|
|
 |
 |
ملفات دولية |
|
|
| |
| 44429 | السنة 132-العدد | 2008 | يوليو | 28 | 25 من رجب 1429 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
..وماذا يريد العلمانيون؟
كتب-هاني عسل: |
ماذا يريد العلمانيون في تركيا؟ هل فشلوا في الوصول إلي السلطة فلم يجدوا إلا الارتكان إلي المؤسسات الرسمية التي يتكئون عليها لكي تمنحهم فرصة إبعاد خصومهم الإسلاميين الأكثر شعبية عن طريقهم؟
هل أدرك العلمانيون الأتراك أنهم لم يعودوا قادرين علي الوصول إلي السلطة عبر بطاقات الاقتراع, فلم يعد أمامهم إلا العودة إلي المؤسسة العسكرية كما حدث في1997 مع نجم الدين أربكان وحزب الرفاه الإسلامي, أو بالتوجه صوب محكمة الدستور التي يسيطرون هم أيضا عليها من أجل استصدار حكم بإبعاد حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء عبد الله اردوغان عن السلطة وحل الحزب ومنع اردوغان ورفاقه من ممارسة العمل الحزبي لمدة خمس سنوات.
إن السيناريو الذي يخطط له العلمانيون الأتراك القريبون من المؤسسات العامة والبعيدون عن الجماهير واضح, فأي قرار تصدره محكمة الدستور بحل' العدالة والتنمية' والإجهاز علي اردوغان يعني دخول تركيا في دوامة سياسية لا يعلم أحد منتهاها, وسيقود ذلك بطبيعة الحال إلي إجراء انتخابات عامة مبكرة تستطيع فيها الأحزاب العلمانية وعلي رأسهم حزب الشعب برئاسة دينيز بايكال أن تنافس نفسها وتفوز بسهولة, وبهذا يستتب الأمر للدستور والعلمانية والأتاتوركية, أما ما يريده الشعب فلا يهم, فليذهب الشعب إلي الجحيم, وأما الاقتصاد الوطني فهو أيضا لا يعنيهم كثيرا, ولتذهب مكاسب الإصلاح الاقتصادي التي حصدها الأتراك منذ عام2002 إلي2007 هباء, بل إن أحدا منهم لم يظهر أي قلق أو ندم إزاء الخسائر الفادحة التي تكبدتها بورصة اسطنبول خلال الأسابيع الماضية نتيجة حالة عدم اليقين السياسي, والتي قدرت بمليارات الدولارات, وأما الديمقراطية, فهذه هي الديمقراطية التي تريدها تركيا.. المهم أن الدستور العلماني بخير, وأن أتاتورك راقد في قبره بسلام!
وأما أوروبا التي تسعي تركيا حثيثا إلي الانضمام إليها, فهي لن تقبل تركيا المسلمة ولا تركيا العلمانية, والكل يدرك هذه الحقيقة المؤسفة, والأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية, ولكن الحقيقة غير المؤسفة هي أن تركيا لم تكن يوما ما أقرب إلي أبواب الاتحاد الأوروبي قدر ما كانت عليه في عهد' العدالة والتنمية'.
سيقول العلمانيون- في تركيا وخارجها بطبيعة الحال- بعد صدور قرار المحكمة بحل' العدالة والتنمية' إن العلمانية انتصرت علي الإسلام السياسي, وأنه لا يجب أن يكون هناك مكان علي الساحة التركية إلا لمن يسير علي نهج دستور البلاد العلماني, متناسين أن' العدالة والتنمية' هو أحد أبناء هذا الدستور وهذا النظام, وأنه حزب علماني' ذو' توجه إسلامي فيما يتعلق ببعض الأمور الشكلية, مثل قضية الحجاب في الجامعات, فهي قضية لم تكن تهدد الأمن القومي التركي, ولم تكن بأخطر ولا أهم من قضية الأكراد وتزايد نشاط حزب العمال الكردستاني ولا من قضية أعمال العنف التي تسعي جماعة' إيرجينيكون' القومية المتطرفة إلي القيام بها للإطاحة بالحكومة, والتي قد تؤدي في النهاية إلي تدخل الجيش, والمعروف أن الجيش التركي هو الحلقة الأقوي في دائرة الحياة السياسية التركية, وأنه يدير كثيرا من الأمور من وراء الكواليس, وأنه مستعد للخروج من وراء الستار بصورة علنية إذا ما اقتضي الأمر, وتاريخ تركيا' الديمقراطية' يؤكد ذلك بوضوح.
إن الصراع الدائر حاليا في تركيا ليس صراعا بين علمانيين وإسلاميين, فالوضع أكثر تعقيدا من ذلك, ومليء بالمتناقضات, فربما يكون الأمر عبارة عن صراع بين الجيل القديم ممثلا في العلمانيين التقليديين المسيطرين علي مؤسسات الدولة الرسمية والقضاء والجيش وخلافه, وبين الجيل الجديد الممثل في التوليفة التي قدمها العدالة والتنمية وتجمع بين الحداثة والرغبة لجامحة والجادة في الاتجاه غربا دون التخلي تماما عن الهوية الدينية الأصلية.
فلا الأحزاب السياسية التركية التي يطلق عليها أحزاب علمانية منفردة بذاتها بصفة العلمانية دون غيرها, ولا الأحزاب الإسلامية المتتالية مثل حزب العدالة والتنمية تمثل نظام الحكم الإسلامي أو ما يمكن تسميته بالإسلام السياسي, فالكل يعمل وفق نظام عام للدولة لا يستطيع الخروج عنه.
وربما يكون الأمر في حقيقته صراعا علي السلطة بين حزبين, أو جماعتين, الأول يمتلك الشعبية, ويبحث عن تقوية نفوذه قدر الإمكان, والآخر لا يملك هذه الشعبية, ولكنه قادر في كثير من الأحيان علي اللعب علي وتر' العلمانية' و'الدستور' لتحقيق بعض أهدافه.
إن حالة الانفصام شديدة في الهوية السياسية لتركيا, فنظام الحكم ديمقراطي, أو هكذا يوصف, ولكن المؤسسة العسكرية ورجالها الكبار ما زالت لهم الكلمة العليا, وهو دور يفوق بمراحل دور المؤسسات العسكرية في الأنظمة الديمقراطية العتيدة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مثلا.
دستور الدولة التركية يتبني العلمانية وكأنها' دين' الدولة الرسمي, ومع ذلك فالناخبون الأتراك ذهبوا إلي صناديق الاقتراع في العقدين الأخيرين ليعطوا أصواتهم إلي حكومات ذات توجه إسلامي!
وحتي علي الصعيد الدولي, تتبني تركيا المواقف نفسها التي تتبناها الدول الإسلامية, كما أنها مدافع قوي عن قضايا الدول النامية والعالم الثالث, ولكنها في الوقت نفسه دولة أوروبية متقدمة, وبياناتها الاقتصادية تؤكد هذا الأمر بوضوح, ولكن مشكلة أوروبا نفسها تمثل مشكلة' هوية' أخري, وقد سبق الحديث عنها.
ولتوضيح الأمر بصورة أفضل, نقول إن تركيا اتخذت في فترة حكم العدالة والتنمية سلسلة من القرارات والمواقف التي تحسب لها, ولانتمائها' الإسلامي', بمفهومه الواسع, مثل رفضها السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة أنجيرليك الجوية لضرب العراق, ولكنها مع ذلك, لم تتوان عن التوغل في أراضي دولة عربية هي العراق لتعقب مسلحي حزب العمال الكردستاني المحظور لديها.
خلاصة القول إن الأوضاع السياسية التركية مليئة بالمتناقضات التي لا يجوز معها القول في حالة سقوط اردوغان وحزبه ومنع قادته من ممارسة السياسة إن العلمانية انتصرت في تركيا, وأنه لم يعد هناك شيء اسمه' الإسلام السياسي' في هذا البلد, فكما قلنا, الصراع يدور علي السلطة, لا علي المذهب والعقيدة, فلا اردوغان وأتباعه رجال دين معممون يديرون الدولة, ولا العلمانية التركية ضاربة جذورها في الأوساط الشعبية بالصورة التي يتصورها البعض, بدليل أن الكتلتين تتصارعان دون النظر إلي العواقب التي بدأت آثارها السلبية تظهر هذه الأيام علي الصعيد الاقتصادي وعلي صعيد العلاقة مع أوروبا.
Hany_assal@hotmail.com |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|