفلت من التلوث البيئي, بصورة أو بأخري, حيث كانت الصناعة وراء تدهور بيئة منتجع حلوان الصحي بما يكتنف أوديته, وأشهرها وادي حوف, من شتي أنواع النباتات الصحراوية المعمرة منها والموسمية وذات الحولين, والتي تصل في مجموعها إلي ما يقرب من مائتي نوع. كان ذلك حتي وقت قريب بينما تشاهد الأشجار, في الوقت الحاضر, وقد ماتت واقفة بامتداد كورنيش حلوان, مما يؤكد أن لمخلفات الصناعة مردودا بيئيا سلبيا علي حياة تلك النباتات في أوديتها. ناهيك عن الآثار المزمنة لملوثات الهواء الجوي حيث قد يصاب السكان المعرضون للتلوث الصناعي بالتهاب العيون المصحوب بالدموع وتهيج الأنف والشعب الهوائية وارتفاع نسبة الإصابة بالربو الشعبي والنزلات الشعبية المزمنة وسرطان الرئة وبعض أنواع السرطان الأخري, وكذلك ضعف الجهاز المناعي والتأثير المباشر علي نمو الجهاز العصبي لدي الأطفال الذين يصابون كذلك بالأنيميا والكساح والتخلف العقلي وكثير من الأمراض الأخري.
ويمكن تلخيص الموقف البيئي لحلوان في أربع مراحل: المرحلة الأولي قبل سنة(1900), حيث تفردت وتميزت المنطقة وسط البيئة الصحراوية بمناخها الصحي, وبعزلتها التي أعطت الفرصة للحياة الفطرية أن تنمو وتزدهر, وقد جذبت حلوان من الداخل هؤلاء الأثرياء سعيا وراء اقتناء موقع صحي للإقامة الشتوية, ومن الخارج جموع غفيرة من شتي أنحاء العالم سعيا للراحة والاستشفاء, وذلك حتي نهاية القرن التاسع عشر. المرحلة الثانية من1900 ــ يوليو1952, حيث وقع في بدايتها اختيار حلوان لإنشاء أول مصنع باستثمارات القطاع الخاص لإنتاج الأسمنت البورتلاندي بمصر( بطاقة إنتاجية80 ألف طن/ سنة), من قبل شركة الأسمنت المصرية ومقرها بروكسل وقتئذ, في شرقي المعصرة بجبل حوف.
وإن كان ذلك الاختيارقد حالفه الصواب لوقوع المصنع في منصرف الرياح علي مسافة ستة كيلو مترات جنوب شرقي ضاحية المعادي, إلا أنه قد توطن شمال أرض الجولف بحلوان, ذات الشهرة العالمية, التي تفترش مسطحا يزيد علي الكيلو متر المربع, فوق تلك الأراضي المتاخمة للصحراء شمال مدينة حلوان, حيث كان مصنع الأسمنت يبتعد عنها بنحو خمسة كيلو مترات, وتأسست بعد ذلك شركتا طره وحلوان للأسمنت خلال عامي(1927) و(1929) علي التوالي, وجدير بالذكر أن الحكومة المصرية شكلت( في سنة1925) لجنة لاختيار المنطقة الصناعية لمدينة القاهرة بمنطقة المعصرة, التي لم يستقر عليها الرأي لكونها لا تملك الشروط الكافية لاقامة المنطقة الصناعية, علاوة علي أثرها البيئي في هدم المزايا الصحية لمنتجع وعيون حلوان.
المرحلة الثالثة من1952 ـ قبل صدور قانون البيئة في1994, حيث توطن مصنع القومية للأسمنت بالتنبين بعد ثلاثين عاما من توطن مصنعي أسمنت بطره وكفر العلو وذلك بعد اعتماد حكومة الثورة منطقة حلوان لتوطين الصناعات الثقيلة المدنية منها والحربية. وقد جري ذلك بلا تخطيط حكومي وبدون تدبير استثمارات البنية العمرانية أو ضبط لحركة النمو الصناعي, مما ساعد المصانع علي التخلص من مخلفاتها الصلبة والسائلة والغازية في المحيط الحيوي, فتدهورت بئية المنطقة وما حولها. المرحلة الرابعة من1994 حتي الوقت الراهن حيث شكلت السياسة الحكومية وليدة العهد بالبيئة, والتي لم تراع حق معيشة الانسان في بيئة غير ملوثة, نوعا من التدمير لعناصر البيئة وصحة الانسان, حتي بعد صدور قانون البيئة رقم4 لسنة1994 بما يقتضيه من توفيق أوضاع المصانع وفقا لأحكامه, وما تزامن معه من تنفيذ برنامج الخصخصة للإصلاح الاقتصادي بغرض توسيع قاعدة الملكية في ظل اقتصاد السوق. تلك السياسات التي رحلت الأعباء البيئية إلي المستثمرين الجدد, مما قد يعود علي الصناعة نفسها بأضرار اقتصادية نتيجة التكاليف الباهظة لمكافحة التلوث.
ولا شك أن سكان منطقة حلوان الذين تمتعوا بحق طيب العيش في مكان قد صحت قواعده الجغرافية لاستقرار العمران البشري, وحدث أن حرفة الصناعة دخلته لتتوطن فيه, بل طغت علي حيز المكان بمخلفاتها التي تحتوي علي كثير من الملوثات الضارة ببيئة المحيط الحيوي, هؤلاء السكان الذين يؤكدون( من واقع تمتعهم بذلك الحق) مشاهد التغير في ملامح البيئة المحيطة بهم من خلال خبرتهم الممتدة بالمكان, عبر صور ذهنية مستمدة من الواقع ترصد الوضع البيئي في الماضي والحاضر, قبل وبعد دخول حرفة الصناعة. الأمر الذي يحدد أشكال الاختلاف والتباين بين وضعين يدل صافي الفرق بينهما علي مدي إشكالية التوطن الصناعي ذوالبعد الواحد الذي لا يضع للبيئة أي اعتبار, بل يضحي بكل ما هو بيئي سعيا وراء تحسين مستوي المعيشة. أضف إلي ذلك الخروج الفعلي لبيئة ذلك المكان عن فطرتها الأولي, في الوقت الحاضر, حيث كانت قادرة( بدرجة كبيرة) علي الثبات في تدوير ذاتها فبرئت مما يلوثها حتي الماضي القريب. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|