جريدة الأهرام - تحقيقات ـ النباتات الطبية المصرية تشفي أمراض العالم الذهب الأخضر في وادي الراحة‏!‏

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

تحقيقات

 
 

44209‏السنة 132-العدد2007ديسمبر21‏12 من ذى الحجة 1428 هـالجمعة

 

النباتات الطبية المصرية تشفي أمراض العالم
الذهب الأخضر في وادي الراحة‏!‏

سانت كاترين : عاطف حزين
د. محمد الدمرداش
من هذا الذي يمكنه رفض دعوة لزيارة سانت كاترين وقضاء ثلاثة أيام بلياليها في وادي الراحة واشعال شمعة في دير سانت كاترين؟
وهكذا كنت أحد المشاركين في مؤتمر الخبراء والمعنيين حول تعظيم الدور الاقتصادي والاجتماعي للنباتات الطبية الذي عقد في سانت كاترين تحت رعاية المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشئون البيئة في الفترة من‏10‏ حتي‏13‏ ديسمبر الحالي‏.‏

لم تكن معلوماتي عن النباتات الطبية في سيناء ترقي إلي المستوي الذي يجعلني اكتب عنها بحماس‏,‏ الأكثر من ذلك أن سمعة النباتات الطبية عموما لا تشجع علي أخذ الأمر علي محمل الجد‏,‏ فالأمر كان مرتبطا عندي بدجل وشعوذة علي نصب يمارس في أكياس علي أرصفة القاهرة‏,‏ فهذا نبات يشفي من الربو وهذا الكيس يشفي من أمراض الصدر‏,‏ وذاك يعالج الكبد أما هذا العشب فهو يعالج الضعف الجنسي والعقم والأنف والأذن والحنجرة‏.‏
مع ذلك وجدتني مدفوعا إلي هذه الرحلة متحملا مشاق السفر داخل اتوبيس قطع المسافة من القاهرة إلي سانت كاترين في‏8‏ ساعات‏,‏ والآن بعد العودة مرة أخري إلي القاهرة أؤكد لكم أن الذي ذهب ليس هو الذي عاد‏.‏ أؤكد لكم أيضا أنني أحد المجرمين في حق سيناء لأنني طوال الفترة الماضية منذ عادت الينا اكتفيت بحفظ الأغاني في حب سيناء ولم أفكر لحظة واحدة ـ مثل الحكومة المصرية ـ في اكتشاف الكنوز التي منحها الله لنا فدسنا عليها بأقدامنا علي الرغم من انها ستنعش اقتصادنا المريض لو أننا فكرنا ـ مجرد تفكير ـ في استثمار تلك الكنوز‏.‏

للأسف أنا أحد ملايين المصريين الذين لم يعرفوا أن أرض سيناء تنبت‏360‏ نباتا طبيا تغطي حاجات المستشفيات وكليات الطب علي مستوي العالم ومن بينها‏14‏ نوعا نادرا لا ينبت إلا في جنوب سيناء‏.‏ شيء أغلي من النفط والذهب‏..‏ بل أن أهالي سيناء فقط يطلقون علي هذه الثروة المهملة الذهب الأخضر‏,‏ لكن أهل القاهرة الكبار الذين فشلوا سياحيا في تسويق الوادي المقدس طوي حيث كلم الله موسي فشلوا أيضا في استثمار نعمة من نعم الله علينا‏.‏
لكن ليس كل أهل القاهرة كذلك بدليل أن ورشة العمل التي حضرتها في سانت كاترين نظمها مشروع صون النباتات الطبية التابع لوزارة شئون البيئة‏,‏ تصوروا بدلا من أن نصل إلي مستوي مشروع يحمل إسم الافادة من النباتات الطبية في انقاذ اقتصاد مصر نجد أنفسنا بصدد مشروع هدفه صون هذه الثروة والحفاظ عليها من الانقراض والاهمال واللامبالاة‏.‏ ويكفي للتدليل علي أهمية هذه الثروة حتي لغير المصريين أن وزارة شئون البيئة حين قدمت اقتراحا بالمشروع إلي مرفق البيئة العالمي والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة لتحقيق التوازن ما بين حماية النباتات الطبية وموائلها الطبيعية وبين اتاحة الاستخدام المستدام لها وافقت المؤسستان علي الفور لدعم المشروع لتحقيق الهدف واعتماده كمثال يحتذي به في مجال الحفاظ علي النباتات الطبية وضمان استخدامها في المناطق الجافة وشبه الجافة‏.‏

ولأنني لم أحضر الورشة التي عقدت في مارس الماضي سألت الدكتور محمد الدمرداش مدير المشروع عن ملامح الأيام الثلاثة التي سنقضيها في سانت كاترين فقال ان هذه الورشة تنفيذ لأول أنشطة المكون الثاني من المشروع والذي يستهدف تذليل العقبات التي تواجه تعظيم قيمة النباتات الطبية المنتجة في محمية سانت كاترين وذلك من خلال دعوة الخبراء والمعنيين بمختلف قضايا تسويق النباتات الطبية بدءا من المنتجين والمتخصصين والمصنعين والمصدرين والمستهلكين للتعرف علي وجهة نظرهم في تحديد أهم تلك العقبات الفنية التي تعيق الارتقاء بمستوي الانتاج‏.‏ كما اننا سنصيغ وثيقة فنية بين المشاركين وجمعية سانت كاترين للنباتات الطبية تعكس رؤية المشاركين في الورشة للأهداف المشتركة التي ينبغي العمل علي تحقيقها للارتقاء بنوعية منتجات النباتات الطبية وتعظيم قيمتها الاقتصادية في تحسين مستوي دخل المجتمع المحلي في سانت كاترين من هذا المصدر الطبيعي المهم‏.‏
لأنني أري هذا الطموح صغيرا قياسا بما كنا نأمل إليه وجدت كلمة الدكتور إبراهيم صديق نائب رئيس جامعة المنوفية السابق صدي في نفوس الحاضرين حينما أكد أنه لا قيمة لأغلي قطعة ماس تمتلكها إذا لم تحسن تسويقها‏..‏ إذا لم ترعاها‏..‏ إذا لم تعرضها بالصورة التي تجلب إليك ثمنها الحقيقي‏.‏ وهكذا شأننا مع ثروتنا من النباتات الطبية‏.‏

واستعرض معنا الدكتور صديق الصورة علي مستوي العالم حتي نعرف حجمنا فقال أن حجم التجارة الدولية في النباتات الطبية والعطرية بلغ‏14‏ مليار دولار‏,‏ وأن المانيا تستهلك وحدها ما قيمته‏3.5‏ مليار دولار تليها فرنسا‏(1.85‏ مليار دولار‏)‏ ثم ايطاليا‏(0.7‏ مليار دولا‏).‏ وقال ان أهم المحاصيل التي تستهلك هذا الرقم هي النعناع والبردقوش والحصالبان والمريمية والزعتر والاوريجانو
ثم تساءل الدكتور صديق‏:‏ هل تعلمون أن‏30%‏ من الادوية التي نتعاطاها تستخدم النباتات الطبية وأن المعدل سيرتفع قريبا جدا ليصل إلي‏65%‏ بعد ادراك العالم مضار المواد الكيميائية غير الطبيعية‏.‏

وعندما سألته عن دخل مصرمن تصدير النباتات الطبية بحالتها هذه قال‏:150‏ مليون جنيه فقط‏.‏
ولأن هدف الدكتور محمد الدمرداش صون هذه الثروة فقد كان يتحدث معنا عن النباتات الطبية ونحن نتجول في مزرعة وادي فيران وصوب سانت كاترين أو وهو يعقب علي أحد المتحدثين‏..‏ كان يتحدث عنها وكأنه يتحدث عن ابنائه‏,‏ وكان رهانه علي بدو سيناء الذين يقومون بأغلب خطوات المشروع لايقبل الشك ولذلك كان الرجل حريصا علي اشراكهم في أعمال الورشة ليس ـ رجال البدو فقط‏,‏ بل انه دخل موسوعة جينيس للارقام القياسية عندما نجح في اشراك البدويات في الورشة بل ان آلانسة هنا خضر قامت بشرح خطة متكاملة لسلسلة القيمة علي مرآي ومسمع من الجميع بمنتهي الثبات والقدرة علي الاقناع‏.‏

ولعل التصفيق الحاد الذي ناله الشيخ أحمد الجبالي وهو يعرض خطته علينا هو الذي اغري ابنة سيناء لكي تثبت للجميع أن قضية النباتات الطبية تستحق أن تحظي باهتمام كل سكان سيناء حيث لافرق بين رجل وامرأة لأن المصير واحد‏.‏
ويقوم المايسترو الدكتور عز أبوستيت منسق المؤتمر بإدارة الورشة ببراعة يساعده الدكتور هاني شتا والدكتور مؤمن حامد ليشرحوا للمشاركين كيف يحولون سلسلة الامداد إلي سلسلة قيمة وصولا إلي اقناع الجميع بأن مبدأ المشاركة الجماعية والتواصل بين كل عناصر سلسلة الانتاج هو السبيل الوحيد لتعظيم العائد من النباتات الطبية‏.‏

وأسأل الدكتور محمد الدمرداش وهو يحنو علي نباتاته ويستعرض خطوات اكثار الانواع النادرة منها داخل الصوب عن أهم اعداء مزارعي النباتات الطبية في سيناء فيقول لي‏:‏ الحمار وعندما أضحك ولايبادلني الضحك أؤمن أنه يتحدث بجدية فاحترم صمته فيضيف‏:‏ البدو في سيناء يعتبرون الحمير الضالة العدو الأول لهم لأن الحمار يأكل كثيرا بل انه يمكن أن يأتي علي مزرعة بحالها في يوم‏,‏ والمشكلة انه ينزع النبات من جذوره ولذلك فهو لايأكل بل يدمر ولذلك نحن هنا نطارد الحمير وتقوم جمعية البناتات الطبية برصد مكافأة مجزية لكل من يقبض علي حمار ضال ثم يتم تجميع الحمير وتصديرها عبر نفق الشهد أحمد حمدي بعيدا عن جنوب سيناء‏.‏
وأعود لأسأل الدكتور الدمرداش‏:‏ بعد عام ونصف عام سينتهي المشروع‏..‏ فما الذي تحقق من أهدافه حتي الآن؟

ويرد مدير مشروع النباتات الطبية ويقول‏:‏ لقد نجحنافي صون الانواع المهددة ونجحنا في اكثارها حتي تعود إلي موائلها الأصلية من خلال تنفيذ برامج الاصلاح البيئي‏,‏ ولقد قمنا بزراعة الانواع النباتية في حدائق ومزارع البدو وحدائق دير سانت كاترين وداخل نطاق المحمية‏,‏ كما نجحنا في تدريب البدو علي أفضل ممارسات الزراعة والانتاج ومراحل ما بعد الحصاد بما يضمن الاستخدام المستدام لهذه الموارد‏,‏ كما نجح المشروع في تصميم وتطبيق طرق تخفيض الأثر الضار للري الجائر علي النباتات الطبية المهددة من خلال انشاء مسيجات ومناطق محمية بالاضافة إلي احياء الممارسات البدوية التقليدية مثل نظامي الحلف والدخل‏.‏
ويضيف الدكتور محمد الدمرداش‏:‏ ولم يتوقف الأمر علي الاجراءات العملية علي الأرض فقد صممنا قاعدة بيانات جغرافية تشمل كافة البيانات المتعلقة بالتوزيع الجغرافي للانواع النباتية‏,‏ وحفظ وتسجيل لاصول الوراثية المستهدفة لستين نوعا نباتيا مختلفا بالبنك القومي للجينات حتي الآن كإحدي طرق الصون الخارجي علي المدي الطويل‏,‏ أيضا اقامة مناطق للصون خارج المناطق المهددة والتي تشكل ملاذا آمنا للعديد من الانواع النباتية المهددة مثل الحديقة النباتية الدولية بشرم الشيخ‏.‏

ومن أهم انجازات المشروع التي لم يتحدث عنها كثيرا الدكتور الدمرداش ربما من باب التواضع ما يعرف باسم جمعية النباتات الطبية بسانت كاترين‏.‏
يقول الشيخ جميل عطية رئيس مجلس ادارة الجمعية‏:‏ نشأت جمعيتنا في منطقة جبال سانت كاترين الغنية بالاعشاب الطبية البرية والنادرة التي عرفها السكان المحليون واستخدموها منذ قديم الزمان في العلاج الشعبي والتوابل وشاي الاعشاب‏,‏ كما عرفها المتخصصون بما تحتوية من كنوز لا تقدر بثمن‏,‏ ولما كان الحفاظ علي هذه الثروة من التدهور ضرورة محلية وعالمية فقد تم انشاء جمعية اهلية تهتم بالنباتات الطبية بدعم من مشروع صون النباتات الطبية التابع لوزارة الدولة لشئون البيئة‏.‏

في اليوم الاخير من ورشة العمل قام الدكتور عز أبوستيت بتقسيمنا إلي أربع مجموعات متنوعة بحيث تضم كل مجموعة خليطا من المزارعين والجامعيين والمصدرين والاعلاميين والعلميين‏,‏ وقام كل فريق بعمل مشروع خاص به يعكس استيعابه لسلسلة القيمة التي تعب الدكتور ابراهيم صديق والدكتور عز ابوستيت في شرحها لنا‏.‏
خضعنا جميعا للامتحان وكأن نتيجته سيتوقف عليها مستقبل النباتات الطبية في سيناء‏,‏ ولأننا كنا نحلم بأن تستفيد مصر من كنوزها الضائعة بذلنا كل جهودنا وقامت كل مجموعة باختيار من يمثلها لعرض مشروعها علي الجميع‏,‏ وعندما انتهت المجموعة الرابعة من عرضها وقف الاساتذة محمد الدمرداش وابراهيم صديق وعز أبوستيت لايدرون ماذا يقولون‏..‏ لم يتوقع أحدهم هذا التفاعل من الجميع‏..‏ وهذا التفوق من كل عناصر الورشة حتي الذين لم يكن لهم علاقة بالنباتات الطبية‏.‏
انها مصر التي تريد أن تنهض‏..‏ انهم ابناء مصر الذين يريدون أن يأخذوا بأيديها‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~