جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ مـن الجهــاد الأصغـر إلـي الجهــاد الأكبــر بقلم : د‏.‏ عبد المنعم سعيد

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44429‏السنة 132-العدد2008يوليو28‏25 من رجب 1429 هـالأثنين

 

مـن الجهــاد الأصغـر إلـي الجهــاد الأكبــر
بقلم : د‏.‏ عبد المنعم سعيد

كان التفكير ـ فيما لم نتعود التفكير فيه ـ هو الذي أدي إلي أنجازات أكتوبر‏1973,‏ وإلي عملية التحرير الكبري التي جرت للأراضي المصرية المحتلة في عام‏1982,‏ ولو أن التفكير المصري استمر علي حاله لبقيت سيناء علي حالها مثل الجولان أو مثل الأراضي الفلسطينية حيث يكون الثبات علي الثوابت أكثر أهمية بكثير من التغير والتفكير الذي يؤدي إلي الحرية والانعتاق‏.‏ ولكن كل ما جري علي أهميته وخطورته وعبقريته أيضا لم يكن إلا جهادا أصغر تستعيد فيه الدولة تكاملها الإقليمي واحترامها الدولي‏,‏ أما الجهاد الأكبر فهو ما تفعله الأمة بالتكامل والاحترام والاستقلال والأرض‏.‏ فمن المؤكد أن لكل ذلك أهميته في ذاته‏,‏ ولكن الأمم التي توقفت عند هذه المرحلة لم تلبث أن وهنت وضعفت وتآكلت في داخلها لأن الزمن والعالم لايبقي حالا علي حاله‏,‏ ولولا ماكنا عليه من ضعف ما جاءنا استعمار‏,‏ ولولا ماكنا عليه من وهن ماجرأت إسرائيل علي احتلال أراض مصرية مرتين خلال النصف قرن الأخير‏,‏ ولايصح في أمة لها كرامتها وتاريخها أن تكون مهمتها التاريخية هي التخلص من احتلال الواحد بعد الآخر ثم بعد ذلك تنتظر الجولة التالية من النضال والكفاح‏.‏

ولذلك فإن الجهاد الأكبر ليس فقط أن تكتسب الدولة من المنعة والقوة ما يكون كافيا لكي لايفكر أحد في الاعتداء عليها‏,‏ ولكن أيضا أن تكون جزءا قائدا من حركة التاريخ والمستقبل‏.‏ وقبل ثلاثة آلاف عام كانت مصر بالنسبة للعالم مثلما هو حال الولايات المتحدة الآن من حيث هي مصدر المعرفة ومكان القوة‏,‏ وفي أيام أخري كانت الإسكندرية وروما هما قطبا العالم المعاصر أيامها بالطبع‏.‏

وفي عام‏1987‏ كنت باحثا في معهد بروكينجز المعروف في واشنطن العاصمة الأمريكية‏,‏ وعندما ألقيت محاضرة عن مصر باعتبارها من دول العالم النامي اعترض أحد الباحثين علي هذا الوصف حتي ولو كان الناتج المحلي الإجمالي‏,‏ ومتوسط دخل الفرد‏,‏ والعمر المتوقع عند الميلاد‏,‏ ومستوي إنتاج التكنولوجيا‏,‏ والتطور السياسي في البلاد لا يقول بغير ذلك‏,‏ وعلي العكس من ذلك تماما فإن أستاذنا الدكتور بطرس غالي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان توقع في محاضرة له بمكتبة الاسكندرية وصول الديمقراطية إلي مصر خلال فترة زمنية تتراوح مابين عشرين وأربعين عاما بينما استغرق الأمر في دول أوروبا الشرقية التي كانت شيوعية شمولية ومتخلفة أيضا حوالي خمس سنوات‏,‏ وربما لايكون الأستاذ مبالغا كثيرا حيث إن خصخصة الهيئات الاقتصادية العامة في مصر يتوقع لها وفق الخطط والمعدلات الحالية أن تستغرق خصخصتها أربعين عاما كذلك وهي التي تم الانتهاء منها في أوروبا الشرقية خلال خمس سنوات أيضا‏.‏

الجهاد الأكبر إذن هو أن تكتسب معدلات الإصلاح المصرية نفس المعدلات العالمية المتميزة لدول تولدت لديها مايكفي من الإرادة لكي تقرر الانطلاق في ركب التقدم واللحاق بركب الدولة المتقدمة‏.‏ وبصراحة كاملة فإن تحقيق ذلك في مصر لن يكون ممكنا مالم يكن لدينا القدرة علي التفكير فيما لم نتعود التفكير فيه‏,‏ تماما كما حدث خلال حرب أكتوبر أو خلال فترة الجهاد الأصغر‏.‏ وعندما نتحدث عن التفكير فيما لم نتعود التفكير فيه فإننا لانقصد الفكر الجديد للحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ ولانتحدث عن التجديد التي تحاول الحكومة أن تعالج به قضايا مثل الدعم والفقر وتوزيع الدخل‏,‏ ولكننا نتحدث تحديدا أن تدخل مصر ضمن المسار العام لحركة العالم حيث قضية الدول ليست إدارة الفقر وإنما الثروة وتراكمها‏.‏ وهي مسألة لاتخص الحزب الوطني‏,‏ أو الحكومة‏,‏ وأنما الطبقة الفكرية في البلاد التي وقفت ضد كل تجديد‏,‏ وكل مراجعة‏,‏ وفي كثير من الأحوال كان مثالها ومحط آمالها مجموعات من الدول المتخلفة والديكتاتورية والشمولية‏,‏ أما أحلامها فلا تزيد عن انتظار عودة الاتحاد السوفيتي مرة أخري‏,‏ أو أن تحل الصين أو الهند محله وتقوم بنفس الدور الذي كان يقوم به في مناوأة العالم المتقدم‏.‏

وهو انتظار سوف يكون طويلا لأن روسيا و الصين والهند قررت اللحاق بهذا العالم‏.‏ وربما كانت الطبقة الفكرية‏,‏ أو الإعلامية في الحقيقة‏,‏ المصرية هي وحدها في العالم التي تجزع وتلطم الخدود لأن الشركات الكبري في البلاد حققت أرباحا‏,‏ أو أنها تقوم بالتصدير‏,‏ أو أنها تدخل في مجالات المنافسة العالمية بشكل أو بآخر‏.‏

وحتي لايجزع أحد فإن التفكير فيما لم نتعود التفكير فيه لايعني إطلاقا إعادة اختراع العجلة‏,‏ وإنما يعني تحديدا أن تعرف مصر والمصريون معها أن العجلة قد تم اختراعها منذ وقت طويل وأن كل الحالات الاستثنائية المصرية من أول موضوع العمال والفلاحين وحتي قانون الطواريء مرورا بالدعم الذي يبدأ بالخبز وينتهي بالحج لاتزيد عن كونها أوضاعا غير طبيعية لم يعد العالم يعرفها لأنها كانت جزءا من دنيا لاتعرف ماهو أكثر من قلم الحبر أو الآلة الكاتبة علي أحسن تقدير‏.‏ وهكذا فإن مالم نتعود التفكير فيه لايزيد في جوهره عن التفكير بطريقة طبيعية‏,‏ وبين شعب طبيعي‏,‏ وهي حالات تتميز بالاتساق والتمييز بين الأشياء حسب مكوناتها الذاتية‏,‏ والمنطق في الحديث والمحاجاة‏,‏ والاعتراف بأن للإنسان في النهاية قيمة في حد ذاته تتيح له حق الاختيار والتفكير‏.‏ وفي مثل هذه الحالة الطبيعية فإن الإنسان يكون هو صاحب الاختيار الأول في السوق الاقتصادية والسياسية أيضا‏.‏

القضية الآن هي أن مثل هذه الحالة الطبيعية هي الشرط الأساسي للاستفادة من واحدة من أعظم الفرص التاريخية التي تتاح لمصر‏.‏ فرغم حالة التشاؤم الكبري السائدة في منطقة الشرق الأوسط منذ بداية هذا العقد عندما حدثت أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏2001,‏ فإن التطورات الجارية في سوق النفط العالمية قد جعلت المنطقة واحدة من أهم المناطق الغنية في العالم‏.‏ ووفقا لتقديرات عدة فإن حجم الاستثمارات الخارجية للدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد بلغ تراكميا عام‏2002‏ و‏2006‏ مامقداره‏1.550‏ تريليون دولار‏.‏ ومن المقدر أن يصل هذا التراكم إلي‏2.800‏ تريليون مع حلول عام‏2012‏ أي بعد أقل من أربعة أعوام من الأن‏.‏ هذا علما بأن‏98%‏ من هذه الاستثمارات تخص أربع دول فقط هي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر‏.‏ وطبقا لواحدة من الدراسات المهمة فإن حال تحقيق هذه الاستثمارات لعائد قدره‏7%‏ في العام ـ وهو تقدير محافظ للغاية ـ وماحققته من عائد قدره‏108.5‏ مليار دولار في عام‏2007,‏ فإن هذا القدر سوف يكون‏127.1‏ عام‏2008,‏ و‏145‏ عام‏150,2009‏ في‏2010‏ و‏178,4‏ في‏2011‏ و‏196,4‏ في‏2012.‏

والجديد في الامر بالنسبة لدول الخليج العربي أنها لم تعد تنتظر فقد ارتفاع أسعار النفط عما هي عليه الآن‏,‏ بل إن الحقيقة هي أنها بسبب سياسات الإصلاح الداخلي أصبحت هي في حد ذاتها دولا جاذبة للاستثمارات حيث جذبت قرابة‏200‏ مليار دولار عام‏2007,‏ وينتظر أن تتراوح حجم الاستثمارات الجديدة فيها خلال السنوات الأربع المقبلة مابين‏150‏ إلي‏180‏ مليار دولار‏.‏

الفرصة إذن هائلة وفق كل المقاييس‏,‏ وهي ليست فرصة مالية بقدر ماهي فرصة اقتصادية وسياسية أيضا‏.‏ وإذا كان هناك متحمس لدور مصر الإقليمي فإن هذا الدور لن يأتي من الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ أو التفاهم أو التلاعب مع حزب الله أو حركة حماس‏,‏ أو البحث عن فرص لخلق حوارات بين الذين لا يريدون الحوار‏,‏ أو عقد اتفاقات مابين الذين لايريدون الاتفاق‏,‏ وأنما سيأتي هذا الدور عندما يستقر جزء محترم من هذا المليارات في عمليات استثمارية هائلة في مصر‏.‏ وفي يوم من الأيام قال الرئيس جمال عبد الناصر أن هناك دورا هائما في المنطقة يبحث عمن يؤديه وكانت مصر في نظره هي التي وضعها القدر علي طريق الدور‏,‏ واليوم فإن مثل هذا الدور لم يعد متاحا‏,‏ ولكن ماهو متاح أن تحصل مصر علي نصيب من الثروة والمكانة ساعة خروجها من براثن التخلف إلي أبواب التقدم‏,‏ ومن قلب الفقر إلي حالة الغني‏.‏

وبصراحة فإن هذه المسألة ليست قضية الدول العربية في الخليج وإنما هي قضية مصر في المقام الأول‏,‏ فقد مضي الزمن الذي يتم فيه توزيع الاستثمارات لأسباب سياسية‏,‏ وإذا حدثت فإنها سوف تكون محدودة‏,‏ ولاينبغي أن تكون مرغوبة لأن الاستثمارات السياسية‏,‏ كما ثبت من تجارب التاريخ لاتعيش كثيرا‏,‏ بل أن هناك اتجاها عالميا قويا الآن لتقييدها‏.‏ وخلال الفترة مابين‏2006,2002‏ كان العائد التراكمي للاستثمارات الخليجية قدره‏542‏ مليار دولار‏,‏ كان منها‏32‏ مليارا وضعت في شكل احتياطيات بالعملات الأجنبية‏,‏ و‏259‏ تم استثمارها في الدولة الغربية لأسباب اقتصادية وسياسية أيضا‏,‏ وبقي‏251‏ مليار دولار في يد أفراد وشركات وهيئات‏,‏ وهذه هي القوة الحقيقية للاستثمار‏,‏ وهذه لمن لا يعلم لا تذهب إلا لبلاد تعيش حالة طبيعية‏.‏ والحديث عن مصر والفرصة التاريخية مستمر‏!!.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~