جريدة الأهرام - الكتاب ـ لينا كيلاني تروي الواقع العلمي بقلم د‏.‏ صلاح فضل

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

ثقافة وفنون

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

الغنوة

الساخر

شباب اليوم

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الكتاب

 
 

44079‏السنة 132-العدد2007اغسطس13‏30 من رجب 1428 هـالأثنين

 

لينا كيلاني تروي الواقع العلمي
بقلم د‏.‏ صلاح فضل

كاتبة ومبدعة سورية تعيش في القاهرة‏,‏ تستثمر معرفتها العلمية بالزراعة في تنمية الطاقات العقلية والوجدانية للأطفال والشباب‏,‏ حيث تتوزع اهتماماتها علي مجالات البحث والأدب والخيال العلمي‏,‏ لكنها تقع للمرة الأولي علي تخوم إبداعية تربط بين هذه الأطراف العديدة في بؤرة واحدة متوهجة‏.‏ تبتكر ما يمكن أن نسميه حكاية الواقع العلمي في روايتها الجديدة الصادرة بعنوان بذور الشيطان‏,‏ إذ تمسك بالجذر البحثي الضارب في أعماق نظريات العلم المعاصر‏,‏ لتستخلص نتائجه المنظورة في تهديد منظومات القيم الإنسانية وتشويه تناغمها‏,‏ وذلك عبر عدد من النماذج البشرية التي تكونها بمهارة فائقة‏.‏ ابتداء من الراوي الذي يقدم نفسه في السطور الأولي قائلا‏:‏ أنا‏-‏ من ينقل إليكم أحداث هذه الرواية أمريكي‏..‏ نعم أمريكي الجنسية والإمكانية الحضارية‏..‏ لكنني من أصل آسيوي‏,‏ وملامحي تدل علي ذلك‏..‏ فجدي المباشر هو الذي هاجر إلي أمريكا‏,‏ وعمل والدي في إحدي المزارع الشاسعة في كاليفورنيا كمشرف عام علي العمال‏,‏ وخاصة أثناء حصاد الحبوب‏,‏ ونال ثقة مخدومه إلي أبعد الحدود‏.‏ أما صاحب المزرعة فهو الذي رعاني وأنفق علي تعليمي في أرقي الجامعات باختصاص نادر هو
مزيج من علوم النبات أو تخصيب النبات وعلوم أخري‏.‏ وعندما توفي والدي وجدت نفسي وحيدا إلا من الرجل الشامخ صاحب المزرعة‏..‏ وقد أوكل إلي عملا فيها يقرب من اختصاصي‏.‏

نلاحظ في هذا التقديم البسيط والمباشر للراوي أن الكاتبة تفيد كثيرا من تجربتها في كتابة أدب الأطفال‏,‏ فالأسلوب سهل مفعم بالمعلومات الضرورية عن الراوي المهجن الهندي الأصل‏,‏ المهيأ لمهمته المستقبلية في مباشرة الأبحاث التطبيقية في الزراعة‏,‏ فهو بالفعل أمريكي بإمكاناته الحضارية‏,‏ لكن روحه المنقوعة في تراث سلالته تمنحه حسا أخلاقيا يقظا يفتقده البيض الذين أبادوا الهنود الحمر بدم بارد‏,‏ لكن الطريف أن الكاتبة لا تتردد في اختيار راويها رجلا يعبر عن منظور القص‏,‏ مما يجعل نماذجها النسائية هامشية لا دور لها إلا في المواقف الحرجة التي تعني منعطفا وجدانيا بالغ الحساسية في سير الرواية ومصير أحداثها‏.‏ فالمؤلفة ليست مهمومة بالقضايا النسوية ولا أسيرة لعوالمها‏,‏ بل هي فزعة من إطلاق سراح شياطين العصر التي تجثم علي قلب راويها‏,‏ في شكل نبوءات مستسرة يراها في الأحلام أولا‏,‏ وكأن حدسه الشرقي الملهم يدرك ما تحمله أجنة الحاضر من أخطار يستشعر قرونها المدببة‏.‏ فراعيه السيد جو ينتدبه لمهمة غامضة لإجراء بعض التجارب في وديان أفغانستان الشرسة‏.‏ وتحاول ابنته مريام أن تسر إليه بشيء قد يمنعه من القيام بالرحلة لكنه لا ينتبه لتحذيرها ا
لمكتوم ويمضي جوا إلي العاصمة كابول حيث يستقل القطار إلي إقليم قندهار‏,‏ لكن أحلامه لم تكن بالجنان ولا وعود الخصب والنماء بل كانت كوابيس رهيبة‏,‏ رأيت فيها أفاعي وقردة وأشخاصا ممسوخين بثياب عجيبة‏.‏

ومن الواضح أن لعبة العقل الباطن التي يصورها الباحث المخدوع في هيئة كوابيس شيطانية شديدة الاتساق مع حسه الإنساني‏,‏ وهو يشارك في تجربة لا تلبث أن تتكشف عن كارثة‏,‏ لكن براعة الكاتبة تتمثل في تصميم موقفه بحيث لا يدرك من أمر هذه التجربة إلا بالقدر الذي سيكشفه بنفسه ويحدد طبقا له طبيعة رد فعله تجاهه‏.‏

نماذج حضارية
يتعرف فرانك‏-‏ وهذا هو اسم الراوي‏-‏ في القطار ذاته علي نموذج عجيب‏,‏ لشخص أفغاني يسمي موهاد‏-‏ وهو تحريف غربي لاسم محمد‏,‏ فيتوجس منه شرا في البداية ثم لا تلبث الأحداث أن تجعله دليله وهاديه‏,‏ إذ يصل إلي القرية ويستقبله الفريق العلمي الذي أعد الأرض وجهز المحاليل‏,‏ دون أن يطلعوه علي أسرار التجربة ولا غايتها النهائية‏.‏ ثم لا يلبث أن يثير اهتمام فتاة من أهل القرية‏,‏ يغريها موهاد بالسعي إليه وإعادته في أمور عيشه‏,‏ كان اسمها آيشه‏-‏ المحرف بدوره عن عائشة‏.‏ يحترم فرانك جمالها ونبلها ويستشعر عطفا قويا تجاه أهلها‏,‏ لكنه يفجع عندما يطلع صدفة علي أحد التقارير العلمية التي خبأها الفريق المتعاون معه‏.‏ والذي كان يعمل لحساب مؤسسة أمريكية كبري بالتعاون مع سيده‏.‏ فأقصي ما كان يعرفه عن البذور التي يجربونها أنها مخصبة وراثيا‏,‏ تنتج أضعاف المحصول دون أن تصلح لإعادة الاستزراع مرة أخري‏.‏ ومع ما يضمره ذلك من خديعة للأهالي فقد كان يبشرهم بالخيرات‏.‏ لكن صاحبنا يفاجأ في التقرير السري بعبارات طبعت بحروف غليظة قاتمة اللون تقول‏:‏ بفضل تقنية انتحار النبات هذه أو قتله لأجنته التي في داخله سوف يقع أمن العالم الغذائي في أيدينا‏,‏ هذه التقنية الجديدة تستوجب إجراء تجارب علي البشر‏,‏ وبالتأكيد لن يكون هؤلاء البشر في بلادنا‏..‏ إن أبحاثنا تنفرد بإبداعات ثورة البيونكنولوجيا الجديدة والمتطورة‏,‏ لقد تمكنا أخيرا من إدخال جينات من الخارج إلي المادة الوراثية للكائن الحي‏,‏ حتي أصبح بمقدورنا إدخال جينات بشرية وحيوانية إلي النبات‏,‏ ولم يبق سوي أن نري تأثير هذا علي البشر‏..‏ في أماكن بعيدة عنا‏.‏

وعندما تبدأ سموم هذه البذور في إثمار نتائجها المأساوية يكتشف فرانك مزيدا من المعلومات عن التجربة وأخطارها والخداع الذي تمارسه المؤسسات الكبري بدعوي أن تعديل البذور والخضراوات يتيح الفرصة لإنتاج لقاحات لبعض الأمراض المستعصية‏,‏ والثمار هي الموز الجيني والتبغ المضاد للتسوس‏,‏ والطماطم المضادة لداء الكلب والأرز المضاد للعمي‏,‏ وثمار أخري يقطفها سكان العالم الثالث والدول النامية‏.‏

عندئذ يتضح لفرانك أن واجبه الأخلاقي يحتم عليه إتلاف هذه المزروعات الملوثة والتي بدأت تطل من الأرض برؤوسها المشابهة لأعضاء البشر من أيد وألسنة وعيون‏,‏ ساعده موهاد في إتمام المهمة الصعبة طوال الليل‏,‏ واتخذ فرانك قراره بعد تردد طويل بالاقتران بعائشة بعد أن تأهب نفسيا وقرأ ما تيسر له من ترجمة القرآن إلي الإنجليزية التي أهدتها له فتوثق شعوره بالانتماء إلي هذا العالم النبيل وانتصر لنموذجه الحضاري الأصيل وإذا كانت الكاتبة أمينة في الكشف عن رسالة روايتها بهذا الوضوح الطفولي الجميل في النهاية السعيدة‏,‏ فإن ما تثيره من إشكاليات خاصة بأخلاقيات العلم يعد مجالا حيويا محدثا لم يتطرق إليه الروائيون المحترفون العرب من قبل‏,‏ مما يجعل بذور الشيطان إيذانا ببزوغ هذا النوع الجديد من التخيل العلمي للواقع الذي يحيط بنا من كل جانب‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~