|
|
|
قضايا و اراء
| 43942 | السنة 131-العدد | 2007 | مارس | 29 | 10 من ربيع الأول 1428 هـ | الخميس |
|
التعديلات الدستورية وتجربتها الديمقراطية بقلم : د. نبيل احمد حلمي
|
|
 |
لاشك أن المشاركة الشعبية في مراحل التعديلات الدستورية سواء بالتأييد او حتي بالاعتراض تمثل خطوة جادة في طريق الديمقراطية في مصر. فبالرغم من أن جميع الاتجاهات اتيح لها فرصة التعبير عن رأيها بكل وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها في داخل مصر أو في الفضائيات إلا أننا لابد ان نعترف بأن هذه الاتجاهات كانت علي مستوي الحدث وهو تغيير الدستور وبهدف واحد وهو حب مصر وفقا لوجهة نظر كل اتجاه. وبالرغم أيضا من بعض تجاوزات الممارسة إلا أنها كانت في حدود ممارسة الرأي والرأي الآخر الذي يوضح حقيقة وذكاء وتحمل المسئولية السياسية والعمل من أجل الصالح العام من الشعب المصري. ولقد وجدنا أن الجميع يتكلم ويدلي برأيه ويتناقش ويؤيد ويعارض ويتحفظ علي المواد المعروضة وغير المعروضة علي التعديل الدستوري, وذلك بالتأكيد لاستشعار الجميع بأهمية هذه التعديلات.
ومن ناحية اخري تأكيد الاتجاه الصحيح للمسيرة السياسية في مصر وذلك بمزيد من الممارسة السياسية وعدم عزوف الشارع المصري عن ذلك. وبالطبع لم تتحقق النسب المرجوة من ذلك إلا أنها جاءت اختبارا لجدية الخطوات الديمقراطية والاصلاح السياسي في مصر واثبتت ان مصر تسير في الطريق الديمقراطي والمسيرة الشعبية السياسية, وهذا يعد اساسا قويا للتقدم الاقتصادي والاجتماعي ومواجهة التنافسية الدولية في عصر العولمة.
ان تطبيق النصوص الجديدة يفتح المجال لمزيد من العمل الوطني في مصر لأن الاساس هو المواطن وأن كل الاتجاهات السياسية والاحزاب هم شركاء في مسيرة وتقدم مصر مهما كان هناك اختلافات في البرامج والمواقف. وإن الطريق لذلك هو ان نبدأ صفحة جديدة للنظر للامام لصالح مصر وان نتعاون جميعا ـ مهما اختلفت آراؤنا ـ في دفع العمل الوطني بكل فروعه في صالح مصر وفقا لما رأته الأغلبية, وهذا هو الطريق الحقيقي للديمقراطية ألا وهو أن رأي الاغلبية يرجح به عن رأي الاقلية ولكن ما بعد ذلك يستلزم مشاركة الجميع للعمل العام.
ومن الملاحظ في عملية الاستفتاء هو حرص جانب كبير من الشارع المصري علي المشاركة في الاستفتاء واعتقد ان السبب الأساسي والحقيقي لمزيد من المشاركة هو رد علي بعض الاتجاهات السياسية التي رفعت شعار المقاطعة, فكان الرد هو مزيدا من المشاركة ومزيدا من التوازن الشعبي وذلك استشعارا بالمسئولية وجدية التعديلات الدستورية, وفي نفس الوقت ثقة في أن هذا الاستفتاء لا يوجد أي قصد لتزويره بالرغم من بعض التجاوزات والاخطاء التي يمكن أن تحدث فرادي وليس كسياسة عامة. وهذا يدل علي مزيد من الاهتمام بالشئون العامة في مصر.
وانني أري أيضا ان المناقشات بين كل الاتجاهات السياسية سواء في الاعلام او في الشارع او حتي في المنازل قد أوضحت أهمية هذه التعديلات الدستورية ومواءمتها للمرحلة الحالية من تفاعل العلاقات المصرية ـ العربية وكذلك المصرية الدولية. فلاشك أن المواطنة التي تمثل عدم التمييز بين المصريين وكذلك مواجهة قيام احزاب او نشاط سياسي ديني وعدم ذكر أي نظام أقتصادي محدد في الدستور والتوازن بين السلطات بدءا من تخلي رئيس الجمهورية عن بعض سلطاته ومرورا بمراقبة البرلمان للحكومة وقيام مجلس الشوري بدور تشريعي واحترام المرأة ومؤازرتها للمشاركة الايجابية في الحياة السياسية وتفعيل الاشراف القضائي علي الانتخابات مع ضمان احترام السادة القضاة وكذلك الاستعداد القانوني لمواجهة أي عملية ارهابية توجه لمصر بعد الغاء حالة الطواريء, فإن كل هذه النقاط وغيرها كانت لأول مرة محل النقاش والحديث بين معظم أبناء الشعب المصري مع كثير من التحليل السياسي والوطني وبين مؤيد ومعارض واسباب التأييد والمعارضة وغير ذلك من مظاهر ممارسة الديمقراطية, وهو ما يطابق ما يحدث في الدول الديمقراطية وذلك دون المساس بحرية اي مواطن معارض او أي احزاب او تجمعات سياسية إلا ما خرج منها عن النظام العام.
لقد أصاب البعض في الشارع المصري ذعر من احتمال حدوث انقسام في الشارع المصري قد يؤدي الي تعاملات عنيفة بين اطراف كل رأي ولكن اثبت الشعب المصري انه علي مستوي المسئولية وانه في الطريق الصحيح لحماية مصر وأمنها ومستقبلها وتفهمه الكامل لما يحدث فكان هو حصن الأمان في لجان الانتخابات وفي المسيرات الشعبية وفي الدفاع عن رأيه. واعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح للاستماع السلمي بالرأي والرأي الآخر ومعرفة أن الرأي الآخر لايمثل مصادمة او هدفا آخر بل قد يكون معبرا عن طريق آخر لتحقيق نفس الهدف ولذلك لابد من الاستماع لكل الآراء بكل عناية وأخذ ما ينفع والاتفاق عليها ومن ناحية أخري عدم الاتفاق مع بعض الآراء الاخري.
ان طريق الديمقراطية هو طريق طويل ويتطلب عملا مستمرا ومشاركة سياسية مستمرة وذلك للتأكيد علي انها ديمقراطية حقيقية وليست عملا عارضا. ولذلك لابد للنظر الي المستقبل حيث ان التعديلات الدستورية ليست إلا أول الطريق لأنها تضع المباديء العامة التي يجب علي السلطة التشريعية مراعاتها في سبيل وضع القوانين وهذا يقتضي النظر الي المرحلة المقبلة من العمل الوطني القانوني. فعلي السلطة التشريعية علي البدء في الاعداد الديمقراطي للقوانين التي تفصل هذه التعديلات وهي مهمة للغاية وبصفة خاصة قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون التوازن الاقتصادي والملائم لجذب الاستثمارات لمصر وكذلك قانون مكافحة الارهاب وذلك من خلال تعريف واضح للجريمة الارهابية وفي نفس الوقت الضوابط القانونية التي تضمن ألا يتم اساءة استخدام السلطة الاستثنائية المعطاة لمواجهة هذه الجريمة الاستثنائية وهي الارهاب وان يكون الاساس فيها هو حماية المواطن المصري من أي انتهاك لحرية وحقوقه الاساسية, وأن خير ضمان لذلك أن يكون الاشراف القضائي اشرافا فعالا وأن تكون محاسبة التجاوز للسلطة محاسبة حاسمة وواضحة. ولابد أيضا من مناقشة موضوعية لقانون الانتخاب بحيث تتيح الاشراف القضا ئي الكامل مع حفظ كرامة القضاة وفي نفس الوقت تحقيق النزاهة في الانتخابات لكي تعبر عن حقيقة رأي الشعب في مسيرته السياسية الديمقراطية. واعتقد أن واجب السلطة التشريعية أن تصدر القوانين الجديدة الخاصة بتطبيق المادتين88 و179 من التعديل الدستوري في أقرب وقت وذلك لطمأنة كل القوي المتخوفة من تعديل هاتين المادتين الدستوريتين.
وأخيرا وبعد هذه التجربة الديمقراطية الغنية في النقاش السياسي والتعديلات الدستورية فلا نستطيع ان ننكر ان الفضل يعود في ذلك علي العاملين في المضمار السياسي والثقافي وخاصة ما قام به رجال الحزب الوطني ومؤيدوه من السياسيين في شرح وفي الدفاع وفي الاستماع للرأي والرأي الآخر في هذه التعديلات المقترحة وتحقق من بذلك الشفافية الكاملة وظهر ذلك في التصويت علي المقترحات في مجلسي الشعب والشوري. ومن ناحية أخري فان نجاح هذه التجربة الديمقراطية يعود ايضا لمن عارض وانفعل وناقش من الاحزاب والتكتلات السياسية الأخري, فبدون أي طرف من هذه الأطراف لما كان نجاح هذه التجربة الديمقراطية ومع انتهاء هذه المرحلة المهمة فان مراحل اخري جدية في الانتظار خاصة بالنسبة للتعديلات التشريعية المقبلة والتي لابد ان يشعر الشارع المصري برعايتها له وحماية حقوقه وتحقيق مصالحه الفردية والجماعية ومن المؤكد ان تفاعل الشعب المصري سيكون مكملا وراعيا لهذه المسيرة والتجربة الديمقراطية المصرية. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|