|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44429 | السنة 132-العدد | 2008 | يوليو | 28 | 25 من رجب 1429 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
تجديد الأخلاق: حتي لانزرع الشوك! بقلم : وفاء محمود
|
 |
كنت قد دعوت شبابنا في مقالي السابق بالإمساك بزمام المبادرة واقتحام سوق العمل متسلحين بالارادة للبدء في مشاريع صغيرة يحتاجها المجتمع, مع احتفاظي بكل الحماس لهذه الدعوة ـ التي أعتبرها إجبارية ـ إلا أنني أدرك أيضا أنه لابد من مساندة اجتماعية لمثل هذه المبادرات, بتقديم الدعم النفسي وأيضا المادي فنيا وتمويليا, وإلا كنت كمن يلقي بهم في عرض البحر حيث الماء في كل مكان, ولكن كما يقول البحار القديم( كلورتيش) ليس هناك قطرة واحدة تصلح للشرب!
فعندما نطوح بالفكر الرأسمالي في وجوه شبابنا فجأة دون تاريخ اقتصادي يرسم لهم خريطة الطريق الفردي الحر, فلاشك سيغرقون في نصائح منمقة, ودعوات خارج السياق الواقعي الذي يفرض نفسه, فالمبادرات الفردية الحرة تحتاج الي شخصيات مدربة, وأسواق مدروسة, ونظم اقتصادية ملائمة, ومجتمع منظم, وعندما تختل هذه العوامل, فنحن بذلك نحمل أكتاف الشباب مالا تطيق, وتتخلي الدولة عن الهدف الذي أنشئت من أجله!
فالدولة أنشئت كما يقول أرسطو للمحافظة علي مجرد الحياة, وتستمر لتحقيق الحياة الفاضلة, فدور الدولة محوري لتنظيم حياة الأفراد, وأجتهد المفكرون لإيجاد السبل التي تمكن الدولة من تحقيق النظام والتقدم والسعادة والمنفعة والعدالة.. والنظم السياسية تلتقي عند هدف واحد, وهو تحقيق الكمال للأفراد, فالنظرية الفردية التي تدعو لضمان حرية الفرد وعدم التدخل في أفكاره ونشاطه, لتحقيق الرفاهية لنفسه, عن طريق استخدام كل مواهبه وملكاته وطاقته علي الإجتهاد والعمل, تشترك معها في ذلك النظرية الاشتراكية, إلا أنها تنكر أن النظرية الفردية تستطيع أن تصل لهذا الهدف, وتري أن تدخل الدولة في تنظيم النشاط الإجتماعي سياسيا واقتصاديا هو مايحقق رفاهية الفرد والمجتمع, فالدولة صاحبة الدور الرئيسي لاستعمال رأس المال لرفاهية جميع الأفراد, وليس لرفاهية القلة علي حساب الأغلبية, بينما نجد الدولة في النظرية الفردية شرا لابد منه!
والتجربة التاريخية أثبتت أن أهمية دور الدولة لابد أن يعود الي الواقع المعيش, لا إلي هذه النظريات أو تلك الأفكار, التي لاتثبت جدواها إلا بمدي نجاحها في الواقع علي تحقيق أهدافها, فالنظرية الفردية أرادت أن تحمي كيان الافراد من تهديد المجتمع( الأغلبية), في حين أرادت الاشتراكية أن يحمي المجتمع كيان الأفراد من أصحاب رؤوس الأموال( الأقلية), وكلا الطرفين إن لم يثبت نهاية التاريخ لأحداهما, إلا أن نهاية التطرف في أي منهما قد وضحت, فالرأسمالية نتيجة للمواجهات مع العمال أصحاب الحق في قيمة عملهم, تطورت بالتوفيق بين الدولة صاحبة السيادة المطلقة مع المحافظة علي حرية الأفراد, فعندما وفق( جون ستيوارت ميل) بين مبدأ الديموقراطية( حكم الأغلبية) ومبدأ الفردية, كتب للنظام الرأسمالي البقاء, أما الاشتراكية في شكلها المتطرف( الشيوعية) وإن كانت تبدو( يوتوبيا) إنسانية, إلا أن تطبيقها التعسفي كان شديد العنف كتجربة( بول بوت) في كمبوديا, كما أدت لانهيار الاتحاد السوفييتي, إلا أن الفكر الاشتراكي رحب, تستعين به الانسانية لتحقيق الغرض الأخلاقي للدولة, ولكن حسب ظروف كل دولة, وهو ما نادي به زعيم شيوعي كبير مثل( ماوتسي تونج), الذي طبق الماركسية حسب الظروف المحددة السائدة في الصين, وليس الماركسية بالاستعمال المجرد, ومع التطور الدولي العولمي, تقوم الصين بالتوجه نحو الفكر الرأسمالي حاليا ولكن حسب فكر( ماو) أيضا أي بأخذ الظروف السائدة في الاعتبار, ولاتطوحها تطويحا في وجوه المليار صيني!
في المراحل الانتقالية, أعتقد أن دور الدولة يكون رساليا, فتحمل أعباء مركبة, لتطوير الواقع, ليساير العصر السريع التغير, فعلي مؤسساتها وضع برامج وسياسات وخطط للتنمية, لينتظم فيها الشعب, وفق رؤي واضحة, حتي يبذل جهده وهو مطمئن انه سيعود عليه بالفائدة, خاصة أن معظم المشاريع الصغيرة اصطدمت بعوائق سلبية, قلصت الأمل في جدوي الاقدام عليها بجهود غير قادرة علي منافسة الكيانات الكبيرة, أو تنقصها الدراسات التسويقية لاحتياجات المجتمع, فأجهزة الدولة عليها دور كبير في الإرشاد والتوجيه والمساندة, وأيضا إعداد كوادر قادرة علي خوض غمار هذه التجارب, التي قد تأتي علي مدخرات الشباب وجهودهم دون جدوي, فخلق بيئة مواتية للاستثمار والتنمية, أهم دور للدولة النامية في ظل الظروف العالمية القاهرة, التي تفرض منافسة غير متكافئة.
وقد اقترح علماء متخصصون تطوير كليات الزراعة لتواكب التكنولوجيا الحديثة, مع إعطاء كل خريج(10) أفدنة مستصلحة ليقوم بزراعتها, وكان وجه الاعتراض أن هذه التجربة تؤدي الي قيام الشباب( بتسقيع) الأراضي وبيعها بعد ذلك, وهي نفس حجة هيئة التنمية الصناعية بأن الأراضي التي تمنحها الهيئة لإقامة مشروعات تنمية, يقوم المستثمرون ببيعها لتحقيق استفادة ضخمة من فروق الأسعار, وهي حجة تدين قائليها لأنها تدل علي عشوائية التوزيع, دون برنامج للتنمية يراقب الأهداف التي من أجلها تم توزيع الاراضي, فالعقد شريعة المتعاقدين, ويجب الإلتزام من الجانبين بالهدف الذي تم توزيع الاراضي من أجله, وهو الاستثمار أي زيادة الإنتاج, وتوفير فرص العمل, أما مايسمي( التسقيع) فهو جريمة مكتملة, إذا قام بها الفرد أو الدولة, فعندما تبيع الدولة الأراضي المستصلحة بالمدن الجديدة بالمزاد العلني والقرعة, تتخلي عن دورها المحوري في التنمية الاجتماعية, ودعم الاقتصاد, وتتحول الي منافس للأفراد لجني الارباح الحرام!
البعد الاجتماعي للدولة في دعم النمو بالقطاعات الزراعية والصناعية, يتطلب إيجاد مجتمعات جديدة, لجذب الملايين الي الظهير الصحراوي, بدلا من أن يتكدس الـ(100 مليون) مصري بعد حوالي10 سنوات في نفس المساحة التي تكدس فيها الفراعنة! وفي المقابل لها أن تتمسك بالشروط الصارمة التي تمنع هذا( التسقيع) لا أن تشارك فيه!
وإيمانا بالتعاون العربي والإقليمي والدولي شاركت مصر في رسم تصور للتعاون الخارجي بما يحقق المصلحة الداخلية في مؤتمرات القمة الافريقية بشرم الشيخ, وقمة الدول الثماني النامية بماليزيا, ومؤخرا الاتحاد من أجل المتوسط بباريس, كان اهم مافيها كيفية مواجهة أزمة الغذاء العالمي, وارتفاع اسعار النفط بسبب المضاربات الدولية, مما يعيد لمصر دورها المحوري عربيا وافريقيا وإسلاميا وأيضا دوليا. وبما لذلك من انعكاس مباشر علي حيوية الاقتصاد داخليا, بعد أن ثبت فساد الدعوة الي الانغلاق وسلخ مصر عن محيطها العربي والإفريقي والاسلامي, بدعوي التقدم والتشبه بالعالم الحر المتحضر, وهي كلمة حق أريد بها باطل, لأن التشبه بالعالم المتقدم لن يحدث إلا بالاستقواء بالمحيط الطبيعي, صاحب نفس المصلحة في التقدم, فعلي حسب تصور استاذنا المرحوم( د. منصور فهمي) مدير جامعة الاسكندرية السابق أن التكتل ضرورة للضعفاء أمام الأقوياء, ووضع معادلة بديلة لـ( صفر+ صفر= صفر), وهي( ضعيف+ ضعيف=2/1 ضعيف)!
ولو نجحت جهود التكتل العربي والإفريقي والاسلامي التي جاهد في سبيلها زعيم الأمة العربية( جمال عبد الناصر) لاستطاع الضعفاء أن يواجهوا الآن رأس المال المندمج علي الصعيد العالمي, الذي أدي لظهور الإمبرالية الرأسمالية, التي تنبأ بها( لينين)! ولا أمل بمواجهتها إلا بتكتل الضعفاء, والتعاون الذكي لإجبار الأقوياء علي تقاسم المنافع والأعباء, خاصة إنهم يتملصون من مسئولياتهم التي حددوها بأنفسهم.
فتكتل الضعفاء ليس ضد الأغنياء, ولكن يمكنهم من فرض مطالبهم علي المجتمع الدولي, ووضعها موضع التنفيذ, ومراعاة قواعد العدالة, وتجنب التهميش, وربما بنوع من المقاومة الإيجابية نستطيع تشكيل العولمة لتضع مصالحنا في الاعتبار, وقد تتحقق نبوءة( برجس) بإنشاء الدولة العالمية التي تحقق الكمال للإنسانية ككل!
وأعتقد أن الدولة العالمية التي تعمل لصالح الجميع لن تتحقق إلا بإنضاج شروطها بجهود الضعفاء, فلا مصلحة للأقوياء في التنازل عن مصالحهم!
والمقاومة الداخلية تتكامل مع المقاومة الخارجية وكلاهما يكافح لاختيار نظم اقتصادية تراعي الفقراء الي جانب الأغنياء لتحقق الانسجام الوطني والدولي, فالفكر الاقتصادي نتاج بشري متغير, وليس من قوانين الطبيعة الأبدية, بل إن أهم قوانينها أن الظلم يستدعي المقاومة للحفاظ علي حق الحياة, ومن يزرع الشوك لايحصد الورد, فما خوف الغريق من البلل ؟! |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|