|
|
 |
 |
الكتاب |
|
|
| |
| 44538 | السنة 133-العدد | 2008 | نوفمبر | 14 | 16من ذى القعدة 1429 هـ | الجمعة |
|
|
|
|
| |
المرأة والسيارة بقلم : د.قدري حفني
|
 |
كانت أول صور لدي عن العبودية لسيد ابيض يمسك سوطا يجلد به عبدا اسود, أو لسفينة تمخر البحر مزدحمة بالعبيد والسياط تنهال علي ظهورهم, ولم ألبث ان تعرفت في دروسي الأولي عن تاريخ الحضارة والانثروبولوجيا علي حقيقة ان غالبية السادة كانوا يحرصون علي تغذية عبيدهم تغذية جيدة ورعايتهم صحيا, بل معاملتهم بلطف باعتبارهم أهم ادواتهم للانتاج, فالعبد الهزيل المكتئب لايقوي علي العمل, فاذا كانت امرأة فانها فضلا عن عجزها عن العمل لاتصلح للتسرية عن السادة في مجالسهم
ولم يكن التحرش الجنسي بالإماء والجواري يعد آنذاك جريمة شرف بحال, بل كان امرا طبيعيا متاحا للعامة في اسواق النخاسة, باعتبار انهن لسن اناثا كبقية الحرائر بل مجرد بضاعة للمشتري ان يفحصها قبل الشراء, فاذا ما اشتراها اصبح محظورا علي غيره التحرش بها, وإلا اصبح معتديا علي ممتلكاته.
تداعت تلك الأفكار خلال متابعتي لوقائع التحرش الجنسي التي بدت متناقضة مع ما نشهده من تزايد في القنوات الإعلامية الدينية, فضلا عن تزايد انتشار الممارسات الدينية خاصة بين الشباب, ولقد ارجع البعض الأمر إلي ضغوط الفقر, وانتشار العشوائيات, وتزايد الكبت الجنسي, وارتفاع تكاليف الزواج, وتبرج النساء وانتشار القنوات الإباحية إلي آخره.
وحين تأملت الظاهرة بهدوء اكتشفت ان ثمة العديد من انواع التحرش يمارسها الاثرياء في بلادنا وفي غيرها دون ان يكون مرجع ذلك كبتا جنسيا يعانونه, او ارتفاعا في تكاليف الزواج يعجزون عنها, وان العديد من جرائم انتهاك النساء تنتشر في بلاد مترفة تكاد لاتعرف للحرية سقفا, كما تنتشر في مجتمعات ينهشها الفقر وافتقاد الحرية, تري كيف تنتشر تلك الظاهرة بين جماعات تبدو متطرفة في التحرر واخري تبدو متطرفة في المحافظة.
لقد انتهت العبودية, والاتجار بالبشر رسميا منذ زمن طويل, ولكن ثقافة النخاسة, وابنتها ثقافة التحرش, مازالتا تلقيان بظلالهما علي علاقة الرجل بالمرأة في الشرق والغرب, وان اختلفت الاشكال والمسميات, ومهما حاولت ثقافة النخاسة ان تتخفي تحت تفسيرات حداثية استهلاكية, أو تحت تأويلات دينية اصولية, فان من يمارسون التحرش يكشفون هذا الغطاء, انهم لايتحرشون باناث, بل بأشياء أو سلع تروقهم فيحاولون الاستمتاع بها, والجريمة انهم يعتدون علي ملكية غيرهم.
ان اصحاب ثقافة النخاسة في الشرق والغرب يتعاملون مع المرأة باعتبارها سلعة شأنها شأن السيارة مثلا, انها سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب, وتتغير مواصفاتها النموذجية من عصر لآخر, بل من مستهلك لآخر, قد يفضل البعض سلعة جميلة يتيه بالحصول عليها وامتلاكها, وقد يفضلها البعض متهاودة السعر تفي بالغرض, قد يجد البعض في المنافسة والفصال والمزايدة ثم الفوز بالسلعة المطلوبة متعة لاتعادلها متعة, وقد يفضل البعض التسوق الهاديء البعيد عن صخب المنافسة.
ان اصحاب السيارات يحرصون علي تدليل سياراتهم بل يعبرون عن عجزهم عن الاستغناء عنها, وقد يحرص بعضهم علي الاستعراض بها, ويسعدون بالعيون تتطلع إليها, بينما يحرص البعض علي تغطيتها ما امكن ذلك, وينفر مالك السيارة عادة من السماح للغرباء بالاقتراب منها فضلا عن استخدامها دون إذنهم, بل انهم قد يصرحون بأنهم يعشقون هذا الطراز بالذات, وتلك السيارة بالتحديد, تري هل يمكن القول بأنهم يحبون سياراتهم حقا؟
ان حب المرء لما يملك قد يبلغ حد التقديس بل التضحية بحياته ذودا عنه, ولكنه حب البشر لبعضهم البعض, والفارق هو ان المرء مهما بلغ حبه لسيارته لايتبادل معها المشاعر, فهو لايستأذنها أو يستطلع مشاعرها قبل استخدامها, واذا ما استعصت عليه لجأ لمن يجري لها من العمليات مايعيدها إلي سيرتها الأولي وإلا اعادها هو إلي سوق النخاسة من جديد لتبحث عمن يشتريها, انها علاقة السيد بالعبد.
العبيد يبدون للناظر بشرا لايختلفون عن غيرهم, ولكنهم في ظل ثقافة النخاسة ليسوا سوي ممتلكات لا إرادة لها مستقلة عن ارادة السيد المالك وكثير من العبيد يستمتعون بان يسلموا امرهم لسيدهم الذي يرعاهم ويتولي امورهم جميعا دون ان يحملهم مسئولية اي شيء سوي طاعته, ولذلك لم يكن غريبا ان يفضل العديد من العبيد البقاء في كنف سادتهم حتي بعد أن الغي الرق وفي حقيقة الأمر فان الكثير من العلاقات التي تبدو انسانية لاتعدو ان تكون علاقات امتلاك
كثير من الآباء والامهات والازواج والزوجات يتصرفون كما لو كانوا يمتلكون بعضهم بعضا, وفي مثل هذا المناخ من العلاقات الانسانية الزائفة ينبغي ألا نندهش من وجود ممارسات التحرش بالنساء.
خلاصة القول إن الدعوة للاحتشام, وتشديد العقوبة علي جرائم التحرش الجنسي, والقضاء علي الفقر والعشوائيات كلها أمور مطلوبة دون ادني شك, ولكن اجتثاث ظاهرة التحرش من جذورها يتطلب العمل علي نشر ثقافة انسانية تتساوي فيها انسانية الجميع, ويقتصر التملك علي الاشياء دون البشر وهي مهمة صعبة ولكنها ضرورية.
kadrymh@yahoo.com |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|