جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ قضية مطار رأس سدر‏..‏ علامة للانتباه والحذر‏!‏ بقلم : د‏.‏ شوقي السيد عضو مجلس الشوري

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44419‏السنة 132-العدد2008يوليو18‏15 من رجب 1429 هـالجمعة

 

قضية مطار رأس سدر‏..‏ علامة للانتباه والحذر‏!‏
بقلم : د‏.‏ شوقي السيد
عضو مجلس الشوري

‏علي مدي الأسابيع الماضية‏,‏ أعلنت وزارة الطيران المدني في بيان توضيحي‏,‏ مدفوع القيمة‏,‏ نشر في الصحف‏,‏ احتراما للرأي العام‏,‏ وإعلاما بما انتهي إليه الحكم الصادر في قضية مطار رأس سدر من محكمة استئناف باريس بجلسة‏19‏ يونيو الماضي‏,‏ ببطلان تنفيذ حكم المحكمين الصادر بالقاهرة في‏7‏ مارس‏2006‏ القاضي بإلزام الحكومة المصرية بالتعويض‏14‏ مليونا و‏370‏ ألفا و‏497‏ دولارا أمريكيا‏..‏ و‏366‏ ألف دولار قيمة نصف أتعاب التحكيم‏,‏ والفوائد بواقع‏4%‏ اعتبارا من‏28‏ أبريل‏2004‏ وحتي تمام السداد‏,‏ لمصلحة شركة بريطانية‏,‏ وبعد أن قضت محكمة استئناف باريس ببطلان تنفيذ التحكيم‏,‏ ألزمت الشركة البريطانية بسداد مائة ألف يورو إلي الحكومة المصرية‏..‏ وبأتعاب المحاماة‏,‏ أي ان حكم التحكيم ببساطة كان قد ألزم الحكومة المصرية بدفع مبلغ يقدر بنحو‏85‏ مليون جنيه مصري والفوائد حتي تمام السداد‏,‏ علي حين ان حكم استئناف باريس اعلن براءة ذمة مصر‏..‏ وحماية أموالها العامة‏..‏ فضلا عن إلزام الشركة البريطانية بمائة الف يورو والمصاريف‏!!.‏

وبحكم المهنة‏,‏ وغيرتي علي معرفة الحقيقة كاملة‏,‏ فلم أكتف بما نشر عن القضية كبيان مدفوع القيمة‏,‏ لكنني حرصت علي ان اجمع اوراقها كلها‏,‏ وأقف علي تطورها من أولها الي آخرها‏,‏ بعدها قررت‏,‏ أن أكتب فيها مرتين‏.‏ واحدة للرأي العام بأسلوب وعبارات غير تخصصية أو متعمقة‏,‏ والأخري دراسة متخصصة في الكتب والمجلات العلمية المعنية بعلم القانون‏,‏ وهذه هي الكتابة الأولي‏,‏ لأن القضية صارت قضية رأي عام تقدم القدوة والعظة والعبرة‏..‏

وكان في نظر الحكم التحكيمي الصادر من مركز التحكيم علي أرض مصر‏..‏أن هذا المبلغ‏,‏ الذي حكمت به هيئة التحكيم بالملايين من الدولارات‏,‏ يمثل‏10%‏ فقط من قيمة ماكان يتعين الحكم به‏..‏ وأن الـــ‏90%‏ تتحملها الشركة البريطانية لأنها قد أوقعت الحكومة المصرية في غلط جوهري‏..‏ عند التعاقد سواء من حيث المقدرة المالية‏..‏ أو سمعة الأشخاص‏,‏ حتي منحتها السلطات المختصة في مصر امتيازا بإنشاء وإدارة مرفق عام‏(‏مطار رأس سدر‏),‏ وقد بلغ هذا الغلط الجوهري حد التدليس‏,‏ وقد صدر قرار التحكيم بالتعويض رغم ان المحاكم المصرية‏,‏ أي سلطة القضاء المصري‏,‏ قد كشفت من قبل تلك الأخطاء الجسيمة‏,‏ وأصدرت حكمها ببطلان شرط التحكيم لعدم موافقة الوزير المختص‏,‏ كما قضت بوقف إجراءات التحكيم‏..‏ قبل صدور حكم التحكيم ذاته‏,‏ كما طلب النائب العام‏..‏ ومحكمة الاستئناف في مصر الي هيئة التحكيم وقف إجراءات التحكيم بسبب اتهام الجانب البريطاني ومعه شركاء مصريون‏,‏ لارتكابهم جنايات وجنحا‏,‏ منها الحصول علي منفعة وإضرار عمدي وتزوير في محررات رسمية وعرفية‏,‏ وقد أحيلوا جميعا إلي محكمة الجنايات‏,‏ كل ذلك قبل ان تصدر هيئة التحكيم في مصر حكمها بالتعويض‏,‏ ل

كن هيئة التحكيم مضت في نظر التحكيم‏..‏ وأهدرت أحكام سلطة القضاء المصري وقرارات النيابة العامة في البلاد‏..‏

*‏ ورغم سابقة صدور أحكام اخري عديدة في دعاوي تحكيمية أحدثت مأساة حقيقية‏,‏ تعددت فيها المصائب وتكاثر فيها المضرورون الذين تكبدوا خسائر طائلة وأتعابا باهظة‏..‏ حتي كادت تحدث فوضي خلاقة تحكيمية في عالم القانون والعدالة‏,‏ لكن قضية مطار رأس سدر‏,‏ وحكم التحكيم الصادر فيها كان بمثابة الزلزال‏..‏ كل ذلك يعتبر علامة بارزة للانتباه والحذر تبعث بعده رسائل في قواعد وأصول المعاملات والتقاضي والاتفاق علي كيفية فض المنازعات منذ الدعوة إلي التعامل مع الشركات الاجنبية وإجراءات التفاوض‏,‏ وشرط التحكيم وكيفية صياغته واختيار المحكمين‏..‏ وإجراءات التحكيم وحتي صدور الحكم فيه لان كل ذلك مرده ومرجعه الي ارادة اصحابه واتفاقهم علي فض الخلاف بالتحكيم‏,‏ لكن الغريب ان تأتي مثل هذه الشروط الينا‏..‏ مفروضة أحيانا‏..‏ أو باتفاقات معبرة عن قوتها‏..‏ أو نفوذ اصحابها‏..‏ فتأتي لنا بشرط التحكيم تحدد لغته وإجراءاته وفقا لمراكز تحكيم مؤسسية اقليمية او دولية‏,‏ كإحدي توابع العولمة‏,‏ بدعوي ذلك الكوكب الصغير‏..‏ والتنمية الاقتصادية‏,‏ ثم ما يلبث ان يلوح لنا بهذا الشرط والتهديد به وكأنه ساتر لأعمال الإخلال أو الغش والتدليس‏..‏

وتحذرنا قضية مطار رأس سدر هي وغيرها من الأحكام الصادرة من مراكز التحكيم الإقليمية او الدولية‏,‏ سواء تلك التي خسرنا فيها او كسبنا‏,‏ أن الإفراط في الثقة في كل ما هو آت من الخارج أو يحمل عنصرا أجنبيا وهم وسراب‏,‏ عودة إلي ثقافة موروثة قديمة بشأن الخواجة مع ان الدنيا قد تغيرت‏..‏ وأصبحت الأخلاقيات والأدبيات والقيم محل انتباه‏,‏ وصور النصب ووسائله قد تطورت‏,‏ ولا نفهم كيف لنا ان نتعامل مع أشخاص او حتي شركات دون الحصول علي المعلومات الموثقة والأكيدة من مصادرنا في الخارج‏,‏ بيان عن سوابق الأعمال والسمعة‏..‏ والاستعلام عن كل مايخص الشركة والشركاء فيها‏..‏ وصحة المستندات وسلامتها‏..‏ كل ذلك قبل الدعوة اوالتفاوض علي التعاقد او حتي عند المفاوضات وإصدار التراخيص‏..‏ خاصة في عقود امتياز المرافق العامة‏..‏ والمشروعات القومية او الامنية‏,‏ وحتي في المشروعات الاقتصادية لو تطلب الأمر تأسيس شركة مصرية‏,‏ والغريب ان تكشف لنا السلطات في قضية مطار رأس سدر أن رأس مال الشركة البريطانية جنيهان استرلينيان‏!!,‏

رغم ماقدمته من مستندات بقدرتها المالية‏!!‏ كما كشفت لنا السلطات ايضا عن شبهات ومخاوف حول اشخاصها‏!!‏ فهذا الغلط الجوهري في قدرة الشركة المالية وأشخاصها يعتبر خطرا محدقا ولو كان الدافع هو الحاجة الي الاستثمار والتنمية والخبرة الاجنبية‏,‏ لهذا اعترف حكم التحكيم بتحمل مسئولية الشركة الأجنبية عن تلك الاخطاء الجسيمة‏..‏ التي ادت إلي وقوع الجانب المصري في ذلك الغلط الجوهري‏,‏ بنسبة‏90%‏ ويثير ذلك التساؤل عن تعويضات الجانب المصري عن الخسائر التي أصابته نتيجة تأخر تنفيذ مشروعاته‏!!.‏

ثم ماذا عن شرط التحكيم‏..‏ ولماذا ؟‏!!‏ حتي بعد صيرورته شائعا‏,‏ إذ كان استثناء‏,‏ ثم ماذا عن سلطة القضاء‏..‏ والمحاكم‏,‏ بعد ان ذاع اشتراط التحكيم منذ البداية‏,‏ فهل فقدنا الثقة والخبرة‏..‏ أم ظل بطء إجراءات التقاضي شبحا يدفع الناس الي قبول شرط التحكيم حتي لو كان ذلك ساترا للغش والتدليس‏..‏ وهل اللجوء الي التحكيم قد عالج بطء التقاضي بعد ان أصبحت إجراءات التحكيم تمضي لسنوات‏..‏ ففي قضية مطار رأس سدر استمر نظر النزاع امام المحكمين قرابة سنتين‏!!‏ ثم ماذا عن تلك الشروط التعجيزية‏..‏ في التحكيم‏..‏ولغة التحكيم والمصاريف والأتعاب الباهظة‏..‏ في عقد بين طرفين هما في الأصل من الأشخاص الاعتبارية وما دخل مسئولية الحكومة‏-‏ وهي ليست طرفا في العقد ؟‏!‏ حتي ولو كان أحدهما أجنبيا أو شخصا اعتباريا يجمع شركاء ومساهمين أجانب‏..‏ويتطلب الأمر إعادة النظر بالانتباه والحذر‏!!‏

والشركة البريطانية مثلها مثل غيرها الكثير في مصر‏..‏ تهل علينا وحدها‏..‏ أو بمصاحبة بعض رجال الأعمال‏..‏ توهمنا بتدفق الخبرة الأجنبية وتكنولوجيا المعلومات‏..‏ والخدمات‏,‏ حتي في أبسط صورها تجد من يساندها ويفسح لها الطريق‏..‏ وتأتي لتحصل علي الأموال بقروض البنوك المصرية‏,‏ وبأموال المصريين المودعة بها‏..‏ ثم تحصل علي المزايا والامتيازات‏..‏ والتسهيلات وباقي الحسنات حتي امتياز المرافق العامة ومنها المطارات ثم ماتلبث ان تهددنا بالتحكيم الذي ينظر النزاع في الداخل او في الخارج‏..‏ وكلاهما مر‏..‏ خاصة مراكز التحكيم الاجنبية‏..‏ التي مدت اختصاصا جالبا للتحكيمات‏,‏ ثم مساءلة الحكومات‏,‏ رغم انها ليست طرفا مباشرا في تلك العقود‏..‏ ويتطلب الامر وقفة حاسمة‏..‏ ودفاعا شديدا للمحافظة علي المصالح الوطنية حتي لو كان في مواجهة شرط التحكيم‏..‏ ذلك الشبح اللعين‏..!!.‏

ولقد ظل القضاء المصري ولأسباب كثيرة‏..‏ واقفا عند التدخل الناعم في شئون التحكيم‏,‏ علي حين تصاعدت هيئات التحكيم بتدخل خشن جامد وغير حذر في وجه احكام القضاء الصادرة عن السلطة القضائية‏..‏ سواء ببطلان شرط التحكيم أو الاعتراض علي المحكمين‏..‏ وظلت مراكز التحكيم مستأسدة‏..‏ ممسكة بكل شئونها قابضة عليها‏..‏ مهدرة احكام السلطة القضائية رافضة تنفيذها‏..‏ وهو مايلفت الانتباه ويوجب الحذر لان ذلك ليس في مصلحة التحكيم‏..‏ ولا في مصلحة العدالة ذاتها‏..‏ وينال من هيبة القضاء وسلطات الدولة وسيادتها‏!!‏

يدعونا ذلك أيها السادة للانتباه‏..‏ والحذر في قواعد التعامل مع الأشخاص الاعتبارية الأجنبية أو المصرية علي السواء ومع شرط التحكيم‏..‏ مهما دفعتنا الحاجة ومهما كان صاحب شرط التحكيم قويا جبارا‏,‏ لهذا كانت موافقة الوزير المختص علي التحكيم واجبة في العقود الإدارية‏..‏كذلك اختيار المحكمين وجهة التحكيم بشكل واضح وصريح ومطمئن دون فرض او اجبار‏,‏ ليظل التحكيم ومرجعيته ارادة اطراف النزاع بداية ونهاية‏,‏ وأن يراقب القضاء بتدخل خشن وجامد أحكام التحكيم حتي تلتزم هيئات التحكيم بتلك الأحكام الصادرة فيها‏..‏ وأدعو رجال الفقه والقضاء إلي ان يتناولوا السوابق التحكيمية بالدراسة والتأمل والتحليل للوقوف علي ماجري في احكام التحكيم‏,‏ والعلاقة بينها وسلطة القضاء بعد ان تصاعدت وتصارعت وتصادمت شئونها‏!!.‏

أيها السادة حقا إن ملفات قضية مطار رأس سدر‏..‏ في القاهرة‏..‏ وباريس والأحكام الصادرة فيها علامة بارزة للدفاع عن الحق بقوة‏,‏ فماذا لو لم يكن قد صدر حكم استئناف باريس ببطلان التحكيم وحماية اموال مصر؟‏..‏ تطل علينا ملفات القضية وتبعث برسائل في اتجاهات مختلفة‏..‏منها مايخص أجهزة الحكومة ذاتها‏..‏ بالحرص والتمسك بالحقوق والواجبات بقوة‏..‏ ومسئولية‏,‏ والحذر والانتباه من الاتفاقيات الخاصة بالتحكيم‏,‏ ومواجهة بعدم الخوف من التهديد بشبحه‏,‏ ومنها ما يخص مراكز التحكيم الإقليمية او الدولية لإعادة تقييم اعمالها‏..‏وتطور حالها‏..‏ في مواجهة اختصاصها المحدود دون الاختصاصات الجالبة للتحكيمات‏..‏خشية ردود الأفعال‏..‏ ومنها مايخص المشرع المصري ليعيد النظر في قانون التحكيم في ضوء تلك السوابق التحكيمية‏..‏ وبعد انشاء المحاكم الاقتصادية‏..‏ وليعيد لسلطة القضاء اختصاصها في الحفاظ علي الرقابة القضائية في شئون التحكيم واحترام سيادة الدولة وهيبتها في مواجهة العولمة التحكيمية‏,

‏ وتزهو مصر برجال الفقه والقضاء الذين يرصدون تلك التطورات من تلك الآثار السلبية للشروط التحكيمية ومواجهتها‏..‏ كل ذلك وغيره رسائل تبعث بها قضية مطار رأس سدر وغيرها للمواجهة‏..‏ والانتباه‏..‏ والحذر في الوقت ذاته‏!!.‏

‏Dr-shawkylaw-firm@hotmail.com


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~