|
|
 |
 |
بـريــد الأهــرام |
|
|
| |
| 44263 | السنة 132-العدد | 2008 | فبراير | 13 | 6 من صفر 1429 هـ | الأربعاء |
|
|
|
|
| |
فتشوا عن الأسباب!
|
لا أجنح إلي المبالغة إذا قلت إن جانبا كبيرا من أسباب ما يداهمنا من مشكلات أنه يبدأ صغيرا بسيطا, سهل الحل, ولكن سرعان ما يزداد اتساعا وتعقيدا نتيجة الإهمال واللامبالاة, والمشكلة التي نحن بصددها الآن هي تدني رواتب أساتذة الجامعات وما ترتب عليها من مشكلات تمس العلم والبحث والدراسة الجامعية.
فلقد كنا نحن المعيدين, في منتصف السبعينيات, تجمعنا حوارات ولقاءات تدور حول البحث العلمي في أحضان أساتذة أجلاء جعلوا الجامعة مكانا للعلم, وللتدريب علي التفكير المنظم, وكان يوم الأحد من كل أسبوع يوم عرس علمي, حيث نذهب مبكرين في الصباح لنلتقي بأساتذتنا, وفي الرابعة بعد الظهر كنا نحضر حلقة البحث الأسبوعية( السيمنار) ويدور بيننا حوار علمي راق يسوده اتساع الأفق, وكان أساتذتنا يهدوننا مؤلفاتهم وبعض المراجع الخارجية ويوجهوننا إلي الاطلاع علي مؤلفات غيرهم من الأساتذة والالتقاء بهم وعندما سافرنا للخارج للدراسة كانوا يتابعوننا في دراستنا, وهكذا تكونا علميا وشببنا بين أساتذة متفرغين تماما للعلم, فلقد كانت الدخول المادية لأستاذ الجامعة في ذلك الوقت توفر له, إلي حد ما, متطلبات كريمة.
ومنذ أكثر من عقدين من الزمان, ارتفعت أسعار المعيشة عالميا ومحليا, وقفز ثمن المراجع العالمية والحوليات والدوريات العلمية قفزات هائلة وتجمدت رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعة. فلم يعد الأستاذ قادرا علي تحمل أعباء البحث العلمي, ناهيك عن تحمل أعباء المسكن والملبس والمأكل, وكان يمكن ببساطة حينذاك معالجة الأمر ماديا وعلميا ونفسيا لتستمر الجامعة كما كانت وكما يجب أن تكون منارة للعلم. وللأسف لم يحدث ذلك. فبدأت المشكلات في الظهور وفي مقدمتها هذا الانتشار غير المسبوق للدروس الخصوصية التي أصبحت مصدرا مباحا ومبررا من بعض المأزومين لضغوط الحياة وإحباطاتها. فأصبح توزيع الكتاب الجامعي سوقا لا يعتريها الكساد, ويتسابق الجميع لتقديمه دون ضوابط علمية
وصار كأي سلعة تشتري, يقوم بعدد أوراقه دون النظر إلي قيمته العلمية وما يقدمه من فكر بعد أن وضع المجلس الأعلي للجامعات تسعيرة له, تربط بين سعره وعدد الملازم والساعات الدراسية المقررة. وجاء نظام الفصلين الدراسيين ذو الأسابيع الثمانية الدراسية فعليا لتنتشر ظاهرة الملخصات التي يتم الإعلان عنها بصورة منفرة في أكشاك وحوانيت صغيرة بجوار كليات الجامعة أمام تضخم المادة الدراسية غير المجدية وضيق الوقت. فتدني مستوي خريج الجامعة تبعه تدني مستوي بعض أعضاء هيئات التدريس بالجامعة. وأصبح اللهث وراء الانتدابات خارج الجامعة واستئثار بعض الأساتذة بالإشراف علي الرسائل الجامعية لتحسين الدخل طريقا ممهدا لتمرير رسائل جامعية لا علم فيها ولا فكر.
وأمام ذلك تواري الأستاذ الجاد الملتزم علميا وأخلاقيا ومهنيا, وشابت العلاقة بين الأستاذ وبعض طلاب البحث العلمي شوائب رديئة, وكثرت السرقات العلمية سواء في الرسائل الجامعية أو المؤلفات أو أبحاث الترقية, وانصرف البعض عن البحث العلمي ولم يتقدم بأبحاث للترقية وخرج إلي المعاش بدرجة مدرس مادامت الجامعة لا تفرق بين خروج مدرس علي المعاش وأستاذ أفني وقته وعمره في الأبحاث العلمية
فالاثنان أساتذة متفرغون لدي الجامعة, لهما كل الحقوق, ثم جاء قانون تطوير الجامعات الأخير الذي أقر منذ أكثر من عشر سنوات لينشأ صراع بين الأساتذة والمدرسين, فاستبعد هؤلاء الأستاذة من التدريس ليستقروا في بحور ظلمات جهل لقوانين جامعية أطاحت بهم وبعلمهم وبعطائهم, وظهر بدلا منهم من لا يتسع وقته الثمين للقراءة, مجرد القراءة, وأصبح التدريس بالجامعة سبوبة, وصار من المألوف أن تجد جدول بعض أعضاء هيئة التدريس ستا وثلاثين ساعة أسبوعيا, ست ساعات تدريس يوميا وأصبح التخصص شيئا كريها لا يجب احترامه, بل ذهب ببعض أعضاء هيئة التدريس أن أعلنوا رفضهم لتعيين معيدين جدد حتي لا يشاركهم أحد في الرزق. من هذا يتضح أن المعالجة المادية لأعضاء هيئات التدريس بالجامعة يجب أن تحل علي قدم وساق مع كل المشكلات الجامعية الأخري التي أفرزتها لإعادة الوجه الحقيقي للجامعة والبقاء علي الدور الرئيسي للجامعة منارة للعلم ومكانا للعلماء.
د. أحمد محمد حامد فهمي أستاذ بآداب جامعة طنطا |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|