لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  طب وعلوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

الكتاب

44007‏السنة 131-العدد2007يونيو2‏16 من جمادى الاولى 1428 هـالسبت

هو وهي
عـميد العـلـم
علي مصطفي مشرفة
بقلم‏:‏ سناء البيسي

أنا كنت فاكرة إن مصطفي هو علي‏,‏ وإن العالم المصري نظير أينشتاين هو في نفس الوقت الأديب صاحب الرواية الخالدة قنطرة الذي كفر‏..‏ وقعدت أفتي وقعدت أحكي عن السر الدفين في زواج العلم والأدب‏,‏ وصعدت الحكاية للعلالي بوحدة المعرفة الإنسانية‏,‏ وأن الأديب الذي لا يمتلك منهجا علميا في كتاباته لا يمكن التفريق بينه وبين كاتب العرائض علي باب المحكمة‏,‏ وأن العقل الإنساني الذي ابتكر العلم قد ابتكر الأدب‏,‏ وهو عقل واحد في جوهره لو أصيب بأي انفصام أو انفصال فقل علي العالم السلام‏,‏

وأن صيحة أرشيمدس وجدتها كانت العاطفة في قمتها وقد تجسدت في الانتصار العلمي الذي اكتشفه‏..‏ نهايته قعدت أقول واعمل المستحيل لأضع العلم والأدب في سلة واحدة من أجل عيون مشرفة‏,‏ لأني كنت فاكرة إن مصطفي هو علي وإن علي هو مصطفي‏,‏ وفضلت زمنا أخلط الأوراق وأعك في السيرة المشرفة‏..‏ وأضرب أمثالا وأدلل علي قولي بالدكتور يوسف إدريس ملك القصة والدكتور مصطفي محمود الفيلسوف والدكتور سعيد عبده ناسج الموال والدكتور إبراهيم ناجي من زاحم الشعراء لتغني له أم كلثوم قصيدته الأطلال‏

ويأتي من بعدهم الدكتور أحمد هيكل لينادي بتضييق المساحة ما بين الاثنين فيما يسمي تأديب العلم أو تعليم الأدب‏,‏ وكان ابن خلدون في زمانه المبكر قد أدرك الروح العلمية في الإبداع الأدبي لدرجة أنه أسماه علم الأدب‏,‏ ومن قبلها نجد في ألفية العالم ابن سينا شعره القائل‏:‏

والشعراء أمراء الألسن كما الأطباء ملوك البدن
وربما يعود هذا الالتباس حول علي ومصطفي الذي وقع فيه الكثيرون مثلي إلي أن الوالد الشيخ مصطفي عطية مشرفة قد أطلق علي ابنه البكري ــ عالمنا الجليل ــ اسم علي فأصبح علي مصطفي مشرفة‏,‏ وعندما أنجب آخر العنقود من بعد علي وفوزية وعطية وحسن أسماه مصطفي ليغدو مصطفي مصطفي مشرفة ليختصر الاسم إلي مصطفي مشرفة فقط‏,‏ وقد رسخ في الأذهان هذا الالتباس بين الشقيقين لأن شهرة العالم علي وتفوقه الفذ عالميا ومحليا قد تضاءل إلي جوارها ذكر الأديب مصطفي الذي شحت المعلومات عنه مع عزوفه عن الأضواء وإقامته لفترات طويلة خارج البلاد‏

إضافة إلي إصابته بنوع من الالتهاب المفصلي في مقتبل حياته مما جعل حركته تتيبس بالتدريج إلي درجة لم يعد معها قادرا علي الحركة فبقي مصطفي بلا سيرة وتاريخه بلا تاريخ‏,‏ خاصة أنه قد سكت عن أهم منطقة في حياته التي انضم فيها إلي التنظيم السري لثورة سنة‏1919‏ واشترك في أعمال فدائية موجهة إلي جيش الاحتلال الإنجليزي لم يفصح عنها إلا في عام‏1957‏ لصديقه القريب الكاتب محمد عودة‏:‏ كنت في التنظيم السري وكان رئيس التنظيم هو سعد زغلول وكنا نتدرب علي استعمال أنواع الأسلحة في الغابات المتحجرة في منطقة المقطم

وكان لابد لكل منا أن يحافظ علي سلاحه وإلا فمن فقد سلاحه لابد أن يقتل‏,‏ وكانت الثورة الشعبية علي أشدها وقتها حينما حاول الإنجليز أن يفصلوا بين الأقباط والمسلمين لإيجاد فتنة داخلية تعرقل الثورة‏,‏ ولما كانت شبرا تضم غالبية من الأقباط فقد وقف الإنجليز عند كوبري شبرا ليمنعوا اختلاط أهالي شبرا ببقية المواطنين‏,‏ وجاء الأمر من التنظيم إلي أنا وأبو دومة لنقتل حراس الكوبري وفتحنا الحصار علي مجاميع المسلمين والأقباط وعندما انطلق الناس إلي بعضهم عرجنا أنا وأبو دومة علي قهوة البوسفور في باب الحديد لنلعب الطاولة‏..‏

لقد أمرنا التنظيم في هذه الأيام أن نملأ سجن قرميدان بالناس وفعلا ملأناه بالناس وكنت واحدا منهم ــ وقتها كان علي يدرس في جامعة لندن للحصول علي البكالوريوس في الرياضة التي تتطلب شهادتها أربع سنوات اختصرها إلي ثلاث مع مرتبة الشرف‏,‏ وعند قيام الثورة شعر بحرج موقفه وهو في بلد أعدائه الإنجليز فكتب يستشير أخاه مصطفي في العودة فأشار عليه بالبقاء‏,‏ وعندما علم علي بسجن مصطفي كتب من لندن خطابا يفخر فيه بالأخ الذي أدي ضريبة الوطن نيابة عن أسرة مشرفة ــ وقد كتب مصطفي روايته الفريدة بالعامية قنطرة الذي كفر حول موضوع عاش في وجدانه ثلاثين عاما عن ثورة‏1919

حيث لم يضع الثورة عن عمد هندسي داخل الرواية وإنما كتب عن وقعها علي نفوس السكان في المنطقة الشعبية المسماة تحت الربع‏,‏ وقنطرة فيها لم يكفر وإنما كان هناك منفذ أو وصلة نابعة من درب الجماميز اسمها قنطرة كفاريللي وهو اسم عالم كيمياء صاحب الحملة الفرنسية فقلبها الناس إلي قنطرة اللي كفر ثم إلي قنطرة الذي كفر‏,‏ وحيث إن أحد أبطال الرواية اسمه الشيخ عبدالسلام قنطرة‏,‏ فقد جاء الاسم من هنا‏,‏ وجاء ليضيف بعدا سحيقا إلي الرجل باعتباره قنطرة فعلا وقنطرة الذي كفر بالثورة ليعود يؤمن بها‏..‏

ولأنه مكتوب علي جبيني أن أظل متشعتفة ما بين شقيقين اسميهما مصطفي وعلي‏,‏ من بعدما قضيت نصف عمري في مدرسة مصطفي وعلي أمين الصحفية‏,‏ فقد قررت مع الأخوين مشرفة فض الاشتباك‏..‏ وعلي أرض الحقائق التاريخية ومع من يعطيه الله طيلة العمر ممن عاصروهما جمعت تاريخا ووثائق وقطعت روحي شظايا وعدت لجمعها بجمعها فتهت ثانية ما بين الأديب مصطفي الذي قرأه يوسف إدريس فأصيب بالذهول‏,‏ والعالم علي من عاش في عهد العمالقة الذي لم يحمله أحد علي كتفه ليصعد به درجات المجد‏.‏

من درس مجانا بتفوقه لا بقرار‏.‏ من وصل إلي مكانته بعلمه لا بصداقة لصاحب نفوذ أو سلطان‏,‏ من أعطاه عمله ليرفع رأسه‏,‏ وأعطاه القوة ليصمد‏,‏ وأعطاه العزيمة ليقاوم وينتصر‏..‏ مصطفي وعلي‏..‏ البر والبحر‏,‏ وقد اخترت في يومي النزول في البحر‏.‏

علي‏..‏ في يوم‏11‏ من يوليو‏1898‏ لم يكن أحد يظن أن الطفل الذي ولد في حي المظلوم بمدينة دمياط سيكون علي مدي ربع قرن أحد النوابغ في علم الرياضة البحتة في العالم وأنه سيحتل مكانته بين كبار علماء الذرة‏..‏ لم يكن أحد يعلم أن الطفل الصامت بعيونه الثاقبتين ووجهه الذي لا يعبر عن شيء سيأتيه يوما يقول فيه إن الدكتوراه أعظم من الباشاوية التي خلعها عليه فاروق‏,‏ ولم يذهب إلي السراي ليقدم الشكر علي الإنعام الكريم من المليك المفدي‏.‏

لم يكن أحد يعلم أن أينشتاين سيقول عنه يوما‏:‏ هذا العالم الفذ لابد أن ترعاه مصر كما ترعي أهراماتها‏..‏ لم يكن أحد يعلم أنه سيقول للمندوب السامي البريطاني اللورد كليرن في مقر السفارة البريطانية عندما سأله مستفزا‏:‏ أحقا يا دكتور مشرفة أن أغلبية الشعب المصري تكرهنا؟ فرد عليه الدكتور مشرفة بحزم‏:‏ وهل هي الأغلبية فقط؟‏!‏ وماذا عن الأقلية أيضا‏!!..‏

علي‏..‏ كان والده مصطفي عطية أحمد جعفر مشرفة أزهريا ثريا اشتغل بالمحاماة عامين ثم تفرغ لأعماله يتيه بين أملاكه الزراعية‏200‏ فدان مرتديا عمامة ضخمة يقلد فيها عمامة جمال الدين الأفغاني‏..‏ أب صعب المراس يحكم العقل في كثير من شئون الدين في وقت أغلق الناس فيه باب الاجتهاد‏,‏ ويوافق صديقه الإمام محمد عبده علي أخذ أرباح دفاتر البريد فيرمي بالإلحاد كما رمي الإمام في الجرائد الهزلية كجريدة حمارة منيتي‏,‏ وتأتي أزمة القطن الشهيرة عام‏1907‏ فتصيب الأب في مقتل معنوي ليموت بعدها كمدا عام‏1910‏ بينما علي لم يزل في العاشرة يستعد لنيل الشهادة الابتدائية مع ناظر مدرسته فيرسب الناظر ويأتي ترتيب علي الأول علي القطر‏,‏ وتكون الأم رئيفة بنت أوجا بك قد انفصلت عن الأب العنيف وتزوجت من غيره قبل موته فيغدو الصغير وهو لم يبلغ العاشرة رب أسرة موردها‏4‏ جنيهات في الشهر من أملاك صغيرة للأم‏,‏ وينتقل الصغار لحارة محوبك في عابدين تحت رعاية الجدة فاطمة الحزبية‏..‏ وتنفصل الأم ثانية لتعود لأبنائها وتموت وقت امتحان علي في البكالوريا‏,‏ وهنا يأتي ترتيبه الثاني من الحزن علي أمه الحبيبة وليس الأول كالعهد به في القطر كله‏.‏

في الجو الغريب المشحون بالمتناقضات نشأ علي بين أب عنيد وآراء دينية جريئة وأم حنون وخلاف بين الأب والأم فكلاهما علي طرفي نقيض‏,‏ وزمجرة من الفلاحين تجاه الآراء الدينية المتحررة‏,‏ وصراع وعناد وثراء يتبدد في لحظة‏,‏ وأحداث جسام تهز عقل الصغير فيجري إلي شاطئ دمياط ينظر في الماء ساعات ليغسل الموج والنسيم اضطرابه ويعود لينكب فوق كتاب يغرق فيه إلي أذنيه ويرقب من بعيد صامتا لا يتكلم‏..‏ ويروح علي ويغيب علي ويتغرب علي وينجح علي وينجز علي ويبقي السؤال العويص ينهش الأعماق بلا جواب فيرسل سؤاله في خطاب طويل في‏14‏ أبريل‏1918‏ أثناء دراسته في كلية نوتنجهام لصديق الوالد السيد عبدالرحمن رضوان‏..‏ جاء في بعضه‏:‏

...‏ هذا الخطاب رأيت أن لابد من أن أخطه إليك وقد حان أن أخطه‏..‏ أكتب إليك مستحلفا إياك بالله العظيم ألا شفيت غلتي فأجبت علي ما سأسألك عليه من أمـر والدي‏..‏ أريد أن أعرف آراء والدي الدينية كيف استنبطها وعلام بناها وأريد أن أعرف ذلك مسهبا فيه مفصلا وهل كان والدي منتسبا إلي جمعية الـ فريما سونس‏FREEmasons‏ ولم ترك والدي الصلاة والصيام في أواخر عهده بالدنيا؟ أريد أن أعرف تاريخ والدي باختصار بحيث تذكر لي كل ما له ارتباط بمعتقداته الدينية‏,‏

وسمعت أنه كان قد سافر إلي الشام وإلي القسطنطينية في أيام دولة السلطان عبدالحميد غفر الله له وأن رحلته هذه كان لها شأن كبير في معتقداته الدينية فما حقيقة ذلك وما تفصيله؟ وأنا أعرف أن عندك الخبر اليقين وأنا أعرف أن ذلك ربما كلفك عناء قد تستثقله أو ألما للذكري قد لا تحبه ولكن في إنجلترا روحا هي ابن صاحبك لاتزال حديثة عهد بالدنيا تتوق لتطلع علي ما كسبته روح والدها من حياة حوالي الخمسين سنة علي الأرض وما تعلمته من دنيانا‏..‏ وأناشدك الله والعهد يا سيد عبدالرحمن إلا أن تكون صريحا في تبيان كل أمر لي وإن كلفك ذلك أن تذاكر بعض أصحاب والدي ممن قد تحفظ ذاكرتهم وما لا تحفظ ذاكرتك فتفيدني بخبرتهم زيادة علي خبرتك وإذا خططت لي الرد فاحفظ منه نسخة عندك أصلية حتي إذا غرقت نسختي في الطريق لا قدر الله كان عندك ما تستنسخ منه أخري‏..‏ بارك الله لك في نفسك وذريتك‏.‏ ولدكم المخلص‏.‏ علي مصطفي مشرفة‏..‏

علي‏..‏ باقة الحس المرهف من استقرأ الكون والفضاء وعلوم الأرض وانقسام الذرة والفلسفة وانحنت له جامعات الأرض وتفجرت من عبقريته النظريات وتوالت الأبحاث‏,‏ ورأس في انجلترا بإنجليزيته الضارية جمعية المناقشات‏,‏ وأجاد لغة الضاد والأرقام والأفلاك وحفظ القرآن ومقام الإنسان في الكون‏,‏ وتسامي لتسكنه الموسيقي‏,‏ وشف ليقرأ الشعر ويحفظه ويرسله‏..‏ العالم الموسوعي التي بلغت أبحاثه مائتي بحث كانت تؤهله حتما لجائزة نوبل‏,‏ لكن الأحقاد أعاقته حتي عن الوصول في النهاية للعلاج من المرض‏..‏ علي‏..‏ ظلت المرأة في خاطره وباله وإن همشها طويلا وكثيرا في الزاوية‏..‏ في عام‏1936‏ كتب فيها أنشودته من هي سيلفيا؟ محاكيا مقطوعة لشكسبير من أغاني شوبرت الخالدة قال فيها‏:‏

من هي سيلفيا‏,‏ ماذا هي‏,‏
التي جمعت قبسا من الحسن والتورية
من أسبغ الله عليها مكنون العشق بين الوري

لكن رحمتها لم تكن كملاحتها
من لجأ الحب الأعمي إلي عينيها
يلتمس معونة

فلم يجد عونا ولا سكنا
فهام يترنم باسم سيلفيا فائقة الحسن
من ليس لها فوق الثري سابقة

علي مشرفة من استعصت المرأة علي فهمه وسط خضم اهتماماته بالعلم يقع في حب ماري ديفي ليكتب عن مشهد اللقاء الساخن بينهما في يوميات دونها خلال عام‏1918‏ في لندن وحققها أقدر الباحثين في عالم مشرفة الدكتور محمد الجوادي‏:‏
قابلت مس ديفي في تمام السابعة والنصف علي موعد مسبق فقلت لها‏:‏ أين تشائين الذهاب؟ قالت‏:‏ حيث شئت يا علي‏,‏ وإن كنت أفضل التمشي‏,‏ وكانت ليلة نجومها طالعة فتمشينا الهويني في جهة مابرلي ويدي حول جسمها ويدها حولي‏,‏ فقلت لها‏:‏ غني لي يا ماري‏,‏ فجعلت تغني وتغني وأنا منصت سابح مع النغم‏,‏ وسألتني فجأة عن أختي نفيسة فقلت لها‏:‏ هي متزوجة الآن وحكيت لها كيف أني قبل قدومي في البعثة لإنجلترا قد تركت إخوتي الذين أرعاهم بعد وفاة أبي وأمي منذ أن كنت في الثالثة عشرة في مدارس داخلية‏..‏ ثم وقفنا أنا وماري تحت شجرة باسقة فضممتها ناحيتي بين ذراعي وتعانقنا‏..‏

قالت لي‏:‏ ألن تقبلني؟‏!‏
قلت‏:‏ حتي تقبليني‏.‏

قالت‏:‏ كلا‏.‏
قلت‏:‏ أما تميلين إلي يا ماري؟

قالت‏:‏ وهل تميل أنت لي؟
قلت‏:‏ نعم‏.‏

قالت‏:‏ ولكن لا جدوي من أن يميل أحدنا إلي الآخر‏.‏
قلت‏:‏ لم؟

قالت‏:‏ لأننا لن نتزوج‏.‏
قلت‏:‏ إني لك‏.‏

قالت‏:‏ نحن مختلفان‏.‏
قلت‏:‏ لا تعلمين الغيب

قالت‏:‏ وأنا أحبك‏..‏ وصمتت صمتا غريبا‏.‏
فسألتها وألححت في السؤال‏:‏ لم صمتك والموقف لا يحتمل؟

قالت‏:youareNotEnglish‏ لست إنجليزيا‏.‏
قلت‏:‏ بالطبع لا‏.‏

قالت‏:‏ لو كنت إنجليزيا لما فاتحتني بشأن الحب إلا رغبة في زواج‏.‏
قلت‏:‏ بالطبع لا‏.‏

قالت مرة أخري‏:‏ لو كنت إنجليزيا لما فاتحتني في حب إلا رغبة في الزواج بي‏..‏
قلت‏:‏ لا أفهم في عوائدكم فعذرا‏.‏

وعدت أقول لها‏:‏ يا ماري لقد أخبرتك بما يعالج ضميري دون تقيد بعوائد أو بواجب مجتمعكم‏..‏ قلت لها وهي ترفع عينيها الجميلتين نحوي‏:‏ ولكني مع ذلك قوي الإرادة إلي حد بعيد‏.‏

قالت ماري ديفي‏:‏ فليكن ما بيننا صداقة فقط‏.‏
قلت‏:‏ لك ما تشائين‏.‏
وسألتها‏:‏ هل كان لحديث الليلة أثر سيئ علي صداقتنا؟

قالت‏:‏ لقد وضحت الحقيقة وتبين الأمر‏.‏
قلت‏:‏ نعم‏.‏

وفي عرض الحديث سألتني‏:‏ هل يوافق صديقك الغمراوي علي أن تكون معي علي ما نحن الآن عليه؟
قلت‏:‏ وهل نأتي شيئا‏notdecent‏ أي نتصرف تصرفا غير لائق؟

قالت‏:‏ كلا ولكني أظن أنكم لا تفكرون مثلنا أي لا تفكرون بطريقتنا‏,‏ فالاختلاف شاسع بين الشرق والغرب‏.‏
وقالت‏:‏ لعلنا لا نبحث في هذا الموضوع مرة أخري‏..‏ وذهبت معها إلي أمام منزلها فجرت إليه بعد أن تعانقنا‏...‏

ويلتقي بها الآنسة دولت ابنة حسن باشا زايد صاحبة الصون والعفاف التي لا تخرج من بيتها إلا في صحبة والدتها‏,‏ فيعجب ويتقدم ويعقد قرانه عليها في‏3‏ يناير‏1932,‏ وبمجرد زواجها منه انطلقا يطرقان معا أبواب العالم الواسع بعد أن عرفها علي جميع أصدقائه‏,‏ وسافرا علي أجنحة السعادة لشهر العسل في أوروبا‏,‏ حيث كانت ليلة الدخلة علي متن الباخرة‏,‏ ووسط العسل صادف وجود مؤتمر في زيورخ لبحث علاقة العلوم الرياضية وتطبيقاتها في الميكانيكا والفلك والإحصاء والطيران والتليفون والتلغراف السلكي واللاسلكي‏

فقام العريس بقطع موارد العسل العاطفي للغرق في صواميل الميكانيكا والأجهزة‏..‏ وتروي الزوجة للدكتور عطية شقيق زوجها إنه لما كانا في باريز لاحظت أنه يتباعد عنها ليحضر أوراقه لإلقاء محاضرة مهمة في الرياضيات العالمية‏,‏ ولما شعر بمتابعتها العاتبة قال معتذرا‏:‏ المزاحم الوحيد لك في حياتي هو‏(‏ عملي‏)‏ لأني أنسي كل شيء إلا هو‏,‏ وآسف ومعذرة أن أقول حتي أنت‏..‏ وما كان يحدث فعلا أنها كانت تذكره بوقت الغداء والعشاء ليتناولهما معها شاردا‏..‏ ويسألها عطية‏:‏ وكيف كان أخي يمضي فراغه؟

فأجابته دولت‏:‏ كنا نذهب إلي السينما أو لزيارة أحد أصدقائه أو أقربائه بدعوة مسبقة‏,‏ أما انكبابه الفعلي علي عمله فلا يحدث إلا ليلا‏,‏ وقد يستمر فيه حتي الفجر أحيانا‏,‏ وكان نظامه أن يعمل ما لا يقل عن ثلاثة أرباع اليوم‏,‏ وكثيرا ما كان يكتفي من النوم بثلاث ساعات‏.‏ ساعة في العصر ما بين الرابعة والخامسة يقوم بعدها ليتناول الشاي مع الأسرة‏,‏ وساعتين بعد الفجر من الخامسة إلي السابعة‏,‏ أو من السادسة للثامنة صباحا‏,‏ وكنت ألاحظ أنه كثيرا ما كان يذهب للبيانو ليعزف عليه من وقت لآخر ليريح نفسه من استمرار العمل المرهق‏

وكان في عزفه يهيم مع ألحان بيتهوفن وفاجنر وشوبرت ومندلسون‏,‏ وألحان من الموسيقي الشرقية القديمة التي دفعته إلي البحث عن السلم الموسيقي المصري وإلي بيانو عربي تكون مفاتيحه هي نفس المفاتيح الأفرنجية مضافا إليها‏12‏ مفتاحا‏..‏ وكان يقيم بمنزلنا حفلات شاي يتبعها عشاء لبعض الأصدقاء يومي عشرة وعشرين من كل شهر ويقول لي‏:‏ إن هذه الدعوة نعملها للطلبة قبل الأساتذة فاهتمي بهم يا دولت قبلهم‏,‏ وكان يقوم بنفسه بخدمتهم‏!..‏ولا أنسي فرحته يوم استطاع إقناع مجلس الجامعة بقبول الطلبة والطالبات من البلاد العربية والشرقية‏,‏

وكان غضبه شديدا من سكرتيره إذا منع أي طالب من الدخول إلي مكتبه لعرض مشكلته مهما تكن‏..‏ أما هواياته إلي جانب الموسيقي فكانت التنس والجولف والكروكيه وتعلم قيادة السيارات التي مارسها في سنوات البعثة الأولي عندما عاش مع عائلة مثقفة في إحدي ضواحي مقاطعة ديفنشر عمادها سيدتان كانتا في سن والدته كما قال لي همامسز هوسيل ومس ليثبردج التي روت عنه فيما بعد‏:‏ لقد مكث مستر علي عامه الأول معنا يتصرف كرجل في الخمسين وهو الذي لم يكن قد بلغ العشرين‏,‏

بعدها أقلع عن ذلك الوقار والاعتكاف وانصرف إلي الموسيقي والتنس وركوب الدراجات وقيادة السيارة وزرع الزهور في حديقة المنزل ورعايتها‏,‏ وأجاد العزف علي البيانو والكمان‏,‏ وفي إحدي المرات التي كان فيها بصحبتي في إحدي الحفلات الموسيقية في لندن وفي أثناء العزف وقد ساد السكون إلا من النغم المنساب انطلقت فجأة من وسط الصالة صرخة استنكار‏..‏ كانت صادرة من المقعد الذي يجاورني‏.‏ صادرة من مستر علي‏,‏ ودهش الحاضرون لهذا التصرف من المصري الأسمر‏,‏ ولكن دهشتهم زالت لتصرف المايسترو الذي ما أن انتهت المقطوعة حتي نزل من فوق المسرح متوجها إليه ثم انحني أمامه وصافحه شاكرا‏,‏ فقد كان هناك خطأ في الأداء هو الذي دفع‏(‏ علي‏)‏ إلي هذه الصرخة‏...‏

وتضيف دولت هانم أن حب الفقيد لأولاده لم يكن له نظير‏,‏ فقد كان يقوم بنفسه بحمام ابنه مصطفي وإعداد ملابسه رغم وجود المربية الأجنبية‏,‏ وانسكبت دموعه سطورا لا تقف عندما مات الابن منير وعمره تسعة أشهر‏,‏ ولما رآني قد لمحته أسرع يخفي دموعه قائلا‏:‏ إنها وديعة ردت لصاحبها‏,‏ وأذكر وقتها ذهابه إلي شقيقته نفيسة التي كان قد أنكر عليها حزنها البالغ علي ولد صغير مات لها فلما توفي منير بعدها بسنوات وشعر بآلام الفراق أسرع لنفيسة يعتذر لها من قوله الذي لم يرد به يومها إلا التخفيف عنها‏..‏ وكان يدلل نادية ويراقب رسومها‏,‏ أما سلوي آخرالعنقود فكان يقول لي عقب عودته من سويسرا في‏24‏ يوليه‏1947‏ يوم مولدها مسكينة هذه البنت مش حالحق أربيها‏,‏ ومن هنا كان يصحبها معه في كل مكان ولا يتناول طعامه إلا وهي جالسة أمامه‏.‏

الدكتورة سلوي آخر العنقود لا تظن أو تعتقد أن وفاة والدها في سن الثانية والخمسين دون معاناة من مرض عضال اللهم إلا شكواه من الأعصاب والكبد وضغط الدم كان وراءها أيد صهيونية خشيت أن ينجح العالم المصري في صناعة القنبلة الذري‏..‏ هذا رغم وجود تلميذته الدكتورة سميرة موسي التي لقيت مصرعها في الولايات المتحدة بعد وفاته بأقل من ثلاث سنوات‏,‏ ولا صحة في رأيها للشائعة التي سرت من أن الملك فاروق كان وراء موت أبيها علي مشرفة بالسم‏..‏ لقد تناول الشاي في غرفته استعدادا لارتداء الملابس الرسمية للذهاب لحفل افتتاح البرلمان وبعدها رن جرسه الطويل لعله كان يحثنا به علي سرعة الحضور لإنقاذه لكنه كان في غيبوبة النهاية‏.‏

ويقف طه حسين في صالة جامعة فؤاد الأول يقول عن حديثه معه قبل الرحيل بساعات‏:‏ كان صوتك ضعيفا‏,‏ أشبه الأشياء بصوت المتحدث حين يتحرك القطار‏.‏ يتحدث من النافذة‏,‏ فيسمع إليه الواقفون‏,‏ وإن حديثه ليتناقص شيئا فشيئا‏..‏ رحل علي مشرفة وأمثاله قليلون إذا خسرهم الوطن‏,‏ فلابد من صبر طويل وانتظار مرير متصل‏..‏ مات مشرفة لأنه اشتعل وتوهج أكثر مما يجب فاستنفذ ما في مصباحه من زيت‏!‏

مات علي مشرفة مع مصحفه الذي لازمه طوال حياته‏.‏ وقبل انتهاء مهلة الإنذار التي لا تتعدي أربعة أشهر فقط بهدم مقبرته بالبلدوزر عام‏1988‏ لإنشاء طريق الأوتوستراد سارع الدكتور عبدالعزيز كامل وزير الأوقاف بنقل الرفات إلي حديقة مقبرة الخديوي توفيق‏,‏ ليرحب الحفيد الأمير محمد عبدالمنعم بالجوار المشرف‏,‏ ويعتذر لعدم حضوره ليشارك في حمل الجثمان بنفسه كي ينقله بيده إلي مقبرة جده الخديوي توفيق‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~