|
|
|
بـريــد الأهــرام
| 43942 | السنة 131-العدد | 2007 | مارس | 29 | 10 من ربيع الأول 1428 هـ | الخميس |
|
فعلا.. إنها مافيا!
|
|
في الفترة الأخيرة, أعلنت هيئة التعمير والتنمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة عن بيع بالمزاد العلني لبعض الأراضي الصحراوية المستصلحة بمنطقة النوبارية. ولقد اندهش المسئولون ـ أو إن شئت الدقة أصابهم الذهول ـ حين وجدوا أن أعلي سعر للمزايدة وصل إلي128 ألف جنيه( مائة وثمانية وعشرين ألف جنيه) للفدان الواحد. وهو ما يمثل قيمة تفوق القيمة الحقيقية لهذه النوعية من الأراضي بنحو خمسمائة مرة بالتمام والكمال.!! وثمة أسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا السياق أهمها:
1 ـ ماهي نوعية الزراعة التي سوف يمارسها المشترون لهذه الأراضي لكي تدر عليهم عائدا يغطي ما دفعوه نظير شرائها؟. فعلم الاقتصاد الزراعي يؤكد استحالة استرداد هذه القيمة الباهظة في فترة معقولة من المنظور الاقتصادي عن طريق الاستثمار الزراعي في مثل هذه الأراضي.
2 ـ ألا يدعو هذا التنافس الشرس علي شراء هذه الأراضي بأسعار خيالية إلي الارتياب في مقاصد هؤلاء المشترين؟. بمعني آخر: أليس هذا مؤشرا واضحا علي أنهم عازمون علي استثمار هذه الأراضي في مشروعات عقارية تضمن استعواض قيمة شراء الأرض بل وتحقيق أرباح فلكية لهم؟.
لقد تحدث وكتب كثيرون من المثقفين والكتاب عما يحدث في سوق الأراضي بمصر, ومن اللافت للنظر أن كل الوسائل التي اتبعت ـ علي تنوعها ـ قد أدت إلي نتيجة واحدة ألا وهي ارتفاع أسعار الأراضي سواء كانت للبناء أو الزراعة بمعدلات مذهلة وغير مبررة من المنظور الاقتصادي تبعا لنظرية العرض والطلب, مما يشي بأن هناك خطأ ما, إذ كيف تؤدي الحلول والآليات المتباينة إلي ذات النتائج الدراماتيكية التي تتمثل في اشتعال أسعار الأراضي؟.
وفي فترة من الفترات تم تخصيص الأراضي بالاسم لحفنة من المحظوظين الذين اشتروا الأراضي بأثمان بخسة ثم تحولوا بعد فترة وجيزة من( تسقيعها) إلي مليونيرات بعد أن ارتفعت أسعار هذه الأراضي عدة مئات من المرات مقارنة بسعر الشراء. وفي فترة تالية اتبع المسئولون نظام القرعة العلنية لتخصيص هذه الأراضي إبراء للذمة ودرءا لشبهات الوساطة والمحسوبية عن أنفسهم... بيد أن النتائج جاءت علي ذات المنوال أي ارتفاع مذهل في الأسعار أدي إلي ظهور سوق سوداء للتجارة في هذه الأراضي
واقتحم حياتنا مصطلح أو مسمي بات شائعا وهو( مافيا الأراضي). ولأن الشئ بالشئ يذكر كما يقال, فقد نشرت جريدة أخبار اليوم تحقيقا صحفيا حول مشروع توشكي الذي كلف الدولة سبعة مليارات جنيه لتأسيس بنيته التحتية. وجاء في سياق هذا التحقيق أن أراضي هذا المشروع قد بيعت بأرخص الأسعار لأكبر وأغني المستثمرين, فعلي سبيل المثال حصل ملياردير من الأمراء العرب علي120 ألف فدان بسعر خمسين جنيها فقط للفدان.
وعلي الرغم من مرور ثماني سنوات علي تملكه لهذه الأراضي( أو كما يقال حق امتياز لمدة99 سنة وهو في واقع الأمر تمليك), فإنه لم يزرع سوي600( ستمائة) فدان فقط زرعها عنبا داخل الصوبات ويتم تصديره للخارج والأنكي أن الدولة سحبت80 ألف فدان من أجمالي120 ألف فدان حصلت عليها الشركة القابضة للتجارة لاستزراعها منذ ثلاث سنوات, وذلك لأنها لم تقم في غضون هذه الفترة إلا بزراعة عشرة آلاف فدان بالإضافة إلي أن هناك عشرة آلاف فدان أخري تحت الاستصلاح. فبماذا نسمي هذا: أهو ارتباك؟ أو هو سوء إدارة أو هو تمييز لغير المصريين علي حساب المصريين داخل وطنهم؟ أو هو الفساد وتوابعه؟ إن ما يحدث في سوق الأراضي بمصر سواء كانت للبناء( ارتفعت أسعارها في غضون شهور قليلة بنحو200%) أو للزراعة أمر تحتار فيه الألباب. فهل من خبير يكشف لنا النقاب ويميط لنا اللثام عما يحدث في هذه السوق؟ وماذا ستؤول إليه الحال إذا استمرت علي ذات المنوال؟.
د. محمد محمود يوسف أستاذ بزراعة الإسكندرية |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|