|
|
 |
 |
ملفات دولية |
|
|
| |
| 44263 | السنة 132-العدد | 2008 | فبراير | 13 | 6 من صفر 1429 هـ | الأربعاء |
|
|
|
|
| |
الحدود المكسيكية: العبور إلي الحلم الأمريكي
واشنطن: عاصم عبد الخالق |
رؤساء الحكومات الإسرائيلية اعتادوا أن يرددوا عبارة كان يقولها دائما رئيس وزرائهم الراحل اسحق رابين وهي انه يود أن يستيقظ يوما فيجد أن البحر قد ابتلع غزة.
مسئولو الهجرة والحدود الأمريكيون لديهم أيضا حلم مماثل. فهم يتمنون أن يستيقظوا ذات يوم سعيد, لن يأتي بالطبع, ليجدوا أن المكسيك ومن خلفها أمريكا الجنوبية كلها قد اختفت في قاع المحيطين الأطلنطي والهادي. ليس هذا فقط, فماداموا يحلمون فلا بأس من لحظات سعادة إضافية لا تتحقق إلا إذا تأجل اختفاء أمريكا الجنوبية قليلا إلي أن يتاح لهم إعادة12 مليون مهاجر غير شرعي معظمهم من أبنائها وبعد ذلك فلتذهب إلي الجحيم.
الحلم المستحيل للأمريكيين يقابله حلم آخر صعب, ولكنه غير مستحيل يراود جيرانهم الفقراء في القارة الجنوبية الفناء الخلفي لبلادهم, وهو الهجرة إلي تلك الأرض التي مازالت تفيض بالخير والفرص والثروة أو علي الأقل هكذا يرونها. بين الحلمين يدور صراع إرادات عنيف ومستمر جبهته التقليدية تمتد علي مسافة3141 كيلومترا(1969 ميلا) هي طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك. وتحشد الحكومة الأمريكية إمكانات هائلة للسيطرة علي تلك الحدود وتقيم سورا منيعا للفصل بين البلدين تنتشر حوله أسلاك وموانع صناعية عديدة وتضع حوله آلاف الكاميرات وأجهزة الرؤية الليلية والاستشعار المتقدمة, غير آلاف الجنود الذين يجوبون المناطق الحدودية ليل نهار تعاونهم دوريات السيارات وطائرات الهليكوبتر وتدعمهم الأقمار الصناعية ووسائل الاستخبارات المتطورة, ومع هذا ينجح500 ألف مكسيكي وأمريكي جنوبي في عبور كل تلك الحواجز سنويا والانطلاق إلي ارض الأحلام في الشمال. هذا غير من يتم ضبطهم أو إعادتهم أو رفض دخولهم من المنافذ الشرعية, وهؤلاء يبلغ عددهم جميعا نحو2500 شخص يوميا. ولا يعد هذا الرقم كبيرا في دولة لديها حدود برية تمتد لأكثر من سبعة آلاف ميل و95 ألف ميل من السواحل و326 ميناء ومنفذ دخول, وجيش من رجال الأمن والإداريين يتكون من47 ألف شخص يتولون تنظيم العمل والسيطرة والإشراف علي تلك الحدود ويسمحون يوميا بمرور1,1 مليون قادم. رغبة الأمريكيين بغرق جيرانهم الفقراء المزعجين تبدو مفهومة, برغم قسوتها, لان هذا الجنوب يمكن أن يكون مصدرا لإغراق بلادهم بالفعل تحت طوفان بشري هائل إذا تراخت قبضة الأمن الأمريكي علي المناطق الحدودية مع المكسيك. وبسبب هذا الوضع لا يخفي مسئولو الهجرة والحدود الأمريكيون استخفافهم بمشاكل الحدود المختلفة في الدول الأخري, معتبرين أن أي مشكلة يواجهها نظراؤهم في تلك الدول تبدو من قبيل الرفاهية مقارنة بالكابوس الذي يعيشونه. وباعتبار أن مشاكل الحدود الأمريكية مع المكسيك تجعلها أصعب حدود في العالم. والي حد كبير ليس في هذا القول مبالغة شديدة. وموسوعة ويكبيديا وهي دائرة معارف يجري تحديث مضمونها باستمرار ـ تقول بالنص إن الحدود الأمريكية المكسيكية تسجل أعلي كثافة عبور بين أي حدود دولية أخري في العالم. وان هناك ما يقرب من250 مليون شخص يعبرونها سنويا بصورة شرعية. هؤلاء ليسوا هم مصدر إزعاج السلطات الأمريكية. لأنه ـ كما تقول الموسوعة ـ تشهد هذه الحدود أيضا اكبر عدد في العام كله من العابرين سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية. ومسألة الحدود وما يرتبط بها من مشاكل الهجرة غير الشرعية هي إحدي القضايا السياسية العامة في الولايات المتحدة وبند ثابت في برامج المرشحين في انتخابات الرئاسة والكونجرس. وفي ميزانية العام المقبل تخصص الحكومة الفيدرالية نصف مليار دولار إضافية لنشر مزيد من الجنود والدوريات بطول هذه الحدود. أما برنامج المراقبة الصارم الذي تم استحداثه في عام2004 فهو يشهد المزيد من الإجراءات لسد كل الثغرات التي تظهر. واعتبارا من الشهر الماضي بدأت نقاط الحدود تطبق قواعد صارمة تتضمن إلغاء السماح للمواطنين الأمريكيين بالدخول إلي بلادهم دون وثائق رسمية تثبت جنسياتهم. وكانت القواعد السابقة تكتفي بان يخبر المسافر برا ضابط الحدود بأنه أمريكي للسماح له بالدخول. وقد اكتشف رجال الأمن أن أجانب كثيرين يتقنون اللغة الانجليزية نجحوا في التسلل بهذه الطريقة. وخلال العامين الماضيين فقط تم ضبط31 ألف شخص من هؤلاء' الكذابين' إلا أن كثيرين غيرهم حالفهم الحظ بالدخول. غير أن الجهود الأمريكية الكبيرة وبرغم ضخامة الإمكانات التكنولوجية والمادية فإنها تواجه تحديات هائلة. ليس فقط بسبب الإصرار القتالي من جانب الراغبين في الهجرة علي مواصلة المحاولة, ولكن أيضا لان المشاركين في تلك المحاولات ليسوا دائما أفرادا عاديين فهناك عصابات المخدرات, وتلك لديها وسائل وأسلحة وأموال تمكنها من اختراق كل الحواجز. بل هناك أيضا مسئولون حكوميون من المكسيك يشاركون في عمليات التسلل. وتشير الأرقام الرسمية الأمريكية إلي أنه منذ عام1996 تم رصد وإحباط253 عملية تسلل بمشاركة مسئولين حكوميين مكسيكيين. وهناك كذلك مشكلة التضاريس الجبلية الوعرة في جزء كبير من المنطقة الحدودية. وهذه مشكلة مزدوجة للشرطة والمتسللين معا. لان رجال الأمن يواجهون مهمة صعبة في تنظيم دوريات بالوسائل التقليدية وقد دفعهم هذا إلي استخدام الخيول لكي يستطيعوا السير في مناطق لا يمكن للسيارات الدخول إليها. غير انه تظل دائما مساحات هائلة لا يمكن إحكام السيطرة عليها بنسبة100%. أما المتسللون فعلي الرغم من أن تلك التضاريس الوعرة توفر لهم ستارا طبيعيا للتخفي فإنه في الوقت نفسه وبسبب تشديد الحصار الأمني في المناطق الأخري من الحدود اضطروا إلي التحول بكثافة إلي تلك المناطق الجبلية النائية. وأدي هذا إلي ارتفاع حالات الوفاة بينهم. حيث تتقطع بهم السبل ويفتك بهم الجوع أو البرد القارس أو الحر الشديد. ومع ذلك فان كل تلك الظروف ومعها قبضة رجال الأمن ورصاصاتهم في أحيان كثيرة لم تمنعهم من محاول تحقيق حلمهم بالهجرة إلي بلاد لم تعد تخفي رغبتها في التخلص من ضيوفها الثقلاء. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|