|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44263 | السنة 132-العدد | 2008 | فبراير | 13 | 6 من صفر 1429 هـ | الأربعاء |
|
|
|
|
| |
رجاء النقاش.. حضرة المحترم بقلم: محمد حسين أبوالحسن
|
كان ـ علي الدوام ـ شابا متمردا في غير جلبة, متفجرا بالجديد الذي يغلي في العروق قبل أن ينتقل إلي أصابع اليد, واعدا غاية الوعد, مع أنه فقير غاية الفقر, لا يحتمل عملا غير الحياة الممزوجة بالفن, طاف الأزقة علي مدي عمره متنصتا إلي وعيد الحلاج وهو يساق إلي الصلب, وسمع المتنبي وهو يتمتم بأبياته راسما دوائر نارية ومشعلا الحرائق أينما حل, والقتلة يطاردونه من بقعة إلي أخري, وتعلق بأهداب شكسبير و تولستوي وجوتة ونجيب محفوظ, ومد عروق مودته إلي عبدالمعطي حجازي ومحمود درويش والماغوط وغيرهم.
هكذا كان حضرة المحترم ـ بحق ـ رجاء النقاش كائنا مشعا تسبقه استنارته أينما ذهب, لتفسح له المكان وتجذب إليه النفوس التواقة إلي العلم والمعرفة, ما أن يحل في مكان حتي يتخلق مجلس علم وتلاميذ وأنداد وأفكار كبيرة كالنجف يبعث الضوء والبهجة, رأيت هذا في احتفاء نقابة الصحفيين به أخيرا والحشد الهائل الذي تحلق حوله, مما ذكرني بقصة طريفة وقعت للسيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد وابنة عمه, عندما كانت تطل من نافذة قصرها بمدينة الرقة علي نهر الفرات, ووجدت حشدا كبيرا من الناس يجتمعون علي شاطيء النهر, سألت في دهشة عن السبب, فقيل لها إن الناس اجتمعوا للترحيب بأحد كبار العلماء الذي وفد علي الرقة, فقالت زبيدة: هذا هو العز.. لا عزنا تساق إليه الناس بالسياط!
ما أجمل ما قالته زبيدة وما أصدقه, فعز العلماء قائم علي اختيار الناس ومحبتهم وإقبالهم دون فرض ولا إرغام, وهذا هو العز الحقيقي لأنه نابع من القلوب المتحررة من كل الضغوط.. إن رجاء النقاش هو واحد من أهم نقاد زماننا, واصل مسيرة طه حسين والعقاد مضيفا إليها تفرده الخاص عندما يقرأ الأعمال الأدبية والفكرية بعين الناقد المالك لأدواته, بما يمكنه من وضع الكاتب والنص في المكان الصحيح, دون أن يتخلي عن محبته الغامرة وهو يلتقط بمهارة مكامن القوة والموهبة, مميزا بين الأصداف واللآلئ, وكم سلط ضوء محبته علي كتاب لايعرفهم أحد, فصاروا ملء الأسماع والابصار.
وتكفي الإشارة برءوس أسهم إلي أبرز محاور مشروع النقاش النقدي والفكري بداية من الانحياز للتجديد واكتشاف المواهب وليس انتهاء بالمطالبة بالاصلاح الديني وإعادة النظر في حال اللغة العربية, بكل ما في تلك المحاور من مباهج فكرية وروحية غمرنا بها كقراء وكتاب, ومع أنه يضرب بسهم في مناهج العلم المنضبطة فإنه يظل أقرب لروح الفن من خلال الصحافة الأدبية التي شكلت النافذة الرئيسية التي انطلق منها للقارئ العربي, مشبعا ظمأه الثقافي, ومبقيا جذوة التفكير مشتعلة, بكثير من متعة السرد ودقة العرض وعمق الفكرة وبراعة الربط بين الشخصيات والتجارب والأفكار والرؤي
مقدما في ذلك كله خلاصة دقيقة واعية لمسئولية المثقف الحقيقي في مجتمعه, في معرض حديثه عن الأديب الروسي العظيم ليرمنتوف, فالمثقف ليس من مهمته ولا في قدرته أن يقدم الدواء لكل داء, أو أن يصلح الدنيا بلمسة سحرية, أو أن يكتشف حلا لكل مشكلة, فهذا كله مستحيل وخطأ في التقدير, فالمثقف الموهوب الصادق مهمته أن يضع يده علي المشكلة وأن يسحبها من الظلام أو الضباب ليضعها أمام كل العيون, فإن أحسن المثقف التشخيص فعلي الجميع بعد ذلك أن يشتركوا في البحث عن حل سليم.
وإذا كان بعض الفاعلين في الساحة الثقافية قد وجهوا يوما ما سهامهم صوب النقاش, فإن الجميع علي تنوع مشاربهم ظلوا متفقين علي حقيقة جوهرية تقول إن رجاء النقاش كان ـ وسيظل ـ أحد الأقطاب الكبار في كوننا الثقافي والنقدي, بعدما استصفي الماضي والحاضر الفكري العربي بقدرة نبوئية عالية, ترسم ملامح مستقبل في طور التشكل والتكوين! |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|