جريدة الأهرام - الكتاب ـ رجاء النقاش ومحفوظ بقلم: محمد سلماوي

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44263‏السنة 132-العدد2008فبراير13‏6 من صفر 1429 هـالأربعاء

 

رجاء النقاش ومحفوظ
بقلم: محمد سلماوي

جمعتني بالكاتب الراحل رجاء النقاش روابط كثيرة لم يكن أقلها حبنا المشترك لأديبنا الأكبر نجيب محفوظ‏,‏ فقد كنت أعرف حب رجاء الجم لنجيب محفوظ‏,‏ كما كنت أعرف حب وتقدير محفوظ له وثقته الكاملة فيه‏.‏

وربما كان في ذلك أحد أسباب القيمة الكبيرة التي كان يمثلها رجاء النقاش في مجال النقد الأدبي‏,‏ ولأحد كبار النقاد قول مأثور مؤداه أن المحب للأدب وحده هو الذي يصلح أن يكون ناقدا‏,‏ وقد كان رجاء النقاش مثالا فريدا للناقد المحب للأدب والأدباء في وقت كادت كلمة النقد عندنا تصبح مرادفة لكلمة الانتقاد‏.‏

ولقد حدثتني الزميلة نوال المحلاوي ذات مرة بعد مرور نحو عام علي فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عن رغبتها في أن ينفرد مركز الأهرام للترجمة والنشر ـ والذي كانت ترأسه في ذلك الوقت ـ بنشر السيرة الذاتية لأديب نوبل الكبير‏,‏ فقلت لها علي الفور‏:‏ أريحي نفسك‏,‏ إن نجيب محفوظ ليس من الأدباء الذين يكتبون سيرتهم الذاتية‏,‏ فهو في تواضعه الجم يعتقد أن حياته ليست ذات أهمية‏,‏ وأن أحداثها لا تهم أحدا غيره‏,‏ كما أنه يفضل ألا يترك للناس إلا انتاجه الأدبي‏,‏ الذي هو أهم من تفاصيل حياته‏,‏ ومع ذلك فكل من اقترب من نجيب محفوظ يعرف جيدا أن حياته بها من الأحداث المهمة والشيقة ما يجعلها ذات مغزي كبير لكل من يهتم بأدب نجيب محفوظ أو بالحياة الثقافية والأدبية طوال سنوات القرن العشرين‏.‏

ثم قلت لنوال المحلاوي‏:‏ أنا أعرف أن رجاء النقاش كان لديه مشروع قديم لكتابة حياة نجيب محفوظ‏,‏ وأعلم أن محفوظ لديه ثقة كبيرة في رجاء‏,‏ وأنه ـ إذا وافق علي المشروع ـ سيفتح له قلبه وذاكرته بالكامل‏.‏

ولم تمض أيام حتي كانت نوال المحلاوي قد اتصلت برجاء النقاش الذي أكد لها أنه مازال يرغب في التأريخ لحياة الأديب الأكبر‏,‏ كما التقت بالأستاذ نجيب لتعرض عليه الموضوع فرحب به ترحيبا كبيرا‏,‏ ورحب أيضا بأن يكتبه رجاء النقاش‏.‏

وقد أمضي رجاء النقاش وقتا طويلا يجمع مادة الكتاب من مصدر واحد فقط هو نجيب محفوظ نفسه‏,‏ الذي كان يجلس إليه مطولا ويسأله في كل الموضوعات التي تتصل بحياته وأعماله‏,‏ فكان محفوظ يجيب عليها بالكامل‏,‏ حيث كان رجاء النقاش يسجلها علي جهاز تسجيل صغير ليقوم بتفريغها بعد ذلك‏.‏

وبعد مرور ما يزيد علي السنة‏,‏ كان رجاء النقاش قد انتهي من جمع مادته بصوت نجيب محفوظ‏,‏ لكن تلك كانت بداية المشقة الحقيقية ولم تكن نهايتها‏,‏ فماذا يفعل بهذه المادة وكيف يعالجها ومن أين يبدأ؟‏..‏ ولم تمض سنة أخري ولا اثنتان ولا ثلاث‏,‏ بل أربع سنوات ودخلنا في السنة الخامسة ورجاء النقاش يشعر بمسئولية كبيرة تجاه المادة الثمينة التي ائتمنه عليها نجيب محفوظ‏,‏ ومن ثم لا يستطيع أن يخرجها إلا في أفضل صورة دون أن يكون في لهفة كي يخرج أول كتاب من نوعه يؤرخ لحياة أديب نوبل الكبير‏,‏ بل كان الأهم أن يجد الطريقة المثلي للتعامل مع هذه المعلومات النادرة التي حصل عليها‏,‏ فهكذا كان رجاء النقاش‏,‏ وهكذا كان ضميره الأدبي الذي جعله أحد أهم نقادنا الأدبيين وأكثرهم حبا للأدب وإخلاصا له‏.‏

وبعد أن مرت خمس سنوات‏,‏ اقتنع الجميع خلالها أن الكتاب لن يظهر أبدا‏,‏ وتوصل رجاء النقاش إلي أن قيمة المادة التي لديه تكمن في أنها صادرة من محفوظ شخصيا‏,‏ وأن عليه أن يحافظ علي هذه القيمة بأن يقدمها للقارئ كما هي‏,‏ دون أن يستخدمها في كتابة سيرة صاحبها‏.‏

وهكذا كان كتاب نجيب محفوظ‏..‏ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة علي أدبه وحياته‏,‏ والذي أصدره مركز الأهرام للترجمة والنشر عام‏1998,‏ والذي أهداني رجاء النقاش واحدة من أول خمس نسخ وصلته من المطبعة وصدرها بهذه الكلمات‏:‏ إلي الصديق العزيز الكاتب الكبير الأستاذ محمد سلماوي الذي يعرف كل ما في هذا الكتاب‏..‏ وما خلفه‏..‏ مع خالص التقدير‏..‏ رجاء النقاش‏.‏

وقد أصبح هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت عن نجيب محفوظ واثار عند بداية نشره ضجة كبيرة‏,‏ حيث تعرض ـ ضمن ما تعرض ـ لجوانب شخصية من حياة أديبنا الأكبر‏,‏ كان البعض يتصور أنه لم يكن ينبغي الإفصاح عنها‏,‏ بل لقد ذهب البعض آنذاك للقول بأن نجيب محفوظ لم يكن من الممكن أن يقول مثل هذه الأشياء‏,‏ وكان البعض يسأل الأستاذ أمامي‏:‏ هل حقا قلت لرجاء النقاش كذا أو كيت؟‏..‏ ولم يكن الأستاذ في سنه المتقدمة يتذكر في عام‏1998‏ ما يمكن أن يكون قد قاله عام‏1990,‏ لكنه في ثقته الكاملة برجاء النقاش كان يقول لسائليه‏:‏ هل ورد هذا في كتاب رجاء؟‏..‏ فيقولون‏:‏ نعم‏,‏ فيرد بلا تردد‏:‏ إذن فقد قلته‏.‏

أسرد هذه الواقعة لأن فيها دروسا مهمة وعبرا ذات دلالة لنقادنا من الشباب‏,‏ وفيها أيضا سر عظمة ذلك الناقد الأدبي العظيم رجاء النقاش الذي فقدناه هذا الأسبوع‏.‏

ففيها أولا أمانة الناقد مع المادة التي تحت يديه وعدم لهفته لنشرها بأسرع وقت وكأنها سبق صحفي رخيص يمكن أن يصنع العناوين الساخنة اليوم ليكون بلا أهمية غدا‏,‏ فقد كانت عين رجاء النقاش علي التاريخ‏,‏ والتاريخ لا يقبل إلا الأمانة والصدق‏.‏

وفيها ثانيا تفانيه في تقديم ما ائتمن عليه في أفضل صورة ممكنة‏,‏ حتي لو أخذ منه ذلك سنوات طوالا‏.‏

وفيها ثالثا روح الإيثار التي تجعل الناقد ينحي نفسه جانبا مفضلا عمل الأديب وكلماته‏,‏ فقد كان من الممكن لرجاء النقاش أن يكتب كتابا لم يكتبه أحد من قبل عن حياة محفوظ‏,‏ ولكنه فضل أن يحتفظ لكلمات محفوظ كما نطق بها دون تدخل منه‏.‏

وفيها قبل ذلك كله وبعده الثقة التي يحوزها مثل هذا الناقد عند الأديب والتي جعلت نجيب محفوظ يرد دون بحث ولا تدقيق‏,‏ بأن كل ما كتبه رجاء النقاش عنه أو عن لسانه لابد أن يكون صحيحا‏.‏

لقد فقدنا برحيل رجاء النقاش قامة كبيرة في رواق النقد الأدبي يصعب أن نعوضها‏,‏ لكن ما نملكه هو أن ندرس كيف نهضت تلك القامة فصارت باسقة كنخيل القرية المصرية التي ولد بها ناقدنا الكبير رجاء النقاش الذي ترك لنا الساحة بعده صحراء جرداء‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~