جريدة الأهرام - الكتاب ـ صفحة الوفيات بقلم : شريف الشوباشى

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44270‏السنة 132-العدد2008فبراير20‏13 من صفر 1429 هـالأربعاء

 

صفحة الوفيات
بقلم : شريف الشوباشى

من المتفق عليه أن صفحة الوفيات غنية بالمعلومات عن الحالة الاجتماعية في مصر‏,‏ وعن التحالفات الأسرية والأنساب‏.‏ وقيل إن المخابرات الإسرائيلية كانت تتابع صفحة الوفيات بـ الأهرام لتعرف‏'‏ من هو من‏'‏ في مصر طبقا للتعبير الانجليزي الشهير‏.‏

وظلت هذه الصفحة علي مدي عشرات السنين‏,‏ وإلي يومنا هذا من أهم الصفحات نظرا لما تمثله من قيمة إنسانية وإخبارية ومعلوماتية‏.‏ وأعرف قراء يبدأون قراءة الصحيفة بصفحة الوفيات‏.‏

لكن هذه الصفحة أصبحت أخيرا تكشف سمة من سمات المجتمع‏,‏ حيث صارت مرآة عاكسة لحالة من النفاق الاجتماعي تتصاعد منذ فترة‏,‏ خاصة مع ظهور طبقة الأغنياء الجدد والتعاملات المالية والتجارية في السوق‏.‏ ويتمثل هذا النفاق في المشاطرات التي صارت مساحاتها تفوق مساحات النعي للمتوفين‏,‏ وكأنها إعلان عن اسم الشخص وعن شركته‏.‏ وقد أدي الطلب المتزايد علي المشاطرات إلي أن أفردت صفحات إضافية من أجل تلبية رغبات المشاطرين المتزايدة‏.‏

وفي الماضي كان الناس يعربون عن أسفهم وتضامنهم المعنوي مع أهل المتوفي من خلال برقيات التعازي الشخصية‏,‏ التي لا يقرأها غير أهل المتوفي‏,‏ أما الوسيلة الجديدة لذلك فهي إفراد مساحة كبيرة بصفحة الوفيات لمواساة أهل الفقيد والإعراب عن مشاعر المشاطرة الوجدانية‏.‏ بل ظهرت مودة المربعات المكتوبة بأبناط ضخمة لتلفت الأنظار وتجعل من المشاطرة حدثا في حد ذاته ربما أهم من النعي نفسه‏.‏

ولا شك عندي‏,‏ أن غالبية المشاطرات تنبع من إحساس صادق ومن أشخاص أصيبوا بالجزع لفقدان شخص يعرفونه أو لمواساة صديق أو قريب مات له عزيز مقرب‏.‏ لكن هناك نوعا من المشاطرات تفوح من بين سطورها رائحة النفاق‏,‏ وتتبين علي الفور أن هناك مصالح شخصية كبيرة وراء هذا العمل الإنساني النبيل وهو مشاركة أهل المتوفي في الحزن علي فقيدهم‏.‏

والمؤشر الحقيقي لحجم المشاطرات هو حيثية الشخص المتلقي للمواساة‏,‏ فلو أن وزيرا أو مسئولا كبيرا أو أحد وجهاء هذا العصر فقد والده أو شقيقا له أو ما شابه تجد المشاطرات ترف في صفحات الوفيات‏,‏ وتقرأ عن رؤساء شركات كبري ورجال أعمال مصابين بالحزن الشديد مع أنهم لم يعرفوا الفقيد وربما لم يسمعوا عنه من قبل‏.‏

وكثيرا ما أتعجب من مشاطرات موجهة لعلية القوم تخص أشخاصا ليسوا من أقرب المقربين إليهم فتقرأ مثلا أن فلانا ينعي بخالص الحزن والجزع‏'‏ حرم شقيق سيادته‏'‏ أو‏'‏ زوج ابن خالة سيادته‏'..‏ وسيادته هذا هو بالطبع المسئول المقصود مجاملته والتقرب إليه‏.‏

ولن أتعجب كثيرا‏,‏ إذا قرأت يوما مشاطرة تقول إن رئيس شركة كذا ينعي بمزيد من الحزن والأسي‏'‏ جار ابن عم‏'‏ المسئول الفلاني‏.‏ لقد وصل الأمر إلي حالة من استغلال الموت من أجل كسب ود كبار المسئولين والحصول علي المنافع من وراء ذلك‏.‏

والمضحك أنه إذا ترك هذا المسئول منصبه وأصيبت أسرته بعد ذلك بحالة وفاة فإن حجم المشاطرات ينكمش حتي يكاد يصل إلي بضعة سطور من الأصدقاء الأوفياء والرجال الذين يقيمون للأخلاق وزنا‏.‏ أي أن من مصلحة أقرباء أي شخص ذي حيثية أن يختاروا لحظة وفاتهم في عز سلطة قريبهم‏..‏ ساعتها ستنهال المشاطرات وتمتليء صفحة الوفيات باسمهم بالبنط العريض من كل أصحاب المصالح والطلبات‏.‏

أما إذا مات القريب المسكين بعد خروج المسئول من منصبه فلن يكون له أي ذكر سوي عمود النعي الذي تنشره أسرته‏.‏

ويذكرني تكاثر المشاطرات بصورة لافتة للنظر بما شاع علي ألسنة الظرفاء من أنه لو مات كلب الوزير فإن برقيات التعازي ستنهال عليه ويصطف مئات المعزين وعلي وجوههم علامات الحزن المصطنع‏..‏ أما إذا مات الوزير نفسه فلن يحفل بموته هؤلاء المنافقون نظرا لأنه لم يعد من الممكن الاستفادة منه‏.‏

وأعلم أن الحكومة قد اتخذت قرارات بمنع كبار الموظفين من نشر مشاطرات علي حساب الوزارات بعد أن غالي البعض في مجاملة الكبار من جيب ميزانية الدولة‏,‏ وأصبحت صحفة الوفيات مقياسا لوفاء الموظف و‏'‏حبه‏'‏ لرئيسه وإخلاصه له‏..‏ ولا أعلم إلي أي مدي تطبق هذه القرارات إلي يومنا هذا‏.‏

لكن المشكلة ليست في الموظفين وحدهم‏..‏ المشكلة في أصحاب المصالح الذين يتلهفون علي خبر وفاة أحد أقرباء المسئول الذي يتعاملون معه ويستفيدون منه‏,‏ ويتخذون هذه الوفاة تكئة للقيام‏'‏ بالواجب‏',‏ حيث تظهر أسماؤهم بخطوط عملاقة في صفحات الوفيات‏..‏ فيسعد المسئول ويحرج من هذه المجاملة الرقيقة التي لا بد من ردها‏.‏ وهؤلاء لايعبأون بالتضحية ببضعة آلاف من الجنيهات تذهب في مربع ضخم بصفحة الوفيات في مقابل قضاء مصالحهم و‏'‏الحليطة‏'‏ للمسئول الكبير‏.‏

لقد أصبحت المشاطرات ظاهرة اجتماعية لافتة للنظر‏,‏ ويبدو لي أن هناك أقساما في الشركات الكبري مهمتها متابعة صفحة الوفيات‏,‏ ورصد أخبار وفاة أقارب المسئولين من أجل الاستفادة عملا بالمثل القائل الحي أبقي من الميت‏.‏

الموت له قدسيته يا سادة‏..‏ ولا يصح استغلاله لأغراض دنيوية ومآرب مادية‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~