جريدة الأهرام - الكتاب ـ العولمة والمجتمعات المعرفية بقلم‏:‏ السيد يسين

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44307‏السنة 132-العدد2008مارس28‏20 من ربيع الأول 1429 هـالجمعة

 

العولمة والمجتمعات المعرفية
بقلم‏:‏ السيد يسين

عقب سقوط الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية نحو عام‏1989,‏ ونهاية عصر الحرب الباردة وزوال النظام الثنائي القطبية الذي دار فيه الصراع الايديولوجي والسياسي العنيف بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ بعبارة اخري بين الشيوعية والرأسمالية‏,‏ ظهرت الحاجة إلي ضرورة صياغة أطر نظرية جديدة للعلم الاجتماعي بكل فروعه‏.‏

وقد التفت منذ بداية التسعينيات ـ باعتباري باحثا في علم الاجتماع السياسي ـ إلي ضرورة تجديد إطاري النظري في ضوء قراءة شاملة وتحليلية ونقدية لمتغيرات المجتمع العالمي‏.‏

صغت نظرية جديدة لفهم العالم اطلقت عليها الثورة الكونية وهي ثورة مثلثة الابعاد‏,‏ ثورة سياسية شعاراتها الديمقراطية واحترام التعددية وحقوق الانسان‏,‏ وثورة قيمية اساسها الانتقال من القيم المادية إلي القيم ما بعد المادية‏,‏ واخيرا ثورة معرفية مبناها الانتقال من الحداثة إلي ما بعد الحداثة‏.‏ وحين نشرت اخيرا مقالي هل العولمة هي عصر المراجعة الشاملة في‏2008/3/13‏ لم أتعرض لاهمية التجدد المعرفي الذي ينبغي علي العلماء الاجتماعيين في مختلف الدول ان يقوموا به‏,‏ لكي يتصدوا للمشكلات الجديدة التي تواجه الانسانية في الالفية الثالثة‏

وذلك علي الرغم من انني طرقت الموضوع ـ كما سبق ان ذكرت ـ منذ التسعينيات حين واجهت أهمية التجدد المعرفي بصياغتي لنظرية الثورة الكونية‏.‏ غير ان الموضوع اكتسب في السنوات الأخيرة اهمية بالغة بعد ظهور مفهوم المجتمعات المعرفية‏.‏ وهي كمفهوم صاغه عالم السياسة الأمريكية بتير هاس‏hass‏ عام‏1992‏ في المقدمة التي كتبها لعدد خاص من مجلة التنظيم الدولي مجلد‏46‏ العدد الأول‏,‏ شتاء‏1,1992‏ ـ‏35.‏ وهذا العدد من المجلة خصص لدراسة المجتمعات المعرفية في مجال تنسيق السياسات بين أجهزة الدولة المختلفة‏.‏

وذلك علي اساس ان صناع القرار المحدثين واجهوا تعقيدات فنية متزايدة‏,‏ وضروبا متعددة من عدم اليقين في مجال صياغة سياسات فعالة‏,‏ مما دفعهم للجوء إلي مشورة وخبرة الخبراء ذوي المعرفة العلمية العميقة‏,‏ والشبكات التي يتشكل منها هؤلاء الخبراء يمكن ان يطلق عليهم مجتمعات معرفية يتشارك اعضاؤها المعرفة الفنية في مجالات محددة‏,‏ بالاضافة إلي ايمانهم بمباديء معيارية‏Normative‏ وعقائد خاصة بالسببية ونعني العلاقات بين المتغيرات بالاضافة إلي صدورهم عن مفهوم مشترك للمصالح التي ينبغي الدفاع عنها‏.‏

ونظرا لخبرتهم فان هذه المجتمعات المعرفية يمكن ان تنشر معايير معينة وقيما متعددة‏,‏ وكذلك الخبرة الفنية‏,‏ ومن هنا يؤثر اعضاؤها في عملية صنع القرار‏.‏ خذ علي سبيل المثال المشروع المقترح من العالم المصري د‏.‏فاروق الباز لاقامة ممر للتنمية في مصر‏,‏ يخرج بالسكان من الوادي الضيق‏,‏ ويسهم في تعمير الصحراء‏.‏ واذا كان كل بلد فيه مجتمعات معرفية‏,‏ فان العولمة بكل التدفقات التي احدثتها وبحكم ان العالم اصبح متصلا ببعض‏connected‏ بالاضافة إلي ظاهرة الاعتماد المتبادل بين الاقطار‏,‏ قد ادت إلي نشوء مجتمعات معرفية عالمية‏,‏ يسهم فيها الخبراء من كل انحاء العالم‏,‏ وهي تقدم المشورة لصناع القرار علي المستوي الدولي والاقليمي والقطري‏.‏

وتتمثل الادوار المختلفة التي يمكن ان تقوم بها المجتمعات المعرفية فيما يلي‏:‏
‏1‏ ـ عقب صدمة معينة مثل انهيار الاسواق الآسيوية فان الخبراء يقيمون العلاقات بين الاسباب والنتائج‏,‏ وكذلك تحديد من كسبوا من الصدمة ومن خسروا‏.

2‏ ـ ايجاد الصلات بين الموضوعات المختلفة‏.

3‏ ـ تعريف المصالح التي ينبغي الدفاع عنها‏.

4‏ ـ صياغة السياسات‏.‏

غير ان المجتمعات المعرفية التي تتشكل من الخبراء لاتصدر عادة عن مجرد آراء علمية لحل المشكلات‏,‏ لانها عادة ما تتضمن عقائد معيارية‏,‏ ونعني مفهوم الخبراء للصالح والطالح‏,‏ والمفيد وغير المفيد‏,‏ والايجابي والسلبي‏,‏ بعبارة اخري العقلانية التي تنطوي عليها اي خيارات علمية ليست مجردة‏,‏ بل لابد ان تكون بصورة صغيرة أم كبيرة ـ بعقائد الخبراء‏,‏ هناك في المجتمعات المعرفية من يؤمنون في مجال الاقتصاد ـ علي سبيل المثال ـ بالحرية المطلقة للسوق اعتمادا علي آلية العرض والطلب‏,‏ وهناك غيرهم يؤمنون بأهمية الرقابة النسبية للسوق وفرض معايير محددة‏,‏ تضمن عدم المغالاة في مجال الأسعار والتكلفة‏,‏ حماية للاطراف الضعيفة والعناصر الفقيرة في السوق‏.‏

وقد يذهب بعض اعضاء المجتمعات المعرفية علي مستوي القطر الواحد أو علي مستوي العالم إلي انه لابد ان تحتفظ الدولة بدور ما في قيادة عملية التنمية وعدم تركها لعشوائية السوق‏,‏ علي سبيل المثال في فرنسا الرأسمالية هناك اعتماد علي التخطيط التأشيري من خلال السيطرة علي عالم الائتمان‏,‏ لضمان توجيه الاستثمارات لقطاعات من شأنها ان توزع ثمار التنمية بشكل عادل‏.‏ وايا ما كان الأمر‏,‏ فيمكن القول إن خبراء المجتمعات المعرفية باعتبارهم من ناحية حراس البوابات اي الذين يسمحون بتمرير مشروعات معينة أو رفضها‏,‏ ومن ناحية أخري باعتبارهم يمتلكون المعرفة العلمية‏,‏ فانهم يتدخلون في اربع مراحل من مراحل صياغة السياسات‏.‏

‏1‏ ـ في مجال التجديد‏,‏ وذلك في ميدان تأطير حدود هذا التجديد‏,‏ وتحديد مصالح الدولة‏,‏ ووضع معايير لمستويات الاداء‏.

2‏ ـ نشر المعرفة من خلال تسهيل التنسيق بين أجهزة الدولة‏.‏

‏3‏ ـ الاختيار بين البدائل‏,‏ والميل إلي الحلول المتوازنة والاصلاحية‏.

4‏ ـ الاستمرارية بمعني ان جهود المجتمعات المعرفية لو نجحت‏,‏ فان ذلك سيسمح بتشكيل عقائد تنموية ثابتة‏,‏ ودرجة من درجات الاجماع‏.‏
و
في ضوء هذه الملامح الاساسية يمكن القول إن العولمة ـ بحكم آلياتها ـ قد أوجدت فئة من المثقفين عابري القارات‏,‏ الذين بغض النظر عن تنوع جنسياتهم واختلاف ثقافاتهم‏,‏ قد يشتركون في عقائد ثقافية متشابهة في مجال العلاقة بين الانا والآخر بحكم قراءتهم للمجتمع العالمي الجديد‏,‏ وهناك ايجابيات كبيرة لهذا الوضع الناشيء‏,‏ لانه يمكن ان يسهل من عملية حوار الثقافات‏,‏ ويقضي علي ضروب التعصب وكراهية الآخر‏,‏ بل ان من شأنه النقد الايجابي للمركزيات الثقافية‏,‏ وقد ساعدت العولمة ايضا ـ كما اسلفنا ـ علي خلق مجتمعات معرفية عالمية‏,‏ يمكن لاعضائها من خلال المشورة التي يعطونها للحكومات ان تؤثر تأثيرات حاسمة في مسار التنمية المستديمة‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~