|
|
|
قضايا و اراء
| 43942 | السنة 131-العدد | 2007 | مارس | 29 | 10 من ربيع الأول 1428 هـ | الخميس |
|
ثقافة العمل والإنتاج بقلم : رجائي عطية
|
|
 |
كان الفلاح المصري القديم هو الأستاذ الأول الذي أخذت عنه كل فئات المجتمع ـ الجد والجدية في احترام العمل.. من صلب ومعدن هذا الفلاح الذي أحرقت الشمس محياه وحفر الجد معالمه في أساريره خرج المصريون الذين برغم الظلم وانعدام التقنيات الحديثة في الزمن الغابر أقاموا الأهرامات وحفروا قناة السويس وشقوا روافد النيل ورياحاته وترعه وأقاموا القناطر والسدود وضبطوا النيل وسيطروا علي فيضاناته دفعا لغوائله حين يفيض ولتعويضه حين يغيض.. منذ أخذ الريف يتحول إلي مجتمع طارد واقتحمت القرية مستحدثات جديدة وطفق كثيرون يهجرون الريف إلي عشوائيات المدينة أخذت عوامل نحر عديدة تأكل من الجد الذي كان.. تفككت قيم العمل وجعلت تحل محلها آفات المظهرية والفهلوة ومخايل الكسب السريع.. صارت الشطارة شيئا آخر غير المهارة والدقة والإتقان!
كيف يمكن للمجتمع أن يعود إلي ما كان عليه من تقديس العمل واحترام الجد.. ما السبيل للتحول عن آفة الكلام والفهلوة إلي ثقافة الفعل والعمل والإنتاج!.. ما الذي يدعو آلاف العاملين لترك محال أعمالهم والتجول في أوقات العمل في الطرقات والشوارع والنواصي!. لماذا تفشي التواكل ومعه المظهرية والفهلوة ومنطق' معلهش' وأصلها ما عليه شيء لماذا باتت الأغلبية تعاف الجهد وتؤثر ما يجلب السمعة بلا تعب أو مشقة.. ضمر مع هذه الظواهر السلبية إحساسنا بقيمـة الـوقت حتـي تحول الفاقد فيه إلي كم هائل من الفاقد القومي!.. لا ندرك أن الإنتاج حصاد عمل وأن العمـل ناتـج وقـت وأن وقـت المجموع هو حصاد' أوقات' أفراده!.. نعطي الإجازات بالأيام وبالأسبوع بينما نتباكي علي ضيق اليد وفقر الإمكانيات!.. ليس حسب هذه الإجازات الطويلة أنها' هالك' من الإنتاج الوطني وإنما هي ترسخ فينا' استرخاص' الوقت!.. العالم كله يجعل الوقت علي رأس قائمة القيم ونحن لا ندرك أنه حين يرخص الوقت يضمر العمل ويتراجع الإنتاج ويتقدم الفقـر الذي بات يأكل الأخضر واليابس!. قيمة الوقت واحترامه جزء أساسي من ثقافة العمل والإنتاج التي صار لازما أن تنهض عليها حياتنا!
الحديث عن ثقافة العمل والإنتاج يفتح باب الحديث عن الثقافة بعامة.. فهي الأرضية العريضة التي تخرج منها جميع الثقافات الفرعية.. فالثقافة في مفهومها العام مجموع نتاج العمل الإنساني وإبداعاته من فن وفكر وأدب وعلم وعمل.. يتناقله ويتعاطاه الأحياء وتتوارثه الأجيال.. هذه الثقافة ثمرة تراكمات هذه الأنشطة والإبداعات المتنوعة والروافد العديدة التي تصب فيها.. من هذا المجمل المتفاعل المتداخل من الدين والمعرفة والفنون والسياسة والاقتصاد والأخلاقيات والقانون والتقاليد والعادات والأعراف ـ تتشكل قيم ثقافية تنطبع في النسيج الفردي والجمعي وتتبدي في سلوكياته وعمله وجده كما في رياضته ولهوه.. ومن تركيبتها تتكون مقومات' شخصيات' الشعوب.. علي أن الثقافة العامة لم تمنع من نمو ثقافات فرعية من روافد متنوعة: طائفية أو عرقية أو محلية أو مهنية أو حرفية أو طبقية وتتشكل قوة وضعفا تبعا لمقدار تأثير روافد تكوينها في تيار المجتمع العام.
وثقافة العمل والإنتاج ليست انفصالا عن تيار الثقافة العام مرده إلي' الحرفة' أو' الصنعة' أو' المهنة' وإنما هي بث وتنمية وتكريس القيم التي تربط القيمة بالعمل والعمل بالإنتاج وتربط السلوك بمعايير الجد والالتزام وانتشار هذه الثقافة واجب مجتمعي عام يساهم فيه الخطاب الديني والثقافي والإعلامي مع البيت والمدرسة.. يتبني ويقدم شعارات من مثل:' من جد وجد' و' من زرع حصد'.. ويقدم القيم والآيات والأحاديث التي تستحضر قيمة العمل والاهتمام به من مثل:' وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون'( التوبة105)'.. تبارك الذي بيده الملك وهو علي كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا'.( الملك21).. أو حديث:' إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه'.. أو حديث:' أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه'.. أو' من أمسي كالا من عمل يده أمسي مغفورا له'.. هذه القاعدة الثقافية موجودة في تيار الثقافة العامة ولكنها تحتاج إلي لفت إليها وتقديم لها حتي تتصدر الأولوية وتنحفر في الوجـدان العـام وتصير مهجة وروح ودستور المجتمع والشعلة التي تجذبه وتوجهه ليجعل' العمل' أسلوب حياته والإنتاج غايته التي ينعقد عليها مصير الوطن في حاضره ومستقبله.
ما أعنيـه بثقافـة العمـل والإنتاج هو أهمية أن يلتفت مجتمعنا كله بكل فئاته وأطيافه إلي أهمية ثقافة العمل في دفع مجمل حركته وأنشطته ليكون كل فرد طاقة عاملة منتجة.. في الورش والمصانع والوحدات الإنتاجية وفي الوظائف والخدمات والأعمال والمهن والحرف.. صدق العمل ينعكس علي المجتمع كله في شتي احتياجاته في سكنه وحركته ومواصلاته ومدارسه وملاعبه وحدائقه.. يحدث ذلك حين نؤمن أن عمل كل فرد مردود إلي الكل وأنه لا أمل في الخروج من وهدة الفقر والاحتياج إلا بتحول المجتمع كله إلي طاقات إنتاجية عاملة فاعلة منجزة مدفوعة بثقافة تقدس العمل وتتغيا الجودة والدقة والإتقان!
ثقافة الدقة والإجادة والإتقان صارت في عالم اليوم عصب العمل والإنتاج ومفتاح القدرة علي تحقيق الجودة وعلي التسويق في عالم تشتد فيه المنافسة إلي حد لا تترك معه مجالا للأوساط أو الأنصاف أو الخاملين!.. هذه الثقافة تستلزم ربط الأجر بالإنتاج وتنظيم العمل بضوابط دقيقة صارمة لا تخلط بين الاعتبارات الاجتماعية وهي لازمة وضرورية وبين مطالب الجد والالتزام في العمل مثلما تستلزم ربط القاعدة العلمية بالقاعدة الإنتاجية في شتي قنواتها العملية.. هذه الثقافة توجب أن يتسنم' العمل' قائمة القيم وأن يكون إليه وفي المقام الأول عائد الدخل والمكانة أيضا.. أن يتنامي الإدراك بقيمة وأهمية ولزوم العمل الميداني العملي قبل العمل المكتبي.. أن تسود ثقافة تصل قيمة الفـرد بمـا يعمله وينتجه لا بما يقوله أو يتظاهر به.. أن يعني الخطاب العلمي والديني والثقافي والإعلامي ببث ثقافة العمل والإنتاج.. أن يخرج هذا الخطاب بكل فروعه من زقاق الهامشيات التي تشغل معظم جهده ـ إلي العمل كقيمة دينية مجتمعية وطنية مقرونة بالإجادة والدقة والإتقان.. عليها مصائر الأمم ومرتقاها إلي حيث تريد أن تكون!
Email:rattia@ragaiattia.Com |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|