|
|
 |
 |
الكتاب |
|
|
| |
| 44263 | السنة 132-العدد | 2008 | فبراير | 13 | 6 من صفر 1429 هـ | الأربعاء |
|
|
|
|
| |
.. والموت مـــر بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي
|
 |
الذي حدث لي قبل خمسين عاما مع أبي, حدث لي منذ أيام مع رجاء النقاش.
قبل خمسين عاما, وبالتحديد في العاشر من أغسطس عام سبعة وخمسين وتسعمائة وألف دخلت دار روز اليوسف القديمة في شارع محمد سعيد باشا ـ حسين حجازي الآن ـ حيث كنت أعمل, وجلست إلي مكتبي لأجد برقية ينبئني فيها شقيقي أن والدنا توفي اليوم.
كان الوالد في نحو السبعين, ولم يكن يشكو مرضا, فلم يخطر لي ولا لغيري حين زرته قبل أقل من أسبوع أن النهاية قريبة إلي هذا الحد, وأنها ستفاجئنا دون سابق إنذار.
نهضت من مكتبي مهرولا متجها إلي مواقف سيارات الأجرة في أول شبرا لآخذ مكاني في أول سيارة متجهة إلي قريتنا التي لا تبعد كثيرا عن القاهرة, مجتهدا في ألا أتأخر حتي ألقي عليه النظرة الأخيرة وأشيعه مع المشيعين إلي مثواه الأخير, ووصلت السيارة بعد أقل من ساعتين لأتلقي المفاجأة الثانية, وهي أن الوالد مات بالأمس ودفن بالأمس, وأن البرقية التي تلقيتها صباح اليوم أرسلت بالأمس ووصلت بعد أن غادرت مكتبي في روز اليوسف, وكنت في ذلك الوقت شابا أعزب لا يصبر كثيرا علي البقاء في منزله الذي لا يؤنسه فيه أحد, ولا يملك فيه من وسائل الاتصال ما يمكن الآخرين من إبلاغه نبأ كهذا النبأ, والنتيجة أني قرأت الخبر حين تسلمت البرقية فلم ألتفت بسبب الصدمة للتاريخ الذي أرسلت فيه.
عدت إلي القاهرة وقد هالني ما حدث لأكتب في رثاء الوالد قصيدتي التي سميتها رسالة إلي مدينة مجهولة وفيها أقول:
أبي وكان أن ذهبت دون أن أودعك حملت لحظة الفراق كلها معك
حملت آلام النهاية احتبست أدمعك أخفيت موجعك ثم أتفجع مخاطبا أصدقائي:
مات أبي يا أصدقاء الغرباء ودعوه بينما أنا هنا لمحتهم في الضفة الأخري ظلالا في غروب الشمس تنحني علي القبور,
ما وجدت زورقا يقلني لم أستطع وداعه في يومه الأخير! *** من الذي احتضنني بعد عودتي إلي القاهرة يواسيني ويخفف من لوعتي الحارقة ويحيطني بدفئه وحنانه؟ رجاء النقاش!
من الذي استمع إلي قصيدتي فور انتهائي من نظمها؟ رجاء النقاش! من هم الأصدقاء الذين وجهت لهم الخطاب في هذه القصيدة؟ أولهم رجاء النقاش!
في تلك السنوات لم نكن نفترق, وهاهي الفاجعة تتكرر, ويكون بطلها الأول هذه المرة رجاء النقاش! *** في الأيام التي سبقت تكريم نقابة الصحفيين للفقيد منذ نحو شهر سقطت فريسة لنزلة حادة منعتني من المشاركة في تكريمه, فلم أملك إلا أن أكتب كلمة عنه تشرح حالي ولا توفي رجاء حقه, أرجو فيها أن يواصل المقاومة من أجل الكثيرين الذين يحبونه ويحتاجون إليه, وقد دفعه نبله لأن يطلبني في التليفون ليشكرني علي ما قلته في هذه الكلمة بعد أن قرأها, فلم يجد في المنزل إلا ابني الذي أخبره أني مسافر, ثم أبلغني بالتليفون أن الفقيد اتصل.. كانت هذه آخر فرصة أسمع فيها صوته!
وأنا متأكد من أن رجاء النقاش قاوم الموت بكل ما يملك من طاقة روحية وجسدية, قاومه كما كان يقاوم الشر في كل صوره, وكان في مقاومته للموت صبورا, لأنه يعرف أن معركة الإنسان مع الشر معركة طويلة, وكان شجاعا, لأن أحدا لا يستطيع أن يقاوم الموت مع أحد, وإنما يقاومه كل إنسان علي انفراد, فمن النبل أن يكون شجاعا. هذه الشجاعة ضرورية لنستنهض بها كل قوانا ونكسب معركتنا مع الموت, فإن لم نكسبها فهي ضرورية لنتقبله إذا لم يكن منه بد.
وأنا أعرف بعد ذلك أن رجاء النقاش لم يقاوم الموت وحده, بل قاومه معه كل الذين أحبوه, عرفوه أو لم يعرفوه, وفي مقدمتهم زوجته وولداه وأشقاؤه وأصدقاؤه, لكننا في النهاية نموت وحدنا!
ثم إنني أعرف شيئا آخر, هو أن أمثال رجاء النقاش قادرون علي مقاومة الموت حتي بعد رحيلهم, لأنهم تركوا للحياة من نبضات قلوبهم وثمرات عقولهم ما لا يستطيع الموت أن يقربه أو يغلبه!
***
أكتب هذه الكلمة وأنا لا أزال في الضفة الأخري, في فرنسا التي حملتني علي الرحيل إليها والبقاء فيها إلي اليوم أسباب مختلفة لا يخلو بعضها من قسوة تزيدها إيلاما أنباء الرحيل التي أسمعها ولا أستطيع المشاركة في توديع الراحلين.
يا أصدقاء لشد ما أخشي نهاية الطريق! وشد ما أخشي تحية المساء إلي اللقاء!
أليمة إلي اللقاء, و اصبحوا بخير وكل ألفاظ الوداع مرة, والموت مر وكل شيء يسرق الإنسان من إنسان! |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|