|
|
 |
 |
ثقافة و فنون |
|
|
| |
| 44113 | السنة 132-العدد | 2007 | سبتمبر | 16 | 4 من رمضان 1428 هـ | الأحد |
|
|
|
|
| |
الصـوفية.. من المعني والمنشأ إلي بردة البوصيري وشوقي وهاشـم
تحقيق-خالد أحمد المطعني: |
 | | د ـ عمر هاشم |
شيخ ـ مريد ـ محب ـ طريق, أوراد, ذكر, ابتهال, مديح, سلطان العاشقين ـ كلها مسميات تدل علي عالم متوحد المعاني هو عالم الصوفية.
كيف كانت النشأة والتكوين, وما هو الهدف, ومن هم رجال التصوف الذين خلفوا هذا الكم الهائل من التراث الصوفي؟!..
عالم تحاول دنيا الثقافة الاقتراب والغوص في معانيه ومفرداته لنتعرف عن قرب عن ماهيته.
بداية يؤكد الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب وعضو المجلس الأعلي للطرق الصوفية أن التصوف بدأ مع بداية الإسلام نفسه, وهذا مشار اليه في الحديث الذي سأل فيه جبريل عليه السلام الرسول الكريم ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن الايمان والاسلام والاحسان, فأجاب عن الاحسان بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك, وهو مقصود التصوف الذي هو مراقبة الله تعالي في كل الأمور والأفعال, فالتصوف بهذا المعني يمثل العبادة الخالصة الكثيرة التي يتجلي فيها عنصر مراقبة العبادة الكاملة الخشوع والخضوع لرب الأرض والسماء.
ويوضح د. هاشم أن التصوف يكتسب بفعل الطاعات وترك المعاصي, وأيضا رياضة النفس وتربيتها تربية روحية, حتي يصل العبد الي درجة الحب مع الله قال تعالي: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.
ويؤكد هذا المعني الشيخ محمد حسين كرار الباحث في التراث الصوفي بقوله إن التصوف منه ما هو إسلامي ـ كالذي نتحدث عنه ـ وهو المستمد من عقيدة التوحيد التي جاء بها سيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومنه ما هو غير إسلامي كالذي تمارسه بعض الطوائف مثل أتباع بوذا وغيرهم وهذا لا يعنينا في شيء.
ويشير الشيخ كرار الي أن التسمية بالصوفية فيها كلام كثير امتلأت به كتب الباحثين فمنهم من يقول انها نسبة الي الذين اشتهروا بلبس الصوف ومنهم من يرجعها الي نسبة أهل الصفة وهم فقراء الصحابة الذين كانوا يجاورن المسجد النبوي علي عهد الرسول صلي الله عليه وسلم, وهناك رأي أقرب الي العقل وهو أن هذه التسمية مجرد اصطلاح تعارف عليه القوم واتفقوا عليه فسموا به وهي ترجع الي الصفاء الروحي من كل الشوائب والماديات التي تعوق حركة الروح في التقرب إلي الله تعالي.
ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم إن مصدر التصوف هو القرآن الكريم والسنة المطهرة, وما كان عليه فعل الصحابة والتابعين من العارفين بالله والمحبين لله ولرسوله ولصحابته ولآل بيته.
أما عن النشأة فيقول الباحث محمد كرار انها لم تكن بعيدة عن العهد النبوي وذلك لأن العهد النبوي احتوي علي الوحي والإلهام, فلم يكن هناك مجال للاختلاف الذي تتكون معه الفرق والأحزاب, ولكن بعد العهد النبوي ظهرت اختلافات سياسية وفقهية وظهرت فرق أهل الكلام كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وأزدادت الخلافات بعد ذلك مع توسع الفتوحات الدولة الاسلامية ودخول غير العرب. في الاسلام ومنهم من كانت ثقافته فارسية أو هندية أو يونانية, وفي ظل احتدام الخلافات نشأت فرق الصوفية التي حاولت الابتعاد عن كل الخلافات واعتزال كل الصراعات مكتفية بجانب العبادات في سلوك مقام الإحسان وهو أرقي المقامات, اذن نشأة الصوفية ارتبطت بالبعد عن كل الخلافات التي تضر بالدين ولا تنفع الانسان.
أما الأستاذ بهاء الدين تقادم النقشبندي ـ الباحث في التراث الصوفي ـ فيشير الي أن الصوفية هي مجموعة أفراد اتصلوا في طريق القوم ولهم مرشد ومربي يبث فيهم الخصال الصوفية ـ المتمثلة في الصفات والأخلاق الحميدة في الاسلام ومجاهدات النفس ـ وكيفية الدخول في الطريق ويرعاهم مرشدهم ويوجههم منذ البداية وحتي اتمامهم لمراحله ومقاماته. وعلي هذا نشأت الصوفية وتعددت طرقها بحسب كل شيخ في كل أقطار العالم, وتوالت بعد ذلك خصائص كل طريقة واتباعها علي نهج شيخهم ومعلمهم.
ويقول د. أحمد عمر هاشم إن التراث الصوفي معناه كل ما نقل عن السلف إلي الخلف ويحوي العلوم والأحكام والقصائد التي يهتدي بها الناس الي عبادة الله الحق وارتفاع همة أرواحهم إلي عالم ملكوت الله تعالي, بحيث يترقي الانسان بتطبيقه تلك التعاليم والأحكام الي درجات القرب من رحمة رب العباد. ولقد كانت لأهل الصوفية الأوائل تعبيراتهم التي عبروا فيها عن حبهم لله ولرسوله ولإخوانهم, تعبيرات متعددة في مشاربها ولغتها وبلاغتها وصلت في درجتها الروحية مبلغا عظيما, وصاغوا في ذلك أشعارا وقصائد ومدائح وصلت إلي أعلي درجات الصدق مع الله والنفس والغير وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: فإن صادق الحب يملي صادق الكلم.
ويضيف الشيخ محمد كرار أن جميع أهل التصوف الأوائل كانوا علماء ليس في الدين بحسب ولكن في اللغة والبلاغة وعلم الكلام, والطب بفنونه المختلفة, وكانوا فقهاء أصحاب مذاهب لا حصر لها وهي مستمدة من الكتاب والسنة وآراء السلف. فقد حفلت كتب الأدب والتاريخ بكثير من الأشعار والقصائد التي تحتوي علي تراث الصوفية الذي يشتمل علي التوجهات الصوفية المليئة بالزهد والنصائح والحكم والأمثال والعلوم أمثال عمر بن الفارض الملقب بسلطان العاشقين والامام محيي الدين بن عربي الملقب بسلطان المحبين والإمام أحمد الرفاعي, وأبو الحسن الشاذلي, والدكتور عبد الحليم محمود وابن عطاء الله السكندري صاحب الحكم العطائية وعبد القادر الجيلاني, والإمام الجيلي وأبو مدين الغوث والامام الفقيه صاحب المذهب الشافعي الامام محمد بن ادريس الشافعي ورابعة العدوية وغيرهم كثير وهؤلاء الصوفية الاوائل لهم كتب في الفقه والتفسير والحديث حملتها كثير من المطبوعات, ومنها الكثير الذي لم يطبع ولم يعرفه كثير من الناس منها ما تركه الشريف إسماعيل بن تقاديم النقشبندي وهو من أكابر الصوفية وله مخطوطات مر علي تأليفها أكثر من قرن ونصف قرن من الزمان, وهي عبارة عن قصائد صوفية فيها من الأشعار والحكم والأمثال والنثر الكثير, وهذا التراث موجود في بيت أحفاد ذلك الشيخ في صعيد مصر.
ويؤكد الاستاذ بهاء الدين النقشبندي أن التصوف بجانب ماله من تراث علمي وقصائد وأشعار وغيرها شمل أيضا مباديء مهمة جدا لتربية النفوس, والتي تناقلت من الشيخ الي المريد, ومن المريد الي المحب, تكاد تكون هذه المباديء أسسا للتراث الصوفي, ومنها الأوراد وهي مستمدة من الكتاب والسنة وهي عبارة عن أجزاء من القرآن الكريم وبعض الأذكار الواردة عن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم من تسبيح وتهليل وتكبير وحوقلة وصلاة علي رسول الله صلي الله عليه, واستغفار, وكلها بأعداد معينة وتقال في أوقات محددة سواء بالليل أو النهار, وهذه الأوراد أو الأذكار اختص بها كل شيخ عن غيره وإن كانت الألفاظ واحدة ولكن أعدادها مختلفة, وكتب التراث مملوءة بهذه الأوراد كما أنها تمتاز بأنها تؤدي بطريقة معينة سواء كانت جماعية أو فردية, هذا بجانب المصطلحات الصوفية التي لها معان لا يفهمها الا من كان من أهل التصوف, لأنه كما هو معلوم أن رجال التصوف أرباب أحوال وليسوا بأصحاب أقوال وهذا ما دعا أحد الباحثين في العصر الحديث الي تأليف ما أسماه بالقاموس الصوفي جمع فيه كل الألفاظ والمصطلحات والاشارات التي يستخدمها أهل التصوف في مجالسهم, مع شرح تلك المصطلحات, وتوضيح ما هو صحيح منها وما هو غير ذلك.
ويقول د. عمر هاشم إن أشهر الموروثات الثقافية المسماة بـ بردة المديح وأول بردة كانت في تاريخ التراث الصوفي تلك التي كتبها كعب بن زهير, وذلك عندما عاد من الكفر إلي الإسلام وأنشد قصيدته التي أعجب بها النبي صلي الله عليه وسلم حتي خلع عليه بردته وأعطاه إياها تعبيرا عن تقديره لشعره ولذلك سميت بالبردة ثم كانت البردة الثانية للامام البوصيري وهي مشهورة ومحفوظة لدي العوام من الناس وقد كان هذا الإمام مريضا بمرض الفالج أي الشلل النصفي فظل يمدح رسول الله صلي الله عليه وسلم بمدائح كثيرة حتي رأي في المنام أنه واقف بين يدي الرسول ينشده تلك القصيدة فألقي عليه الرسول بردته فمن الله عليه بالشفاء ولذلك سميت بالبرءة وأيضا سميت بالبردة.أما البردة الثالثة فكانت لأمير الشعراء أحمد شوقي التي سماها نهج البردة لأنه نهج نهج الإمام البوصيري فيها, فجاءت القصيدة من نفس البحر والقافية وتتناول المعاني ذاتها والعناصر بعينها, لذا سماها نهجا ولم يسمها معارضة لأنه لم يعارضه, وشهد شوقي بالأولية للإمام البوصيري واعترف له بالسبق والفضل وكانت البردة الرابعة للدكتور أحمد عمر هاشم التي أنشدها وهو متوجه إلي الحرم المكي لأداء فريضة الحج.
ويشير الشيخ محمد كرار الي أنه يأتي بعد البردة في الشهرة ديوان القصائد لمجموعة من أعلام الصوفية أمثال عمر بن الفارض ومحيي الدين ابن عربي ورابعة العدوية والحلاج والجنيد والشريف اسماعيل وأبو الحسن الشاذلي, وابن عطاء الله السكندري وديوان الإمام الشافعي وصالح الجعفري وهذه المطبوعات وغيرها من التراث الصوفي متوارثة ومتوافرة في كثير من المكتبات سواء داخل مصر أو خارجها بل لقد قام كثير من الباحثين في علم التصوف الي تحقيق وشرح وترجمة تلك الدواوين وأصحابها في مطبوعات خاصة.
وتتابعت أشكال وتنوع التراث الصوفي بعد ذلك من نثر وشعر تعبر عن المواجيد والحب في الله ورسوله وآل بيته وقصص ومواعظ وحكم وتاريخ جاءت علي لسان من ساروا علي درب السلف من الصوفية الأوائل وذلك مثل قصة المولد النبوي الشريف التي تحكي وتقص في جميع الاحتفالات التي تقام في ذكري المولد, وهي مشهورة علي ألسنة العوام والخواص من الناس. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|