جريدة الأهرام - الكتاب ـ قصة مدينتين‏:‏ المقدسة والمدنية بقلم : سمير مرقس

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

الكتاب

 
 

44575‏السنة 133-العدد2008ديسمبر21‏23 من ذى الحجة 1429 هـالأحد

 

قصة مدينتين‏:‏ المقدسة والمدنية
بقلم : سمير مرقس

قصة مدينتين‏,‏ عنوان رواية من أهم وأشهر ما كتب الأديب الانجليزي الكبير تشارلز ديكنز‏(1812‏ ـ‏1870)‏ بالاضافة الي اوليفر تويست‏,‏ ودافيد كوبر فيلد‏,‏ وموسيقي الاجراس‏,‏ ومعركة الحياة‏...‏ الخ‏,‏ وقد كان لي الحظ أن أدرس في المرحلتين الاعدادية والثانوية النص الكامل لكل من اوليفر تويست وقصة مدينتين‏,‏ وقد تمكن ديكنز في هذين العملين تحديدا ان ينقل الواقع الاجتماعي الاوروبي ـ والتحولات التي كان يمر بها‏,‏ وفي قصة مدينتين والتي كتبت في عام‏1859‏

حاول ديكنز ان يؤرخ للفترة التي مهدت لقيام الثورة الفرنسية‏(‏ تبدأ وقائع الرواية عام‏1775),‏ حيث استهل عمله بوصف دقيق لأحوال مدينتي لندن وباريس وتطرق للعلاقات الاجتماعية بين الأثرياء والفقراء‏,‏ وبين الارستقراطية والعوام وأصحاب العمل والاجراء‏,‏ ويرصد الظروف التي ترتب عليها حدوث تطورات جذرية كان لها آثارها في التاريخ الانساني‏.‏

تطورات مكنت الافراد من النضال في اطار التطور المديني في ان يجتهدوا من اجل تحقيق المساواة والعدل‏.‏ فلقد ارتبط ظهور ونمو المدينة بقيام الثورة الصناعية وبالدور الايجابي الذي لعبته هذه المدن في تطوير القوي الانتاجية داخل مجتمعاتها كمراكز للتقدم العلمي والابتكار التكنولوجي‏..‏ وقد كانت حركة المواطنين في هذا السياق ـ في مدينتي ديكنز‏(‏ باريس ولندن‏)‏

علي الرغم من اختلاف درجة التطور الاجتماعي بينهماـ تتسم بأنها حركة من اجل اكتساب الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبلوغ المساواة والمشاركة في شتي مناحي الحياة‏,‏ بغض النظر عن الاختلافات الدينية او المذهبية‏,‏ وخاصة بعد ان تحررت هذه المجتمعات من الحروب الدينية من جهة‏,‏ وإدراك ان المصلحة هي العنصر الحاكم في العلاقات بين الأفراد‏..‏

لذا كانت قصة مدينتين هي تعبير عن حركة الافراد المدنية من اجل المواطنة في اطار اجتماعي شهد تحولا في التاريخ الانساني بفعل الثورة الصناعية‏..‏ حركة تتأسس فيها التكافلات بين البشر ليس علي اساس الطائفة والعزوة والعشيرة والمذهب وإنما علي اساس الموقع الاجتماعي والمهني والاقتصادي‏..‏ الخ‏..‏

في هذا الاطار استلهم بريان تيرنر‏(‏ احد اهم علماء الاجتماع المعاصرين الذين اجتهدوا في مجال ادبيات المواطنة من خلال مؤلفه المبكر المواطنة والرأسمالية‏,‏ وقد كان لنا شرف تعريفه الي القارئ المصري من خلال كتابنا المواطنة والتغيير‏)‏ عنوان رواية ديكنز قصة مدينتين في دراسة بديعة‏(‏ نشرت في كتاب‏ActsofCitizenship‏ إصدار‏2008‏ يرصد فيها الفرق بين‏:‏

المواطنة ـ حركة المواطنين في سياقين احدهما سياسي ـ مدني‏,‏ والآخر ديني ـ دعوي‏..‏ ويأتي اختيارنا لعرض هذه الدراسة لأنه يقترب فيها من واقعنا الذي يشهد جدلا لا يخفي علي احد ومظاهر أظن انها تحتاج إلي قراءة حول تداعياتها‏...‏ كيف؟
بداية يقول تيرنر‏:‏ ان الفرد المعاصر بات يتحرك في مدينتين‏:‏ الاولي هي المدينة ذات الطابع المدني‏..‏ والثانية ذات الطابع المقدس‏(‏ يستخدم الباحث الفرنسي برتران بادي تعبير المقدس في العلاقات الدولية وقد اعدنا توظيفه لوصف طبيعة المجال العام الذي تم إضفاء المقدس عليه‏,‏ وكنا مبكرا نستخدم تعبير تديين المجال العام‏)‏ او بحسب تعبير استعارة تيرنر من اوغسطينوس مدينة الله ليصف المدينة الثانية‏..‏

*‏ تقوم المدينة الأولي‏..‏ المدينة المدنية علي العقد الاجتماعي بين الافراد‏,‏ حيث يتحركون في هذه المدينة وفق المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية كي يحققوا الخير العام‏..‏ وتنطلق حركة المواطنين وفق عناصر ثلاثة‏:‏ العمل‏,‏ والخدمة العام‏,‏ وتقدم الوطن‏,‏ من خلال علاقات منفتحة‏,‏ حيث تربط بينهم رابطة المواطنة بغض النظر عن أية انتماءات اولية‏..‏

*‏ اما في المدينة الثانية‏:‏ المدينة المقدسة فإن كل مجموعة اجتماعية تنتمي لمعتقد أو مذهب ما‏,‏ سوف تنغلق علي نفسها بما تضم من اعضاء ينتمون الي هذه المجموعات‏..‏ بحيث تصبح هذه المجموعة مغلقة علي نفسها‏,‏ حيث تتحرك وفق الولاء لمعتقدها الذي يحكم حركتها في المجال العام او في المدينة الواسعة‏.‏

وعندئذ تتحول المدينة إلي ان تصبح مساحة تتحرك فيها مجموعات اجتماعية مختلفة يكون ولاء كل مجموعة منها لما تدين به من معتقدات ذات طبيعة مطلقة‏.‏

وهنا تكمن الاشكالية فالفرق كبير بين حركة المواطنين علي اختلافاتهم من اجل مصلحة المدينة من دون ان يشعر اي منهم انه ملهم‏,‏ حيث التعامل مع هو نسبي من سياسة واقتصاد يحتمل الصواب والخطأ‏,‏ وإن كل هذا التحرك لا يتناقض مع استلهام قيم ما يدين به‏..‏ وبين ان يتحرك المرء باعتباره عضوا في مجموعة يوحدها المعتقد في مواجهة مجموعة أخري‏..‏ وهو الفرق الذي يحول المدينة الواحدة الي مدينتين منفصلتين بحسب تيرنر كما يلي‏:‏

ـ مدينة سياسية ومدينة ملهمة‏.‏
ويشير تيرنر بوضوح الي ان النتيجة الحتمية لما سبق‏,‏ هو انه بمقدار ما يزداد الولاء للمجموعة الاجتماعية‏,‏ ومع كثرة هذه المجموعات بمقدار ما تزداد المسافة الاجتماعية بين كل مجموعة وباقي المجموعات‏..‏ الامر الذي يزيد من احتمالات التوتر الي حد كبير‏..‏ ويميز تيرنر بين الطرح الكلاسيكي للمواطنة والذي ولد في الاطار الليبرالي‏,‏ حيث الفصل بين الكنيسة والدولة‏,‏ وبين التطورات التي حدثت في ظل الحداثة وأزمة الرأسمالية المعاصرة والتي تحتاج الي نوع من التحليل المركب

‏(‏ ويشير هنا الي العديد من الدراسات معبرة عن نقلات حقيقية في الفكر الانساني علي اختلاف اتجاهاته‏,‏ صدرت مؤخرا لتفسر الكثير من الظواهر المعاصرة التي لا تقل عن الاعمال التاريخية المعروفة في الادبيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وربما تكون قد تجاوزتها بمراحل‏.‏

وفي هذا السياق نجد من يقبل استلهام القيم الدينية في دعم المواطنة‏,‏ مشيرا الي ان الخبرات الاوروبية قد تجاوزت هذا الأمرـ وربما يمكن القول ان إرهاصات المواطنة التي اختبرناها في الحالة المصرية لم تكن في خصومة مع المعتقدات‏..‏

بيد ان المشكلة ـ بحسب تيرنر ـ فيما سماه بالولائية المطلقة‏Pietiization‏ وهو مصطلح جديد‏,‏ يصف به أفراد مجموعة ما لا يرون إلا ما يدينون به‏,‏ ما يدفع الي رفض قبول ووجود مغايرين لهم رؤي أخري‏...‏ مما يفتح الطريق أمام الصدام والسجال‏..‏ ويمثل إعاقة حقيقية للمواطنة وللإطار الوطني الجامع لكل المواطنين‏..‏ وينهي تيرنر دراسته بسؤال حول كيفية تجاوز الخصومة بين المدينتين المقدسة والمدنية‏..‏ وكيف يأخذ التفاعل المجتمعي بين المجموعات سبيله للتحقق‏,‏ بدون صدام من اجل الخير العام‏..‏ وكيف نجدد رابطة المواطنة بين الجميع‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~