|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44538 | السنة 133-العدد | 2008 | نوفمبر | 14 | 16من ذى القعدة 1429 هـ | الجمعة |
|
|
|
|
| |
زيارة الرئيس مبارك للسودان وتوجهات السياسة المصرية بقلم : هانئ رسلان
|
 |
في تحرك لافت قام الرئيس مبارك بزيارة خاطفة إلي السودان, احتلت انباؤها مكان الصدارة في مختلف الوسائط الإعلامية, ويبدو أن عدم الاعلان المسبق عن هذه الزيارة قد عزز من الشعور بالدهشة أو المفاجأة لدي الكثير من المراقبين, وآثار الكثير من التساؤلات حول حدوث نوع من الالتفات المتأخر نسبيا في السياسة المصرية تجاه السودان, وأزماته العديدة, وأنه تحرك في الوقت الضائع, بينما حاول آخرون تفسيرها علي اساس أن هناك نوعا من التحسس المصري تجاه بروز ادوار إقليمية أخري.
غير أن هذا الارتباك في استيعاب ابعاد الزيارة, ربما حدث بسبب غياب الخيط الناظم للمواقف المصرية تجاه السودان, عن الكثير من اجهزة الإعلام العربي والدولي, الامر الذي تسبب في بعض الارتباكات في فهم الزيارة وابعادها, فهذه الزيارة لم تكن الأولي للرئيس مبارك إلي السودان منذ أن تراجعت مرحلة التوتر في العلاقات بين القطرين الشقيقين, والتي استغرقت معظم عقد التسعينيات, حيث قام الرئيس بزيارتين إلي السودان من قبل: الأولي كانت في عام2003 بعد مرور الصدمة التي خلفها بروتوكول ماشاكوس الاطاري
والذي وافقت الحكومة السودانية من خلاله علي منح اقليم الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها6 سنوات, وهو الامر الذي لم تكن مصر متحمسة له علي الاطلاق, وكانت تري ان الحل الأفضل لازمة السودان, هو اعمال قاعدة المواطنة والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات, دون أي تفرقة تتصل بالعرق أو اللون أو الدين, وقد جاءت تلك الزيارة إبان أزمة وثيقة ناكورو التي ادت إلي تعثر المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية, والتي كان الوفد الحكومي السوداني يرفضها بشكل قاطع
حيث تدخلت مصر حينها لتجاوز هذه الازمة عبر سحب هذه الوثيقة, وقد كانت زيارة الرئيس حينها بمثابة تأكيد للسودان ولكل المعنيين بما يحدث فيه من تفاعلات أن مصر تتعامل مع القضايا السودانية دائما بمنظور استراتيجي واضح وثابت, يعلي دائما من المصالح العليا ويحافظ علي استمراريتها دون التوقف كثيرا عند ما هو طاريء أو مؤقت, كما كرست تلك الزيارة التحول في موقف مصر من حق تقرير المصير باعتباره أمرا واقعا جاء عبر موافقة العديد من القوي السياسية السودانية, وأن القاهرة سوف تبقي الظهير الداعم والمؤازر للسودان في الحفاظ علي أمنة واستقراره وسلامة أراضيه.
وقد تمحورت السياسة المصرية تجاه السودان منذ ذلك الوقت في العمل علي الحفاظ علي الاستقرار ودعم الوحدة وجعلها جاذبة للطرفين, من خلال محاولة تفعيل أداتين اساسيتين, هما العمل علي الحد من التأثيرات السلبية للتدخلات الاقليمية والدولية الواسعة في الشأن السوداني, وهناك الكثير من الشواهد والتحركات التي لا يتسع لها هذا الحيز, والاداة الثانية هي بذل كل جهد ممكن لدعم مسألة الوفاق في السودان وتقريب وجهات النظر ودعم كل ما هو مشترك بين القوي السياسية السودانية المختلفة, وتعتمد مصر في ذلك علي خطوط اتصالها المفتوحة مع القوي الفاعلة والرئيسية علي الساحة السودانية.
الزيارة الثانية للرئيس مبارك تمت في عام2006, بعد وقت وجيز من انتهاء القمتين الإفريقية والعربية اللتين انعقدتا في الخرطوم في يناير ومارس من ذلك العام, وجاءت لتعويض عدم الحضور الشخصي للرئيس مبارك لأعمال هاتين القمتين وللرد علي الكثير من التكهنات التي راجت انذاك حول الموقف المصري إزاء ما يجري من تطورات في السودان.
وعلي ذلك فقد كانت زيارة الاثنين الماضي الثالثة للرئيس مبارك إلي السودان, وهي ليست منقطعة الصلة بما سبقها من زيارات بل هي حلقة من حلقات توجه مصري مستمر في التعامل مع القضايا السودانية, يقوم علي انتهاج مصر اقترابا اساسيا يسعي لايجاد مخارج للازمات الحالية دون الاضطرار إلي خوض مواجهات مفتوحة مع المجتمع الدولي, ولعل ذلك نابع من اعتماد ترتيب واضح للاولويات... وقد تجلي ذلك في موقف مصر من أزمة المحكمة الجنائية, والتي نوقشت في هذه الزيارة, والتي تبذل فيها مصر جهدا فائقا لا يكل
لتجنيب السودان التداعيات الخطيرة لهذه القضية, عبر الدفع بحزمة من التحركات والاجراءات والاتصالات المكثفة علي المستويين الاقليمي والدولي لحشد الدعم والمؤازرة وتحريك الموقف بشكل عملي إلا أنه يمكن القول ان الزيارة الثالثة قد اكتسبت معاني إضافية, إذ إنها شملت جوبا, في تتويج واضح لعلاقات مصر الوثيقة والتعاونية مع الإقليم الجنوبي ــ والتي هي امتداد للسياسة المصرية تجاه الجنوب منذ السبعينيات ــ حيث تعمل مصر بكل جهد للمساهمة في البناء والإعمار في الجنوب لدعم قضية الحفاظ علي الوحدة وجعلها جاذبة, عبر المنح التعليمية لثلاثمائة طالب جنوبي كل عام وتدريب الكوادر الإعلامية والإدارية والدعم الخدمي والتنموي بانارة أربع مدن في الجنوب علي النفقة المصرية
وتقديم الخدمات الطبية والصحية مجانا عبر مركز طبي تم انشاؤه في جوبا, ويقدم خدماته بكفاءة, والموافقة منذ أكثر من اربع سنوات علي انشاء فرع لجامعة الإسكندرية في جوبا, سوف يبدأ العمل قريبا, بالإضافة إلي تعاون وزارة الزراعة المصرية مع الجنوب في تقديم العون والخدمات وانشاء مزرعة ارشادية مصرية في الجنوب.
وقد اعلن الرئيس مبارك عن نية مصر القيام بمزيد من المشروعات التنموية والاستثمارية فالجنوب يحتاج إلي كم هائل من الخدمات والبنية التحتية, ويجب ألا يترك لكي يقع تحت هيمنة قوي لا ترغب في بقاء السودان موحدا, وسوف يمثل وجودها تهديدا لمصر في المستقبل في هذه المنطقة الحساسة للمصلحة المصرية, حيث من المعروف أن هناك وجودا إسرائيليا غير معلن في الجنوب, يسعي للتوسع من خلال اشكال مختلفة ومستترة.
وعلي هامش هذه الزيارة تجدر الاشارة إلي ملاحظة اساسية هي أن السياسة المصرية تجاه السودان لا تهتم كثيرا بالحضور الإعلامي أو الدعائي, إذ أنها تحرص بشكل أكبر علي العمل بهدوء, مع التركيز بشكل أكبر علي التصويب نحو تحقيق الاهداف المتوخاة قد ظهر ذلك مرارا في دعمها لكل الجهود المبذولة دون تحفظ, وهذا نهج إيجابي ومطلوب بسبب تعقيدات الحالة السودانية وتحولها في الكثير من جوانبها إلي صراع اجتماعي ممتد أكثر من كونها صراعا سياسيا, يسهل حله أو التعامل معه.
غير انه يبقي القول انه رغم اعتماد مصر لاقتراب صحيح من الناحية الاستراتيجية نحو السودان, وبرغم الكثير من الخطوات والتحركات التي اتخذت, فإن الاثر العملي لذلك بقي محدودا, ويحتاج إلي تبني رؤية استراتيجية شاملة تعتمد علي إحداث نوع من الالتفات في دور مصر الاقليمي وإعادة صياغته بالتوجه نحو حوض النيل, وفي القلب منه السودان, ففي هذا الاتجاه يكمن مستقبل مصر, وهذا يحتاج إلي تبني استراتيجية أكثر شمولا, لا تكتفي بالتعامل مع الواقع القائم, وإنما تسعي إلي تغييره والتأثير في مجرياته. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|