جريدة الأهرام - الكتاب ـ زمن بلا ضفاف‏!‏ بقلم‏:‏ أسامة أنور عكاشة

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44307‏السنة 132-العدد2008مارس28‏20 من ربيع الأول 1429 هـالجمعة

 

زمن بلا ضفاف‏!‏
بقلم‏:‏ أسامة أنور عكاشة

كتيار ينساب رجراجا حتي يلتحم بالأفق‏..‏ يسير الزمن دون أن تحده بدايات أو نهايات‏,‏ ودون أن تتوقف خطاه أو تسكن حركته ولا يعدو أن يكون غير دائرة مفرغة لا تكاد تتلمس قوسها الأخير حتي تسلم نفسك لقوسها الأول‏,‏ فتصبح حركة الإنسان في الزمن وكأنها حركة في الفراغ ويتقاطع الميقات مع خصوصية المكان‏,‏ لتكون هناك حياة ويشغلنا أمر الميلاد كما يحيرنا لغز الموت‏,‏ وقد يقضي الواحد منا سحابة عمره في بحث ميتافيزيقي عن معني توالي الأيام وحساب العمر‏,‏ وقد حاول الكثيرون من الفلاسفة وجهابذة الفكر الإنساني أن يحددوا ماهية الزمن وارتباطه بأبعاد المادة فتحدث ألبرت أينشتاين عن نسبية الزمن وتصنيفه كبعد رابع يتمايز عن الأبعاد المادية التي تحكم واقع الحياة‏.‏

وهناك قطبان يتنازعان القدرة علي التحكم في حالة التوازن البشري‏,‏ هما الزمان والمكان‏,‏ فالزمان سجل لتوالي الأيام وقياس لتفاعلها مع حركة النمو والاطراد وتتبع خطوات التقدم‏,‏ ومن هنا ينبع التناقض بين عنصري الزمن‏:‏ الماضي والحاضر‏,‏ أما المستقبل فهو عنصر الحلم الذي قد يتحقق أو لا‏,‏ فالثابت أن ما كان هو تجربة مكتملة وما تشير إليه كلمة الآن هو التجربة في طور التشكل والاكتمال‏,‏ بينما يصبح الغد أو المستقبل ليس إلا مشروعا مقترحا له دلالاته المرتبطة بالتمني والحلم‏,‏ وكل هذه الأمور ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة الوجدانية للإنسان وبالتجربة الشعورية التي يمر بها في ظروف مختلفة تعرض لها في حياته‏.‏

ونزعم أن المكان يشير الي تقابل قطبي‏:‏ الكينونة والسيرورة‏,‏ فنشهد سمات أو بصمات الزمن علي الصروح والأطلال الباقية بعد حقبة عريضة من الزمن‏,‏ ويشترك القطبان هنا في تكوين الذاكرة التاريخية حيث يشير المكان دائما الي تجربته الخاصة في التعامل مع الزمن‏.‏

وقد يبدو حديثا من هذا النوع وكأنه بعض من التمويهات السوفسطائية التي تبدو أقرب الي الحذلقة لكنها في الحقيقة نوع من التتبع التفضيلي للفكرة الميتافيزيقية المتصلة بالزمن كفكرة ومبحث من مباحث المعرفة الإنسانية‏,‏ ولأنه لا يوجد نمط واحد تتشابه أو تتماثل فيه وحدات الزمن‏:‏ الدقيقة والساعة واليوم والأسبوع والشهر فالعام‏,‏ فالجيل فالقرن‏,‏ ولأننا لا نستطيع أن نسجل ملامح التشابه والتطابق بين وحدة وأخري ودائما نردد علي سبيل المثال‏,‏ أن التاريخ لا يعيد نفسه كما نردد في تراثنا الغنائي عبارات مثل عمر اللي فات ما حيرجع تاني أو عايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يازمان‏...‏ وطبعا التاريخ لا يكرر نفسه والزمن الذاهب لايمكن أن يعود‏

فكأن الوحدة الزمنية تعد قطعة مستقلة متفردة غير قابلة للتكرار‏!‏ يقودنا هذا بالضرورة للبحث في فلسفة التاريخ وفلسفة التطور ويضعنا أمام مجموعة من الأسئلة التي تبدو لأول وهلة بمثابة الألغاز المستعصية‏:‏ كالسؤال عن قدرة البشر علي الاستفادة من تجارب ما كان كذلك استطاعتهم التخطيط لما هو آت ومدي صلاحية النقل عن أزمنة وتجارب الآخرين‏,‏ باعتبار أن المكان يؤثر ويتأثر بأحداث تجري وفقا لمعطيات زمن معين‏,‏ وقد يمكننا أن نضرب مثالا بالحربين العالمية الأولي أو الثانية‏,‏ حيث تورطت أمم كثيرة في كلتا الحربين ونشأت تحالفات عديدة كالمحور والحلفاء وكان هذا هو السبب في تسميتها بالعالمية‏..‏

في زمن هذه الحرب أو تلك كانت هناك أمم أخري بعيدة كل البعد عن الانخراط في معارك الأمم الأخري‏(‏ سويسرا والدول المحايدة‏),‏ لم تتأثر بظرف‏,‏ لم تشارك في صنعه ولم تتورط فيه‏,‏ ومع ذلك لم تتعظ إحدي دول الحرب العالمية الأولي من دروس تلك الحرب لتتفادي حربا أخري اشتركت فيها مع نفس الدول تقريبا‏,‏ فكانت تجربة الزمن هنا قد خضعت لخصوصية المكان‏,‏ بمعني أن بقاء نفس الخلافات القديمة علي الحدود وبقاء المعادلات السياسية علي نفس وضعيتها يؤدي الي نفس النتائج‏

وكأنه قد تم تحييد الزمن وتغليب ضرورات المكان من الناحية الجيوبوليتيكية علي أي تطورات زمنية‏,‏ مثال آخر نستخرجه من المشكلة المزمنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ فقد بقيت ما اصطلح علي تسميتها بأزمة الشرق الأوسط علي حالها منذ نشبت في ثلاثينيات القرن الماضي ومازالت نفس الآليات التي حتمت نشوب الحرب الأولي‏(1948)‏ هي التي تسير بالمنطقة اليوم الي حافة حرب جديدة‏..‏ ولم يتسن مطلقا في‏56‏ و‏67‏ و‏73‏ أن يفرض حل للأزمة ينهي المشكلة بلا رجعة‏

إذن فلم يستطع الزمن هنا أن يتطور إيجابيا مع عناصر الأزمة‏,‏ وما حدث طوال خمس ةوخمسين عاما ومازلنا وحالنا كحال مجمع الكرادلة حين اجتمع في القسطنطينية ليبحث في جنس الملائكة وهل كانوا ذكورا أم إناثا‏,‏ في الوقت الذي كان محمد الفاتح يحاصر العاصمة الرومانية الشرقية وعلي وشك أن يسقطها‏,‏ هكذا نفعل ونحن نتشاجر حول فتح وحماس وأبومازن ودحلان ويصل الشجار الي حد الاشتباك ويتواجه الفلسطينيون ليصفي كل فصيل منهم الفصائل الأخري وحولهم الإسرائيليون يتبادلون التهاني ويضحكون في أكمامهم‏

وننظر نحن في مرايانا لنكتشف أن الزمن مارحش ولا جه علينا وأننا نقف محلك سر وبغير حتي أن نتحرك خطوة تنظيم فلاالزمن يدفعنا أماما ولا خلفا‏,‏ ولا حماسيتنا الفارغة تمكننا من فعل التغيير الذي يحدد للزمن ضفافا يمكن السير خلالها أو السباحة بين أمواجها‏,‏ ونحن والحمد لله‏,,‏ قانعون بما يحدث لنا لأننا لا نستطيع أن نحدث شيئا يذكر‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~