جريدة الأهرام - الكتاب ـ الأشعرية‏..‏ أهل السنة عبر العصور بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة مفتي الجمهورية

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44275‏السنة 132-العدد2008فبراير25‏18 من صفر 1429 هـالأثنين

 

الأشعرية‏..‏ أهل السنة عبر العصور
بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة
مفتي الجمهورية

اشتكي لي بعض الشباب من توجه بدأ يشيع في أوساطهم‏,‏ يستعمل كلمة الأشعرية أو الأشاعرة وكأنها سبب كفيل بأن ينفر الناس من ذلك العالم الذي يوصف بالأشعرية‏,‏ وسألني‏:‏ من هم هؤلاء الأشاعرة وما قصتهم؟ فقلت له‏:‏ إن المذهب الأشعري هو مذهب أهل السنة والجماعة منذ نشأته وحتي يومنا هذا‏,‏ وهو المذهب الذي يدرس في الأزهر الشريف‏,‏ وهو المذهب الذي عليه جماهير أتباع الأئمة الأربعة‏:‏ الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة‏,‏ وكلمة الأشعرية نسبة إلي الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل وهو من أحفاد الصحابي الجليل أبي موسي الأشعري ولد في حدود سنة‏260‏ هجرية‏,‏ ومات في حدود سنة‏330‏ هجرية‏,‏ وهناك اختلاف في تحديد مولده ووفاته‏,‏ درس مذهب الاعتزال علي الجبائي لمدة عشرين عاما‏,‏ وهو مذهب يعتمد علي العقل ويقدمه علي النقل وظاهر النصوص‏,‏ وانطلق أبو الحسن الأشعري من فرضية أخري وهي عدم وجود أي تناقض بين المعقول والمنقول‏,‏ وهو مذهب أهل السنة السابقين عليه كالشافعي ومالك وغيرهما‏,‏ ولذلك فليس هناك حاجة لتقديم المنقول علي المعقول كما يفعل النصوصيون ولا لتقديم المعقول علي المنقول كما يفعل المعتزلة‏,‏ وبهذا يتبين أنه ليست هناك ثنائية بين المنقول وبين المعقول بل هما وجهان لعملة واحدة‏.‏

إن هذا الفكر المبني علي تلك الدراسة العتيقة والمبني علي التأمل والنظر‏,‏ والمبني علي إيجاد حلول للمشكلات الفكرية المعروضة علي الساحة‏,‏ قبله كل العلماء قبولا تاما حتي رأينا أن المعتزلة انتهت أو كادت تنتهي في القرن الرابع الهجري‏,‏ وما ذلك إلا بفضل أبي الحسن الأشعري الذي بني كلامه علي الكتاب والسنة وعلي صحيح المعقول‏,‏ وكان أبو الحسن الأشعري في بعض الأحيان يعرض قولين في المسألة يمكن الأخذ بأحدهما‏,‏ فكل واحد من القولين يعد حلا مقبولا للمشكلة‏.‏

ولقد تطور المذهب الأشعري الذي بني هذا المنهج والذي دعا الناس لأن تعيش عصرها ولا تقف عند عصر النبوة فقط‏,‏ بل النبي صلي الله عليه وسلم قد ترك لنا منهج التفكير الذي تواجه به المحدثات سواء الفكرية أو العملية‏,‏ ولذلك نري تطور المذهب علي يدي الإمام الباقلاني‏(403‏ هـ‏)‏ والجويني‏(478‏ هـ‏)‏ ثم الإمام الغزالي‏(505‏ هـ‏)‏ ثم بعد ذلك الإمام الرازي‏(606‏ هـ‏)‏ والآمدي‏(631‏ هجرية‏)‏ وصولا إلي الإيجي‏(756‏ هـ‏)‏ والسعد التفتازاني‏(793‏ هـ‏),‏ والشريف الجرجاني‏(816‏ هـ‏),‏ ومن الأشاعرة‏:‏ الإمام النووي‏(676‏ هـ‏)‏ شارح صحيح مسلم وصاحب رياض الصالحين والإمام ابن حجر العسقلاني‏(852‏ هـ‏)‏ شارح صحيح البخاري في كتابه الكبير فتح الباري‏.‏ وكل من يعتمد عليه طلاب العلم من العلماء عبر العصور إلي يومنا هذا‏.‏

واستقر أتباع المسلمين من أهل السنة والجماعة للمذهب الأشعري باعتباره هو المذهب العلمي الأدق والأوسع‏,‏ ولقد ألف الأشعري نحو سبعين كتابا‏;‏ منها كتاب صغير طبع عدة مرات في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن بالهند‏,‏ اسمه استحسان الخوض في علم الكلام‏,‏ وهو لا يتعدي ثلاث عشرة صفحة بين فيها استنباط الأصول العقلية من الكتاب والسنة‏.‏

وفي مجموع فتاوي ابن تيمية في المجلد الثالث‏,‏ وهو يحكي عن مناظرة صفي الدين الهندي إمام الأشاعرة لابن تيمية في صفحة‏187;‏ قال الصفي الهندي‏:(‏ قلت له أنتم ما لكم علي الرجل اعتراض‏;‏ فإنه نصر ترك التأويل وأنتم تنصرون قول التأويل‏,‏ وهما قولان للأشعري‏),‏ ونقل ابن تيمية هذا وقبوله له يدل علي أنه كان أشعريا ورضي بذلك‏,‏ ولكن بعضهم يحاول أن يجعله علي مذهب ابتدعوه اسمه مذهب السلف‏,‏ والسلف ليس مذهبا‏,‏ إنه فترة تاريخية مباركة شهدت تمسك المسلمين بدينهم وشهدت أيضا بناء حضارتهم‏,‏ وفصل هذا المعني العلامة محمد سعيد البوطي في كتابه السلفية‏,‏ وهو بالأسواق‏.‏

ودأب السلفيون المعاصرون في محاولة أخري لاجتذاب الأشعري لآرائهم النصوصية‏,‏ فكثيرا ما يؤكدون فكرة الفصل الكامل بين الأشعري وأفكار المدرسة المنسوبة إليه‏,‏ والحق أن الأشعري اقتنع تماما بنبذ الفكر الاعتزالي وبنبذ الفكر النصوصي أيضا‏,‏ وصار منهجا هو المقبول عند أهل السنة والجماعة إلي يومنا هذا‏.‏

ولذلك فإن الذي يعيب علي الأشعرية ويعتبرها مانعا من قبول العلماء‏,‏ ويرد بذلك ما عليه علماء الأزهر حتي في الفقه من أجل أنهم أشاعرة‏,‏ قد جهل انه بذلك أنكر منهج الوسطية وأنه صار بذلك رجعيا يتصور أن الإسلام يصلح لعصر دون عصر‏,‏ ويحاول أن يسحب الماضي علي الحاضر‏,‏ وأنه بذلك قد خالف هدي القرآن وهدي النبي صلي الله عليه وآله وسلم معا‏,‏ ولقد حذرنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من هذا الصنف من الناس الذين يتكلمون بغير علم‏,‏ وفي الحديث‏:‏ يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان‏,‏ سفهاء الأحلام‏,‏ يقولون من خير قول البرية‏,‏ يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية‏,‏ لا يجاوز إيمانهم حناجرهم‏(‏ صحيح البخاري‏),‏ إن هؤلاء قد خطوا بمنهجهم المعوج بداية طريق التطرف ثم الارجاف وهم الدائرة الأوسع التي تنبت منها الدماء البريئة التي تسيل من جراء الجهل بالدين‏,‏ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏:‏ من خرج علي أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشي من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه‏(‏ صحيح مسلم‏).‏

ولقد ألف الإمام ابن عساكر الدمشقي‏(‏ المتوفي سنة‏571‏ هجرية‏)‏ كتابه الماتع تبيين كذب المفتري فيما نسب إلي الإمام أبي الحسن الأشعري‏,‏ وبين فيه أتباع جماهير العلماء وأئمتهم عبر العصور إلي القرن السادس لهذا المذهب العلمي الدقيق‏,‏ ومن الدراسات الجيدة التي بذل فيها جهد مشكور كتاب الدكتور جلال موسي بعنوان نشأة الأشعرية وتطورها‏,‏ طبع بدار الكتاب اللبناني ببيروت‏,‏ وتعد كتابات المرحوم علي سامي النشار وكتابات العلامة طه عبد الرحمن ـ متعنا الله بحياته ـ من المجهودات الكبيرة في دراسة هذا المذهب‏,‏ ويكفي أن قلعة الإسلام تدرسه في مناهجها‏;‏ أعني الأزهر الشريف‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~