|
|
 |
 |
الكتاب |
|
|
| |
| 44538 | السنة 133-العدد | 2008 | نوفمبر | 14 | 16من ذى القعدة 1429 هـ | الجمعة |
|
|
|
|
| |
نحو ثورة علمية عربية! بقلم : السيد يسين
|
 |
مضت عشر سنوات علي حصول العالم المصري الدكتور أحمد زويل علي جائزة نوبل في الكيمياء.. وإذا كان العرب قد حصلوا من قبل علي جائزة نوبل في الآداب لأول مرة في تاريخهم, حين فاز بها أديب مصر العظيم نجيب محفوظ, فإن الدلالة الكبري لجائزة أحمد زويل أنها أول مرة يخترق فيها العلماء العرب جبهة العلوم الطبيعية العالمية المتقدمة, باكتشاف تاريخي هو الفيمتو ثانية, الذي أنجزه بعبقرية فذة أحمد زويل, كاشفا بذلك عن سر التفاعلات المتشابكة للذرات في الزمن الواقعي للتفاعل.. وقد فتح هذا الاكتشاف أمام البشرية آفاقا عريضة في مجالات متعددة, الطب من بينها, مما يمكن أن يحدث ثورة في مجال علاج الأمراض المختلفة, بالإضافة إلي ميادين أخري عديدة.
ومعني ذلك أن العلماء العرب الشباب لو أحسن تكوينهم المبكر في الجامعات العربية يمكن لهم في سياق استكمال دراساتهم العليا في الجامعات الأجنبية الدخول بقوة في عالم العلم الحديث هكذا فعل أحمد زويل, فقد تلقي تعليمه في مرحلة البكالوريوس في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية, وأتيح له أن يتتلمذ علي عدد كبير من كبار الأساتذة الذين درسوا العلم في الخارج, وهم الذين أشرفوا علي رسالته للماجستير التي أثبتت نبوغه المبكر, مما ساعده علي الصعود بقوة في مدارج العلم حين سافر للولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا كنا نتحدث كثيرا في الوطن العربي عن أهمية التحول الديمقراطي ونعني الانتقال من السلطوية إلي الليبرالية, فإننا أغفلنا ـ للأسف الشديد ـ الحديث المنهجي عن أهمية تأسيس قاعدة متينة للبحث العلمي العربي, تكون بمثابة بوابة الدخول لعصر العولمة وعصر العولمة قام علي أساس عملية الانتقال الكبري من المجتمع الصناعي إلي مجتمع المعلومات العالمي الذي ينتقل ـ ببطء وإن كان بثبات ـ إلي مجتمع المعرفة. نحن بكل بساطة في حاجة إلي ثورة علمية عربية تقوم علي أساس الفهم العميق لسوسيولوجيا العلم, ونعني علم اجتماع العلم الذي ينظر له باعتباره نسقا اجتماعيا وثيق الصلة بالنسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الثقافي في المجتمع.
ولاشك أن أي نهضة علمية تحتاج إلي فهم عميق من قبل صناع القرار العرب لإدراك أهمية البحث العلمي في تحقيق برامج التنمية المستدامة, وهذا الإدراك لابد له أن ينعكس علي عملية صنع القرار التنموي. ويمكن القول إن مدخل سوسيولوجيا العلم هو الذي يساعدنا في الإجابة علي أسئلة مهمة, من أبرزها ضعف الإنتاج العلمي للباحثين العرب كما وكيفا, وانقطاع الصلة بين اتخاذ القرار والبحث العلمي, والاعتماد أساسا علي نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة وهجرة العقول العلمية. ولكن بالإضافة إلي مدخل سوسيولوجيا العلم هناك مدخل أساسي آخر هو مدخل السياسة العلمية الذي أصبح الآن مبحثا علميا مستقلا له خبراؤه ومنظروه..
وهي تتعلق أساسا باستراتيجية وتكتيك البحث العلمي في بلد معين, بمعني أنها هي التي تحدد أهداف البحث العلمي, ووسائل تحقيق هذه الأهداف, وأهم من ذلك كله تحديد أولويات البحث العلمي, وإقامة التوازن المطلوب بين البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية, وهي التي تضع خطة إنشاء المراكز العلمية, وتحدد نوعية تأهيل الباحثين وتدريبهم, وتعقد الصلة بينهم وبين صانع القرار السياسي من ناحية, والقطاعات الصناعية والإنتاجية من ناحية أخري.
ومن هنا فحين الحديث عن الوضع الراهن للبحث العلمي في المجتمع العربي, فلابد أولا من أن نسأل أنفسنا: هل هناك سياسة علمية في كل بلد عربي من البلاد الأساسية؟.. وهل هناك سياسة علمية عربية قومية؟.. إن الإجابة علي هذين السؤالين يمكن أن تساعدنا في تشخيص الأوضاع السلبية للبحث العلمي العربي في الوقت الراهن. فكثير من البلاد العربية, حتي تلك البلاد التي دخلت منذ عشرات السنين مضمار البحث العلمي, ليس لديها سياسة علمية واضحة
ومن أبرز هذه البلاد مصر, ولعل الحديث الدائم حول أهمية وضع استراتيجية للبحث العلمي, فيه اعتراف ضمني بغياب السياسة العلمية. أما السياسة العلمية القومية فهي غائبة عن الساحة, نتيجة ضعف البني التحتية للبحث العلمي في البلاد العربية, والافتقار إلي الإرادة السياسية في التنسيق العلمي, وليس هذا غريبا في بيئة إقليمية تفتقر كثيرا إلي التنسيق السياسي. ونأتي أخيرا إلي مدخل المشروع الحضاري, ونقصد بذلك علي وجه التحديد مدي الارتباط بين العلم والتنمية, ونعرف من واقع دراسات تاريخ العلوم التي تمت بشكل مقارن, أن لحظات النهوض الوطني والقومي, كانت ترتبط عادة بنمو البحث العلمي.
ومن هنا يمكن القول إنه في البلاد التي صاغت لنفسها مشروعا نهضويا, فإن العلم والبحث العلمي يحتل في العادة مكانة عليا, لأن المشروع الحضاري يهدف عادة إلي تحقيق التنمية البشرية الشاملة, مع التركيز علي قوة الدولة بالمعني الشامل الكامل, ونعني عسكريا وصناعيا وثقافيا. ولو تأملنا تاريخ مصر السياسي والاجتماعي, لوجدنا أن المشروع الحضاري الذي صاغه محمد علي مؤسس مصر الحديثة, كان يركز تركيزا واضحا علي النهوض بالتعليم, والبحث العلمي, والتكنولوجيا, بمعايير زمانه.
فقد أرسل البعثات العلمية إلي أوروبا للتخصص في العلوم العسكرية وغيرها, مع التركيز علي التكنولوجيا, والجوانب التطبيقية, وأنشأ المدارس والكليات العلمية, واهتم بالتعليم العام, والترجمة من اللغات الأجنبية إلي اللغة العربية, وهي المهمة التي نهض بها رائد التنوير العربي رفاعة الطهطاوي, بالإضافة إلي جهوده العديدة الأخري. ومما لاشك فيه أن النظام السياسي يؤثر تأثيرا بالغا بممارساته علي المناخ الفكري, ويتوقف ذلك علي نوع النظام نفسه شموليا أو سلطويا أو ليبراليا, ذلك أن البحث العلمي يقتضي ممارسة للحرية الأكاديمية في أجلي صورها
ويتطلب تنوع الأداء واختلافه, وإمكان التعبير عن الاختلاف حتي مع ممثلي السلطة السياسية, إذا انتفي هذا المناخ الليبرالي الذي يؤمن بالتعددية, فهناك احتمال كبير أن تضل جهود البحث العلمي بتأثير الخوف, وخوفا من القهر الذي قد تمارسه السلطة السياسية. كما أن اتجاهات النخبة السياسية الحاكمة إزاء العلم, سواء من ناحية تقديره باعتباره قيمة عليا في ذاته من ناحية, ووسيلة ناجعة من ناحية أخري للتصدي للمشكلات التي يجابهها المجتمع, ستحدد إلي حد كبير حجم الاهتمام الذي سيولي للمؤسسات العلمية, ودرجة التركيز علي تأهيل الأفراد العلميين
ومقدار التمويل الذي سيخصص للبحث العلمي, ونوع الصلة التي ستقوم بين أعضاء المجتمع العلمي والنخبة السياسية الحاكمة, سعيا وراء ترشيد صنع القرار. غير أن تأثير توجهات النظام السياسي, وإدراكات النخبة السياسية الحاكمة ليست في الواقع سوي طرف واحد من أطراف المعادلة, ذلك أن الطرف الثاني هم العلماء أنفسهم الذين يكونون ما يطلق عليه المجتمع العلمي.. وهذا المجتمع العلمي ـ في البلاد المتقدمة علميا وتكنولوجيا ـ له سطوة هائلة في عملية اتخاذ القرار العلمي, فقد استطاع أعضاؤه أن يبنوا لأنفسهم مكانة خاصة في المجتمع, تحت شعار العلم بالغ الأهمية بحيث لا ينبغي أن يترك للسياسيين.
ومعني ذلك ـ بمفهوم المخالفة ـ أن تترك عملية إصدار القرار العلمي للعلميين أنفسهم. غير أن ذلك يثير أسئلة متعددة: هل العلميون يختلفون حقا عن غيرهم من أفراد الشعب فيما يتعلق بالتطلعات والطموحات والأساليب الملتوية في بعض الأحيان التي تتبع للوصول إلي المكانة؟.. وألا يمكن أن تغريهم اعتبارات الشهرة العلمية أو الرغبة في الكسب المادي, مما يؤدي بهم ذلك إلي الانحراف في ممارساتهم العلمية, مما يثير قضية أخلاقيات البحث العلمي بكل جوانبها المتشبعة؟ لقد ثبت من الدراسات المقارنة لسياسات العلم, أن توجهات أعضاء المجتمع العلمي, لو استطاعوا إقناع النخبة السياسية الحاكمة
يمكن لها أن تدفع البحث العلمي في اتجاهات إيجابية للغاية, من شأنها أن تؤدي إلي تقدم البلاد, وتعميق التنمية في كل مجالاتها, وحل مشكلات البشر, كما أنها يمكن ـ علي العكس ـ أن تدفع البحث في دروب ملتوية, وبغير أهداف واضحة, مما يؤدي إلي إهدار الملايين في غير طائل. وحتي لا تأخذنا النظرات المقارنة في سياسات العلم الأجنبية بعيدا عن الوطن العربي, فإننا نستطيع أن نلخص جوانب التأثير السياسي علي البحث العلمي في الوطن العربي في عدد من المقولات الأساسية:
1 ـ يؤدي مناخ القهر السياسي إلي التأثير سلبيا علي ممارسة البحث العلمي في الوطن العربي, سواء في مجال البحوث الاجتماعية والسياسية, أو في مجال العلوم الطبيعية. وفي المجال الأخير هناك مجال واسع للاختيار بين بدائل عديدة في مجالات حساسة. مثلا هل ندخل مجال البحث النووي أولا؟.. هل ندخل مجال بحوث الفضاء أولا؟.. توافر حد أدني من حرية التعبير والتفكير هو الذي يسمح للعلماء أن يعبروا عن آرائهم بحرية, حتي لو خالفت آراء النخبة السياسية الحاكمة.
2 ـ يتوقف نمو البحث العلمي في بلد ما علي مدي إيمان النخبة السياسية بالعلم نفسه كقيمة أساسية في المجتمع, وعلي ضرورة تأسيس عملية صنع القرار علي نتائج البحوث العلمية.
وينعكس الإيمان بجدوي العلم علي نوعية المؤسسات التي ستنشأ لإدارة عملية البحث العلمي, وكفاءة القائمين عليها وشمول نظرتهم للعلم وقدراتهم في مجال تعبئة الطاقات العلمية وحجم الميزانيات التي ستخصص للبحث العلمي وفي البلاد التي اتخذت قرارا حاسما في هذا المجال, عادة ما يتشكل مجلس أعلي للعلم و التكنولوجيا, كما هو الحال في الهند برئاسة رئيس الجمهورية, إشارة رمزية للاهتمام السياسي بالموضوع
3 ـ يتوقف نمو البحث العلمي في بلد ما علي نوعية أعضاء المجتمع العلمي نفسه من ناحية ارتفاع مستوي التأهيل العلمي, وتكامل التخصصات العلمية, والقدرة علي تشكيل فرق بحثية متكاملة, و الوعي بالعلم وأهميته, وتطبيق أخلاقيات البحث العلمي بكل صرامة, والقدرة علي العمل للمصلحة العامة, وتضييق نطاق الخلافات المهنية, والاحتكام إلي تقاليد ممارسة البحث العلمي في البلاد العريقة في هذا المضمار.
غير أن ذلك يستدعي من النظام السياسي أن يولي الباحثين العلميين عناية خاصة, باعتبارهم جماعة استراتيجية تستطيع أن تلعب دورا حاسما في التقدم, لو أحسن إعدادهم وتوظيفهم للقيام بمهامهم. ومن هنا لابد من وضع سياسة قومية لإعداد الباحثين العلميين وتأهيلهم وإرسالهم في بعثات علمية للخارج, وتسهيل حضورهم للمؤتمرات العلمية. وقبل ذلك كله, لابد من الارتفاع بالمستوي الاقتصادي للباحثين, وإعطائهم أجورا ومرتبات عالية تكفل لهم التفرغ التام للبحث العلمي, كما أنه يمكن توفير احتياجاتهم الاجتماعية والثقافية لهم ولأسرهم بصورة متحضرة وكريمة, حتي نضمن انتماءهم بالكامل للمؤسسات العلمية التي يعملون فيها, وولاءهم للمشروع العلمي القومي.
4 ـ وقبل ذلك كله, لابد من وضع سياسة علمية يشارك في وضعها القادة العلميون في مختلف التخصصات, ويمكن للباحثين العلميين من مختلف الأجيال مناقشتها قبل إقرارها بصورة ديمقراطية.
وأيا ما كان الأمر, فيمكن القول إن الدكتور أحمد زويل قدم لمصر مشروعا لإنشاء مدينة علمية متكاملة تكون مركزا علميا متميزا, واتخذ القرار ولكنه لم ينفذ لأسباب بيروقراطية غامضة, وأخذت قطر المبادرة وأنشأت مدينة علمية استشير بصددها أحمد زويل, وتوسعت المملكة العربية السعودية في المشروع بإنشاء مدينة علمية خصص لها عشرة بلايين دولار. والسؤال: هل تنجح هذه المدن العلمية في تأسيس الثورة العلمية العربية؟ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|