لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  طب وعلوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

ملفات الأهرام

43984‏السنة 131-العدد2007مايو10‏23 من ربيع الآخر 1428 هـالخميس

ديوان الحياة المعاصرة
شـــــــــــــــيخ العــــرب‏..‏
بقلم : د يونان لبيب رزق

الحلقة‏682‏
انتهت سياسات الحكومة المركزية في القاهرة التي استغرقت طوال القرن التاسع عشر بـ‏'‏ إقرار‏'‏ أبناء القبائل البدوية القاطنة علي هوامش الوادي والدلتا بالنجاح في هذه المهمة الصعبة‏,‏ الأمر الذي تحول معه شيوخ هذه القبائل إلي مواطنين يشاركون في العمل العام‏,‏ خاصة بعد أن تملكوا مساحات واسعة من الأراضي الزراعية‏,‏ وانخرطوا في سلك الطبقة التي قادت الحركة السياسية‏..‏ طبقة كبار الملاك‏.‏

وقد تعددت نماذج هؤلاء‏;‏ لملوم السعدي رئيس قبيلة الفوايد في مغاغة‏,‏ حمد الباسل عمدة قبيلة الرماح في الفيوم‏,‏ الأباظية في الشرقية‏,‏ وغيرهم‏,‏ وكان هؤلاء في طليعة مؤسسي الأحزاب‏;‏ الوفد والوطني والأحرار الدستوريين‏,‏ بيد أنهم لم يتمتعوا بما تمتع به أقرانهم من الزعماء المدنيين للعمل السياسي من شهرة‏,‏ بمن فيهم سعادة حمد الباسل باشا وكيل الوفد‏,‏ والذي تفرد بالحصول علي لقب الباشوية من كل من كان له الحق في منحه‏;‏ السلطان العثماني في استنبول‏,‏ والسلطان حسين كامل في القاهرة‏,‏ ورغم ذك بقي‏'‏ شيخ عرب‏',‏ الأمر الذي يدفعنا إلي تخصيص حلقة من الديوان لهذا الزعيم المصري ذي الأصول البدوية‏.‏

ونعود في تقديم سيرته الذاتية إلي الوثائق السرية البريطانية‏-‏ كما اعتدنا‏-,‏ فهو علي حسب ما جاء في ملفه بالخارجية البريطانية من مواليد سنة‏1870‏ عمدة العرب الرمايحة‏,‏ وهم فرع من قبيلة الفوايد وواحد من أبرز زعماء الوفد في مصر‏.‏

وتستطرد الوثيقة البريطانية مؤكدة علي انتماء الرجل لطبقة كبار الملاك‏,‏ فتذكر أنه كان يملك مع شقيقه عبد الستار‏3700‏ فدان في الفيوم‏,‏ حيث مقر فرع القبيلة الذي يرأسه‏,‏ وتضيف أنه يتحدث قليلا من الفرنسية والإنجليزية‏,‏ وحريص علي ارتداء الملابس البدوية‏.‏ وقد استفاضت وثيقتنا في الحديث عن الدور السياسي منذ أن انضم إلي سعد زغلول في أحداث ثورة‏1919,‏ الأمر الذي قاده إلي المنفي في مالطة‏,‏ وإلي أن يكون أحد أعضاء الوفد في باريس‏,‏ وما تبع ذلك من دور‏,‏ وهو ما لن نتقصاه من المصدر البريطاني بحكم رؤيته المنحازة‏,‏ وإنما نستعين عليه بمذكراته التي نشرت‏,‏ وبما جاء عنه في جريدة الأهرام‏.‏

المذكرات‏-‏ إذا جاز توصيفها بذلك‏-‏ تضمنها خمس حلقات نشرتها مجلة‏'‏ الدنيا‏'‏ في ربيع عام‏1931‏ تحت عنوان‏'‏ ذكريات حمد الباسل باشا عن الحركة الوطنية‏',‏ وأول ما نكتشفه منها أن الرجل لم يظهر فجأة في الحياة السياسية مع ثورة‏1919,‏ كما تشير الوثيقة البريطانية‏,‏ وإنما كان له وجود علي الساحة قبل ذلك‏,‏ فقد حدث في صيف عام‏1914‏ أن سافر إلي تركيا‏'‏ فرارا من حر مصر وترويحا عن النفس‏.‏ وكنت مقيما في الآستانة لما زارها سمو الخديوي السابق ووقع عليه الاعتداء فيها‏,‏ فحامت حولي شبهات لأن علاقتي بالخديوي لم تكن يومئذ علي ما يرام‏'.‏

بعد العودة إلي مصر بفترة قصيرة نشبت الحرب وانضمت تركيا إلي دول الوسط وأعلنت بريطانيا الحماية علي مصر‏,‏ وبعد أن حصل علي الباشوية الثانية من سلطان مصر فوجئ بدعوة من رشدي باشا رئيس الوزراء‏,‏ الذي طلب منه التنازل عن الباشوية التي حصل عليها من السلطان العثماني‏,‏ غير أن الرجل أبي ذلك لأن أغلب الحاصلين علي هذه الرتبة من المصريين وقتذاك نالوها من نفس المصدر‏,‏ ويبدو أن سلطات الحماية كانت وراء هذا الطلب‏,‏ الأمر الذي يبدو من دعوة المستر جراهام مستشار الداخلية الإنجليزي لحمد باشا الذي قام بما يشبه الاستجواب لرجلنا‏!‏

أهم ما جاء في هذا الاستجواب كان متعلقا بعلاقة‏'‏ شيخ العرب‏'‏ بالضباط الأتراك الذين كانوا يحكمون في الآستانة بعد قيامهم بالانقلاب ضد السلطان عبد الحميد الثاني قبل ذلك بسنوات قليلة‏,‏ واعترف حمد الباسل بأن له علاقة طيبة مع كبير هؤلاء الضباط‏,‏ سبب هذه العلاقة كما جاء علي لسان الرجل أن‏'‏ والدة أنور باشا زارتني مرة في الفيوم‏,‏ وحلت علي ضيفة كريمة‏,‏ وكانت تريد اللحاق بنجلها لما كان في طرابلس الغرب‏

فنصحت لها بعدم الذهاب‏,‏ فعملت بنصيحتي وأقامت عندي أياما‏,‏ ومن هنا نشأت أواصر الصداقة بيني وبين نجلها‏,‏ فلما زرت الآستانة اجتمعت به غير مرة ولكني لم اجتمع بأحد غيره من الضباط الأتراك‏'‏ وأكد الرجل أنه رغم إعجابه بأنور باشا فهو لم يتلق منه أية تعليمات بشأن الحرب القائمة‏,‏ وانتهت المقابلة بتحذير من مستشار الداخلية الإنجليزي ألا يفعل ما قد يثير غضب السلطات العسكرية‏.‏

ويضيف حمد الباسل باشا في ذكرياته أنه كان يقضي خلال فترة الحرب سهراته عندما يكون في القاهرة في بيت سعد باشا أو دار محمد محمود باشا اللذين وصفهما بأنهما من أعضاء شلته‏,‏ وأن الأحاديث خلال تلك السهرات كانت تدور في معظم الأحيان علي مسائل الحرب وشؤون السياسة العامة‏'‏ ومصير بلادنا إذا عقد الفوز للحلفاء‏',‏ وقد توقف طويلا عند مبادئ ولسون الأربعة عشر وتأثيرها علي مستقبل مصر‏.‏

وانتهت الحرب فعلا بفوز الحلفاء وانعقد مؤتمر الصلح في باريس‏,‏ واتجهت الأنظار إلي تأليف وفد مصري للسفر إلي أوربا‏,‏ ودعا سعد إلي اجتماع يعقد في داره لاختيار أعضاء هذا الوفد‏,‏ فلبي الدعوة الذين تألف منهم الوفد الأول وكانوا من أنصار سعد باشا في الجمعية التشريعية‏,‏ وكان منهم حمد باشا بالطبع‏.‏

ويعرض صاحب المذكرات بعد ذلك للوقائع التي انتهت بالقبض علي الزعماء الأربعة‏,‏ الذين تم نفيهم إلي مالطة‏,‏ وكان منهم‏,‏ وهو يتوقف هنا عند ظروف اعتقاله شخصيا فيذكر أنه لم يكن موجودا وقت القبض علي الآخرين‏,‏ وأنه قد ذهب بنفسه إلي‏'‏ قشلاق‏'‏ قصر النيل‏,‏ حيث يوجد مقر قيادة الجيش البريطاني فتم اعتقاله مع زملائه الثلاثة حيث باتوا ونقلتهم السلطات العسكرية في اليوم التالي إلي بورسعيد وركبوا الباخرة‏'‏ كاليدونيا‏',‏ دون أن يعلموا بالجهة التي تقرر نفيهم إليها إلا بعد أن أصبحوا علي متنها‏.‏

عرض بعد ذلك لما هو معلوم من إطلاق سراح المنفيين وذهابهم إلي باريس مع بقية أعضاء الوفد وما جري فيها‏,‏ ثم ما تبع ذلك من خلاف بين سعد وعدلي علي رئاسة الوفد الذي تقرر أن يتوجه إلي لندن لمفاوضة ملنر‏,‏ والدور الذي قام به في محاولة إقناع أي من الرجلين بالتنازل للرئاسة عن الآخر‏,‏ الأمر الذي فشل فيه‏'‏ فأعلنت اشمئزازي من سير الحوادث واعتكفت في داري‏',‏ وفي تلك الفترة تأسس حزب‏'‏ الأحرار الدستوريين‏'‏ وحاول القائمون عليه ضمه لهم فجاءت إجابته‏:‏ أنه إذا كان قد حدث ما حدا بي إلي الانقطاع عن سعد باشا فهذا ليس معناه أن أرضي أن أتعاون علي هدمه‏,‏ فقد شاءت العناية الإلهية أن يكون سعد باشا رمزا للأماني القومية فمن الحرام أن نسعي للنيل منه‏'.‏

يذكر حمد الباسل بعدئذ أنه خرج عن اعتكافه السياسي بعد عودة سعد إلي البلاد‏,‏ وتطور الأحداث علي النحو المعروف التي انتهت بقرار إعادة نفي الزعيم السياسي الكبير إلي عدن فلما وصل الخبر إليه ذهب إلي‏'‏ بيت الأمة‏'‏ دون سابق إشعار‏'‏ ودخلت علي دولته في مكتبه وقلت له‏:‏ لقد انقطعت عنك لما لم تكن في حاجة إلي‏,‏ ولما لم يكن هناك خطر يحيط بك‏,‏ أما وإنهم ينذرونك الآن ويهددونك فها أنا أتقدم إليك لأضع يدي في يدك مبديا استعدادي لأن أتحمل مثلما تتحمل فلم يتمكن من حبس دموعه وعانقني وهو يردد مثلما قلت‏'.‏

بعد إعادة نفي سعد إلي سيشل تحرك‏'‏ شيخ العرب‏'‏ مع بقية أعضاء الوفد للدعوة بمقاطعة البضائع الإنجليزية فتم اعتقاله مع ستة آخرين من هؤلاء في الأسبوع الأخير من يناير عام‏1922‏ وسيقوا إلي ثكنات قصر النيل حيث حوكموا أمام مجلس عسكري أصدر حكما عليهم بالإعدام وتغريم كل خمسة آلاف جنيه‏,‏ غير أن المندوب السامي‏,‏ اللورد اللنبي‏,‏ خفف الحكم بالسجن سبع سنوات وأرسلوهم إلي سجن المنشية حيث قضوا خمسة أشهر نقلوا بعدها إلي سجن ألماظة الذي بقوا فيه حتي شهر مايو عام‏1923,‏ وأفرج عنه مع بقية المسجونين بعد عودة سعد ليحتل مكانه وكيلا للوفد وليدخل البرلمان‏.‏

***‏
الفصل الثاني غير المكتوب من حياة حمد باشا الباسل جري بعد وفاة سعد‏,‏ وبعد تولي مصطفي النحاس رئاسة الحزب الكبير‏,‏ وحدث ما حدث بعد إقالة الوزارة النحاسية الثانية‏1930‏ من تعيين إسماعيل صدقي رئيسا للوزراء وبدء العهد الذي عرف باسمه حيث أصدر دستورا علي المقاس الملكي‏,‏ وما تبع ذلك من مقاومة الحزبين الكبيرين‏,‏ الوفد والأحرار الدستوريين لهذا العهد‏.‏

وفي مناورة من مناورات رئيس الوزراء الداهية لكسر حدة هذه المقاومة قدم اقتراحا بتكوين‏'‏ وزارة قومية‏'‏يشارك فيها الحزبان مع الحزب الذي كان قد شكله وقتئذ تحت اسم‏'‏ حزب الشعب‏',‏ وهو ما لم تقبل به الزعامة النحاسية‏,‏ وإن قبلها ثمانية من أقطاب الوفد كان منهم حمد الباسل باشا‏,‏ الذين وجهوا خطابا إلي النحاس باشا كان مما جاء فيه‏'‏ قد رأينا أن وزارة قومية تؤلف من بين الرجال الموقعين علي المؤتمر الوطني الذين لا يزالون راعين للعهد الذي قطعوه علي أنفسهم للأمة ويكون برنامجها إعادة دستور‏1923‏ كاملا غير منقوص واستئناف المفاوضات مع الحكومة الإنجليزية لتحقيق الغاية التي سعي إليها الوفد الرسمي برياسة دولتكم‏1930‏ هي أقدر وزارة تستطيع الخروج بالبلاد من موقفها الحاضر‏',‏ وهو ما لم يقبله النحاس باشا مما أحدث انقساما داخل الحزب الكبير‏.‏

وقد راج حول هذه الحادثة رأيان اعتنقهما أغلب مؤرخي الحركة الوطنية‏;‏ الأول‏:‏ حين أسموه انشقاق‏'‏ السبعة ونصف‏',‏ وقد تأثروا في ذلك بالصحافة الوفدية في ذلك العصر التي خرجت لتهاجم هؤلاء والتي سخرت منهم بوصفهم‏'‏ سبعة ونصف‏'‏ علي اعتبار أن أحدهم كان قصيرا للغاية‏,‏ الثاني‏:‏ أن هذا الانشقاق كان مؤقتا فلم يؤسس هؤلاء حزبا منافسا كما فعل الأحرار الدستوريون‏,‏ خاصة بعد أن عاد أغلبهم‏,‏ علي رأسهم فخري بك عبد النور‏,‏ إلي صفوف الوفد بعدئذ‏,‏ غير أنه علي ضوء متابعة ما كتبته الأهرام عن هذه الحادثة نخرج بتصور مختلف‏.‏

طبعا لن نتوقف كثيرا عند السخرية الصحفية‏,‏ وإنما نتوقف عند توصيف الحدث‏,‏ وهل هو انشقاق أم انقسام‏,‏ والفرق كبير‏,‏ إذ بينما يري المنشقون أنهم قد خرجوا عن الوفد‏,‏ كما حدث من الأحرار‏,‏ فإن الخارجين عام‏1932‏ رأوا أنهم غير متفقين مع سياسات زعيم الوفد الثاني مصطفي النحاس‏,‏ وأنهم بحكم أكثريتهم الممثلون الحقيقيون للحزب الكبير‏.‏

نتبين ذلك من رد حمد الباسل باشا علي البيان الذي كان قد أصدره الوفد ووصف فيه هؤلاء بـ‏'‏ الخارجين من أعضائه‏',‏ والذي نشرته الأهرام في‏4‏ نوفمبر‏1932,‏ وبعد أن استعرض ظروف الاختلاف الذي حدث بين هؤلاء الأقطاب وبين النحاس باشا خلص إلي القول بأنه وزملاءه ليسوا في حاجة إلي التأكيد علي أنه‏'‏ لا يمكن بحال أن يقارن هذا الخلاف بالخلاف الذي وقع سنة‏1921.‏ وإننا نعتقد أن حفظ كرامتنا جميعا وكرامة رئيس الوفد أمر واجب‏,‏ وهو مستقر في نفوسنا ويزداد ثباتا باحترام نصوص القانون وتأييدها‏,‏ والله يوفقنا جميعا لما فيه خير البلاد‏'.‏ وهو ما لم يوافق عليه النحاس باشا الذي رد بأن الموضوع لا يحتمل الجدل والمناقشة وأن كل تردد أو مطاولة فيه لا يكون من ورائهما إلا تعويق سير قضية البلاد‏'‏ وإفساح المجال لبذر بذور الفتنة بين أعضاء كتلتنا الوطنية‏'.‏

رد الأعضاء الثمانية علي ذلك ببيان مضاد وقعه حمد باشا الباسل رأوا فيه أن النحاس باشا استمرأ الاعتداء علي قانون الوفد والنظام الذي وضعه سعد‏'‏ وها هو ذا يقدم علي اعتداء جديد هو إلغاء معني الوفد وهدم النظرية التي قام عليها‏,‏ والتي أحلته مكان التقديس في النفوس‏,‏ فبعد أن كانت عضوية الوفد تنال بالتسابق في ميدان التضحية والصولة في مجال الموت أرادها أن تنال بالسبق في رضائه‏.‏ وبعد أن كان الرئيس ينتخب من زملاء كرام أصبح هو يعين أعضاء الوفد كما يعين السيد موظفيه‏'.‏

وخلص هذا البيان إلي القول أن الموقعين عليه يضنون بالوفد‏'‏ الذي ظل في زعامة الأمة هذه السنين الطويلة أن يهبط إلي المستوي الذي يبعده من احترام المصريين وتقديسهم‏.‏ ونحتفظ بالوفد كما عرفته البلاد‏,‏ وكما أقرته في كل الانتخابات الماضية ونعلن بطلان ما يخالف ذلك من التصرفات فالوفد لا يزال قائما كما عرفته الأمة‏,‏ ونحن مقدرون للأمانة التي في أعناقنا أمناء علي ميراث زعيمنا الخالد سعد زغلول‏,‏ سنستمر في جهادنا رافعين راية المبادئ السامية التي مات عليها سعد والتي سنحيا ونموت لها وفي سبيلها والله نصير الأمناء الصادقين‏',‏ وكان معني ذلك أن هؤلاء رأوا أنهم الوفد الحقيقي وليسوا منشقين عنه‏.‏

بدا ذلك في التراشق الذي ظل يجري بين الطرفين خلال الشهور التالية‏,‏ مما كشفته البيانات المتبادلة بين النحاس باشا الذي كان يصف نفسه برئيس الوفد‏,‏ وحمد الباسل باشا الذي كان يصف نفسه بوكيل الوفد‏,‏ وكل منهم يعتبر أنه ومن معه الوفد الحقيقي‏.‏

ففي خطبة ألقاها الأول علي قبر سعد بمناسبة إعادة تشكيل الوفد وصف الأقطاب الثمانية بأنهم‏'‏ خرجوا علي إرادة الأمة وانحرفوا عن طريقها‏,‏ فلم يعودوا أهلا لحمل أعباء الوكالة عنها والعمل في صف وفدها الأمين‏',‏ وأضاف أنهم‏(‏ انشقوا‏)‏ عن الوفد وخرجوا علي مبادئه وأنه لم يجارهم في ضعفهم‏'‏ وثبتنا في مكاننا بدافع من عقيدتنا‏,‏ ومن حرصنا علي حقوق أمتنا في حدود وكالتنا‏;‏ مترسمين خطي سعد زعيمنا الخالد الذكر‏,‏ وعدم الخضوع لغير إرادة الأمة صاحبة التوكيل‏'.‏

رد حمد الباسل علي ذلك ببيان أدان فيه النحاس الذي وقف علي قبر سعد‏'‏ يسب الرجال الذين تصافوا معه حيا والذين يقدسون مبادئه ميتا فقد أخطأ وأساء إلي روح سعد في مثواها‏,‏ وإن كان يظن أن أكثرية الوفد التي خرج هو عليها ليس لها ألسن شداد وأقلام جارحة فقد أخطأ أيضا ولكن للوطنية والمروءة نحبسها‏',‏ وأنهي بيانه بأنه وزملاؤه لا يشغلهم إلا إنقاذ مصر مما تعاني من المظالم‏'‏ معتمدين علي الله وحقنا مستمدين قوتنا منه ومن مبادئنا الوفدية لا يصرفنا عنها هوي شخصي أو مطمع ذاتي‏'.‏

وتأكيدا علي وفديته هو ومن معه ما لبث‏'‏ شيخ العرب‏'‏ أن انقلب علي صدقي بعد فشل مشروع الوزارة القومية وتحالف مع الأحرار الدستوريين في الهجوم علي سياساته بشكل لا يقل في حدته عن هجوم الوفد عليه‏,‏ وكانت الفرصة سانحة وقتذاك لعودة التئام الصفوف‏,‏ وهو ما لم يتحقق‏,‏ خاصة بعد أن أعاد النحاس باشا تشكيل هيئة الوفد من رجاله القريبين‏,‏ واستمر يهاجم حمد الباسل ورجاله ويصفهم بالمنشقين‏.‏ففي عدد الأهرام الصادر يوم‏4‏ يوليو سنة‏1933‏ جاء تحقيق طويل تحت عنوان‏'‏ مناقشة سياسية بين رئيس الوفد دولة النحاس باشا ووكيل الوفد سعادة حمد الباسل باشا‏'.‏

ففي خطبة في جموع الوفديين بالإسكندرية قال النحاس باشا أن خصوم الوفد أفرغوا جهودهم في أن يشقوه ويضعفوه‏'‏ فماذا جنوا؟ جنوا أنهم طهروا الوفد وزادوه قوة ووحدة وتضامنا‏,‏ طهروا الوفد فما انفصل عنه إلا من ضعف إيمانهم وخارت عزيمتهم وتعجلوا الثمار‏'.‏

رد حمد الباسل بتصريح أعرب فيه عن أسفه أن النحاس باشا استمرأ لنفسه الطعن‏'‏ علي وعلي زملائي أعضاء الوفد وكنا نظن أن الحوادث قد وعظت النحاس باشا‏,‏ وأنه وقد مضي نحو عام علي الحركة التي أحدثها في الوفد بانتهاك قانونه وازدراء الشوري وعدم الاكتراث بالعواقب يشعر بشيء من الندم علي ما فعل ويدرك خطورة الحالة التي وقعت البلاد فيها‏..‏ فإذا كان النحاس يظن أنه بالطعن علي أبر الناس بمبادئ سعد وأوفاهم لتقاليد الوفد أنه ينال منا أو يخدم قضية مصر‏,‏ فليعلم أنه إنما ينال من نفسه ويصير إلي مقام يحزن الوفديين جميعا‏'.‏

غير أن أهم من التراشق بين الرجلين الذي جاء في هذا التحقيق أن جريدتنا بدأت بالتنويه بكونها تقدم خطبة النحاس باشا في الهجوم علي‏(‏ الوفد السعدي‏),‏ ولأول مرة نعلم أن حمد الباسل باشا ومن معه‏,‏ وقد اعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين لمبادئ سعد فأطلقوا علي أنفسهم هذه التسمية‏,‏ وهي تقريبا نفس التسمية التي أطلقها كل من أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي بعد خمس سنوات‏(1938)‏ حين خرجوا عن الوفد النحاسي‏,‏ فأسموا أنفسهم بالهيئة السعدية‏.‏

وتتتابع الأخبار بقية عام‏1933‏ التي تؤكد علي وجود جناح آخر للوفد برئاسة‏'‏ شيخ العرب‏',‏ فهذا خبر عن دعوة‏'‏ لجنة الوفد السعدي العامة‏'‏ بشبرا لحمد الباسل ليلقي خطبة في أعضائها يوم‏18‏ يوليو من ذلك العام‏,‏ وخبر آخر بعد ذلك بشهر عن استقبال رؤساء‏(‏ لجان الوفد السعدي العامة‏)‏ للرجل عند عودته إلي القاهرة بعد رحلة للخارج‏,‏ وعن وجوده في‏(‏ نادي الوفد السعدي‏)‏ ليجتمع ببعض أعضائه‏,‏ وخبر ثالث في‏14‏ نوفمبر من ذات العام عن الخطبة التي ألقاها حمد الباسل باشا في نفس النادي في اليوم السابق بمناسبة عيد الجهاد الوطني‏.‏

ويؤكد مجمل هذه الأخبار أن وكيل الوفد ورجاله قد شكلوا ما اعتبروه الوفد الحقيقي وأنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي خلال تلك الفترة‏,‏ وإن كنا نري أن هذا قد حدث لفترة غير طويلة انتهت مع ترك صدقي لسدة الحكم‏1933‏ وسقوط العهد الذي تسمي باسمه بعد تأليف وزارة توفيق نسيم ثم العودة لدستور‏1923,‏ الأمر الذي رأي معه حمد باشا الباسل أن يعود إلي دوره الأصيل‏..‏ شيخ عرب‏!‏

***‏
نتبين تخلي الرجل عن دوره السياسي حين أبي ترشيح نفسه في الانتخابات التي جرت في إبريل عام‏1936‏ بعد عودة العمل بالدستور‏,‏ وقد حاول أن يبرر ذلك بأمرين في بيان أصدره في الأهرام جاء في أولهما أنه شعور عميق‏'‏ يملأ جوانحي بأن أفراد دائرتي الانتخابية لم يتعودوا شهادة زور في قضية مقدسة هي قضية الوطن الخالد‏,‏ فإذا ما طلب إليهم أن يشهدوا كانوا يوم الشهادة أوفياء للحق محالفين للصدق‏.‏ وإلي جانب ذلك فهم إذا مروا بلغو اللاغين مرورا كراما ولا يتجمعون إلا علي خير‏.‏ أما الأمر الثاني فهو ما لمحته وأيقنته من أبناء دائرتي الانتخابية من آباء وعزة وكرامة‏-‏ أبت كلها علي أن أساجل منافسا أو أنافس مساجلا‏'.‏

وقد وصفنا هذين الأمرين بـ‏'‏ المبررات‏'‏ لأن الحقيقة في رأينا أن تيار الوفد كان طاغيا في تلك الانتخابات حتي أن خصومه التقليديين من الأحرار الدستوريين فضلوا الاتفاق مع الزعامة النحاسية لتترك لهم بعض الدوائر‏,‏ وكان من الطبيعي أن يتخوف‏'‏ شيخ العرب‏'‏ من خوضها فلا يلقي الفوز الذي يتناسب مع تاريخه‏,‏ وينهي حياته السياسية نهاية مأسوية‏,‏ ومن ثم كان من الطبيعي أن يعود ليمارس دوره شيخا للعرب‏,‏ مما بدا في أكثر من مناسبة‏.‏

منها أنه جعل داره في القاهرة مضيفة لأي من الزوار العرب الذين يفدون إلي العاصمة المصرية‏,‏ فيما نقرأه عن المأدبة الفاخرة التي أقامها للأمير فايز الشعلان من مشايخ قبائل الرولا‏'‏ حضرها سيادة الشيخ فوزان السابق وكيل المملكة السعودية العربية والأستاذ محمد رضا سكرتير الوكالة وعبد الرحيم بك لملوم وعبد الله بك لملوم والأستاذ عبد الرحمن عزام وغيرهم من أدباء ووجهاء العرب‏'.‏

ومنها حفلة الشاي الفخمة التي أقامها في داره بالزمالك في مارس‏1936‏ لعدد من الضيوف العراقيين الذين كانوا في زيارة لمصر‏,‏ وهي الحفلة التي ألقي فيها عبد الرحمن عزام خطبة عن وحدة الشعوب التي تسكن شمال إفريقية وغرب آسيا ووصف مضيفهم بأنه‏'‏ شيخ العرب‏',‏ وكان الوصف الذي يفضله حمد الباسل في ذلك الوقت‏.‏

وإلي جانب الحفلات التي تعددت لضيوف مصر من العرب انشغل حمد باشا الباسل بمشاكل القبائل العربية علي مسطح الوطن العربي‏,‏ الأمر الذي تكشفه دعوة الحكومة العراقية للرجل في مايو عام‏1939‏ للسفر إلي بغداد لفض الخلاف القائم بين عشائر شعر والعبيد كما يقضي بذلك العرف والتقاليد العربية‏,‏ وبعد أن شجعته الحكومة المصرية قام برحلة طويلة إلي كل من العراق وسوريا وشرق الأردن حيث التقي بالمسئولين في تلك البلاد وتباحث معهم في الشأن العربي‏,‏ والملاحظ أنه قد اصطحب معه أحد أبناء عشيرته وزعيم قبائل الجميعات‏,‏ طاهر المصري بك‏,‏ وعقد سكرتارية الوفد لمحمود أفندي عزام‏'‏ من أبناء العائلات العربية الشهيرة‏'.‏

وكما انشغل حمد باشا الباسل خلال تلك الفترة بأمور القبائل العربية خارج مصر فقد اهتم بشئونها داخل البلاد‏.‏ وتذكر الأهرام في عددها الصادر في‏4‏ إبريل‏1939‏ أنه قد رأس اجتماعات لفيف من زعماء العرب المصريين الذين عقدوها معترضين علي مشروع تجنيد أبناء القبائل أسوة بسائر المصريين‏.‏

وكانت حجته في ذلك التي ساقها لمندوب الأهرام أن التشريع لأية أمة أو طائفة يجب أن يلاحظ فيه طبائعها وعوائدها وأخلاقها‏'‏ فكان لزاما علي الذين يريدون وضع تشريع للعرب أن يستنيروا بآراء كبار العشائر ورؤساء القبائل حتي يتفادوا تلك العقبات التي كثيرا ما يصطدم بها التشريع عند التنفيذ والتطبيق‏,‏ إلا أنه أنهي حديثه بالتأكيد أن العرب لا ينكصون عن الدفاع عن وطنهم فهم يعتبرون أنفسهم دائما‏'‏ تحت السلاح لتلبية نداء الواجب‏,‏ فهم جيش في الرديف‏,‏ أو فرقة في الاستيداع‏,‏ كلهم ماسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها‏'.‏ وهو الكلام الذي لم يجز علي صاحب عامود‏'‏ ما قل ودل‏'‏ الأستاذ أحمد الصاوي محمد الذي كتب في نفس العدد من الجريدة مؤكدا أنه يجب‏'‏ أن ينطوي تحت لواء الجيش المصري جميع أبناء الأسرة المصرية لا فرق بين عربي وأعجمي‏'.‏

ويبدو أن عودة‏'‏ شيخ العرب‏'‏ للأصول أكسبته المكانة التي كان يستحقها دون‏'‏ وجع الدماغ‏'‏ الذي أصابه من العمل السياسي والصراع الحزبي‏,‏ الأمر الذي نستدل عليه من حرص السير مايلز لامبسون‏,‏ المندوب السامي البريطاني عند زيارته إلي الفيوم علي أن يرحب بضيافة حمد الباسل له في داره والذي كان علي رأس جمهور كبير من الأعيان وشيوخ العربان‏,‏والذي ألقي خطبة بالفرنسية مرحبا بالضيف الكبير منوها بدوره في تسوية المشكلات المصرية‏-‏البريطانية‏,‏ وساق في هذه المناسبة مثلا بدويا يقول‏'‏ الأخ لأخيه وأنا وأنت علي الزمن فإننا نتغلب عليه‏'!‏

وظل الرجل يؤدي هذا الدور إلي أن وافته المنية في‏9‏ فبراير عام‏1940‏ وقد خرجت الأهرام في اليوم التالي علي قرائها بصورة كبيرة له وتحتها التعليق بالدور الذي أداه في الحركة الوطنية المصرية وأنه كان يؤثر شؤون البلاد العربية بكثير من عنايته ونوهت بنجاحه من خلال مكانته في تلك البلاد أن يحل كثيرا من مشكلات القبائل العربية فيها‏,‏ وهي في هذا ساوت بين دوره الوطني ذي الطابع السياسي ودوره العربي ذي الطبيعة القبلية‏,‏ وكانت محقة‏!‏

الحـــلقة القادمـــة
إعلانات الجوائز الكبري


موضوعات اخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~