جريدة الأهرام - الكتاب ـ كلمة كاشفة سطو ثقافي علي جهود مصرية بقلم‏:‏د‏.‏ ثروت عكاشة

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

ثقافة وفنون

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

الغنوة

الساخر

شباب اليوم

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الكتاب

 
 

44182‏السنة 132-العدد2007نوفمبر24‏14 من ذى القعدة 1428 هـالسبت

 

كلمة كاشفة
سطو ثقافي علي جهود مصرية
بقلم‏:‏د‏.‏ ثروت عكاشة

فوجئت‏,‏ وفجعت‏,‏ أنا وكبار علماء المصريات في العالم‏,‏ وكثيرون من أبناء الطبقة المثقفة الواعية في مصر وخارجها‏,‏ بتلك الحملة الإعلامية الزائفة التي قامت بها في الفترة الأخيرة السيدة كريستيان ديروش نوبلكور‏,‏ الأمينة السابقة في القسم المصري بمتحف اللوفر‏,‏ لاغتصاب مجهود ثقافي ومبادرة حضارية غير مسبوقة قامت بها الحكومة المصرية علي مشهد من جميع دول العالم للحفاظ علي تراثها الثمين‏..‏ فقد ادعت أخيرا في أحاديث أنانية تافهة لوسائل الإعلام الفرنسية وغيرها أنها صاحبة فكرة إنقاذ آثار النوبة بمصر وراعيتها الأولي‏,‏ وغمطت كثيرين ـ علي رأسهم كاتب هذه السطور بحكم مسئوليته ـ فضلهم الحقيقي في إنقاذ آثار النوبة من الغرق‏,‏ إذ يبدو أن ذاكرتها قد خانتها بتعمد مقصود من حيث المسري الصادق لرواية الأحداث‏!..‏ ومن هنا كان لابد من رد هذه السيدة إلي صوابها قبل أن تزيف الحقيقة التي استقرت في حافظة العالم منذ ما يقرب من نصف القرن‏.‏

وليس هناك من شك في أنها قد شاركت بنصيب في المشروع شأنها شأن المئات من المشاركين فيه‏..‏ أما اندفاعها إلي قلب الحقائق وتزييفها بجرأة تحسد عليها بعد رحيل أبطال المشروع الحقيقيين‏,‏ وانتحالها صفة إدارة المشروع كله لحسابها وكأن وزارة الثقافة المصرية كانت غائبة‏,‏ ثم اعتبارها نفسها وزارة ثقافة موازية اضطلعت وحدها بمهمة إدارة مشروع الإنقاذ نيابة عن مصر ـ كما تدعي زورا في وسائل الإعلام التي أصاخت لها السمع ـ وهو أمر لم أكن أتوقعه منها هي علي وجه الخصوص بعدما كان يربطني بها وبزوجها النبيل الراحل من علاقة صداقة ومودة طاهرة‏..‏ فقد آن الأوان بعد صبر طويل مني أن تئوب إلي الحق وتفيق من أوهامها تلك المعيبة‏!‏ لقد كانت السيدة توبلكور مجرد أمينة سابقة للقسم المصري بمتحف اللوفر كما أسلفت القول‏,‏ وكانت تأتي إلي مصر خلال شهرين من كل عام في فصل الشتاء موفدة من منظمة اليونسكو للمشاركة فحسب في عملية تسجيل آثار النوبة المهددة بالغرق‏,‏ وكان ذلك قبل أن يتولي كاتب هذه السطور مسئولية وزارة الثقافة رسميا في سبتمبر عام‏1958.‏

وقد كنت أقدر لهذه السيدة ما تطالعنا به من حماس واهتمام إبان عملها المكلفة به من منظمة اليونسكو تحت إشراف كوكبة من أهل التخصص المصريين الذين لا تدانيهم السيدة نوبلكور في مجالاتهم التي نالوا فيها أعلي الدرجات العلمية من أرقي جامعات العالم‏,‏ والعاكفين علي أداء واجبهم المضني الشاق شتاء وصيفا طوال السنة منذ عام‏1955‏ ـ وعلي رأسهم الأستاذ مصطفي عامر والدكتور أحمد بدوي والدكتور جمال مختار مديرو مركز تسجيل الآثار المتعاقبون وكثيرون غيرهم ـ بعد أن انتهت مداولات الحكومة المصرية إلي الاكتفاء بتسجيل ما أمكن من النقوش الأثرية بالنوبة قبل غرقها المتوقع لفداحة تكاليف إنقاذ هذه المعابد‏.‏ وقد كان اسم هذه السيدة المتجنية علينا وعلي الحق واحدا من بين أسماء الأثريين العديدين الذين رأيت الإعراب عن امتنان مصر حكومة وشعبا لهم وتقديرنا لما يبذلونه من جهود مضنية في مناخ جائر‏,‏ فتفضل السيد الرئيس جمال عبدالناصر وأذن لي بتقليدهم أوسمة تكريما لهم‏.‏

ومما دهشت له أخيرا‏,‏ صدور كتاب بالإنجليزية في عام‏2004‏ بعنون‏(‏ أبو سمبل ـ أسوان‏)‏ من وضع ماركو زتشي‏,‏ الذي يستهل موضوعه بقوله‏:‏ شكرا لكريستيان ديروش نوبلكور الأمينة بمتحف اللوفر‏,‏ وثروت عكاشة وزير الثقافة المصري‏,‏ اللذين دفعا اليونسكو إلي المشاركة في مشروع إنقاذ آثار النوبة‏.‏ وواضح من كلام هذا المؤلف أنه تصور عن غفلة أو سذاجة أن وزير ثقافة مصر كان موظفا عند السيدة نوبلكور في متحف اللوفر‏,‏ فقد قدم هذه السيدة علي وزير ثقافة مصر باعتبار أن السيدات يمررن أولا‏!‏ ولكني تغاضيت عن هذا السخف الذي أتي ممن لا أعرفه ولم أعرف له نصا شهيرا من قبل علي كثرة ما قرأت وعرفت‏

وإن كنت قد استشعرت أن هذا الكاتب قد استند فيما كتب إلي كومة أوراق وثرثرات أفاضت بها عليه السيدة نوبلكور‏,‏ وهي في مجملها كلها لا تفيد بحقيقة واحدة‏;‏ لأن الحقيقة الوحيدة التي عرفها القاصي والداني بشأن هذا الأمر هي أن ثروت عكاشة‏,‏ وزير ثقافة مصر‏,‏ يلحق به دائما لقب جليل شريف هو‏:‏ منقذ آثار النوبة‏,‏ حتي إن رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة ـ التي شرفت بمنحها إلي درجة الدكتوراه الفخرية في‏28‏ من سبتمبر عام‏1995‏ في احتفال مهيب ـ ذهب في كلمته بالحفل إلي أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة تقدم الدكتوراه الفخرية لثروت عكاشة عن مجمل إنجازاته الثقافية والفنية المتوجة بباقة من كتابات وتآليف متنوعة غير مسبوقة‏,‏ وهذا فضلا عن إنجازاته عندما كان وزيرا لثقافة مصر‏,‏ وما قدمه في عمله الوزاري من إضافات وإسهامات ثقافية وفنية مازالت باقية‏.‏ ورأي رئيس الجامعة أن المفخرة التي تتوج إنجازات المحتفي به هي نجاحه في إنقاذ آثار النوبة‏,‏ وإقناع دول العالم ـ ممثلة في منظمة اليونسكو الدولية ـ بأهمية مشاركتها في إنقاذ آثار النوبة من الغرق‏.‏

كما شرفني أيضا ما كان من انتخاب الأكاديمية البريطانية لي عضوا مراسلا منذ عام‏1975‏ إلي اليوم‏.‏ ويسعدني هنا أن أورد نص خطاب الأمين العام للأكاديمية‏,‏ حيث يقول‏:‏ لقد انتخبت عضوا مراسلا بالأكاديمية بترشيح من‏(‏ رابطة علماء الآثار البريطانية‏)‏ تقديرا لإنجازاتك الثقافية علي المستويين العالمي والقومي‏,‏ وعلي رأسها إنقاذ آثار النوبة‏,‏ وهذا فضلا عن جهودك في ميدان الفنون‏.‏

ويقول العالم الأثري السويدي‏,‏ البروفيسور تورني سافي سوديربيرج‏,‏ في كتابه‏(‏ معابد ومقابر النوبة القديمة‏:‏ الحملة الدولية لإنقاذ أبي سمبل ومواقع أثرية أخري‏):‏ إذا ما نظرنا فيما مرت به الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة‏,‏ وفي تلك الأسباب التي هيأت لها النجاح‏,‏ نجد من بين هذا كله أمورا ملحوظة كانت السبب وراءه‏,‏ يأتي علي رأسها العامل الشخصي‏.‏ فمن المشكوك فيه أنه كان سيكتب لهذه الحملة الوجود أصلا لو لم تضطلع بها شخصيات قائدة في مصر والسودان واليونسكو‏.‏ وهكذا كانت مبادرة الدكتور ثروت عكاشة بدعوة رينيه ماهيه إلي مصر في عام‏1959‏ لحث منظمة اليونسكو علي المعاونة في إنقاذ آثار النوبة ذات أهمية جوهرية‏.‏ وعلي هذا النحو كان لانتخاب رينيه ماهيه مديرا عاما لليونسكو بعد زمن قصير أثره في زيادة اهتمام اليونسكو برعاية هذه الحملة وإعطائها أولوية ملحوظة‏,‏ وما كان يمكن لهذه الحملة أن تستمر لولا ما بذل رجل المجلس التنفيذي المخضرم‏,‏ البروفيسور باولو كارنيرو‏,‏ من تفان وجهد ودبلوماسية‏.‏ هذا إلي كل من تشبعوا بـروح النوبة‏,‏ تلك الروح الحماسية النبيلة التي دفعتهم إلي مجابهة التحدي العظيم وبذل قصاري جهدهم في سبيل هدف عام‏.‏

وجاءت في العدد الثاني عشر من السنة الرابعة عشرة للطبعة العربية من مجلة رسالة اليونسكو مقالة بعنوان النوبة تتحول إلي معسكر هائل للحفر والتنقيب‏,‏ كتبها لويس أ‏.‏ كريستوف‏(‏ وهو ـ حسب ما جاء في ص‏21‏ من العدد نفسه ـ عالم فرنسي معروف في مجال الآثار المصرية القديمة‏,‏ والمندوب الرسمي لليونسكو في حملة إنقاذ آثار النوبة‏,‏ ومساعد السكرتير العام للمعهد المصري‏),‏ جاء فيها‏:‏ توجه وزير الثقافة والإرشاد القومي بالجمهورية العربية المتحدة إلي اليونسكو طالبا معونتها للتغلب علي مشكلة إنقاذ آثار النوبة‏..‏ وقد قوبل هذا النداء باستجابة سريعة‏.‏

ويقول الأستاذ الدكتور عبدالمنعم أبو بكر ـ أستاذ الآثار المصرية‏,‏ وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة ـ في كتابه بلاد النوبة الصادر عام‏1962,‏ ص‏86‏ و‏87: انتقلت مصلحة الآثار ومركز تسجيل الآثار في عام‏1959‏ إلي وزارة الثقافة والإرشاد القومي‏,‏ وبدأت هذه الوزارة تفكر جديا في الالتجاء إلي منظمة دولية كمنظمة اليونسكو للحصول علي المساعدات العلمية والفنية والمادية لإنقاذ هذه الآثار التي نعتبرها من التراث البشري‏,‏ ونري أن المحافظة علي هذا التراث واجب مقدس‏ وكلمة حق يجب علينا أن نسجلها هنا‏,‏ وهي أن الجهود التي بذلها ـ ولا يزال يبذلها ـ السيد الدكتور ثروت عكاشة ـ وزير الثقافة والإرشاد القومي ـ لاستكمال عناصر هذا المشروع الضخم ونقل العناية به من الحيز المحلي إلي الحيز الدولي‏,‏ لهي جهود سيسجلها التاريخ له علي صفحاته‏,‏ وسيستمر هذا المشروع مقرونا باسمه علي مدي العصور‏ والآن‏..‏ ماذا أقول بعد هذه الشهادات كلها؟‏!‏

****‏
هذا‏,‏ وكنتيجة لأحاديث هذه السيدة الحالمة التي انطلقت تشيعها كلما تيسر لها مستمع يصغي إليها عن دورها الرئيسي في إنقاذ آثار النوبة‏,‏ فقد فوجئت حديثا بصدور العدد رقم‏(522)‏ من المجلة الشهرية الفرنسية‏LeSpectacleDeMondeRealit'e,‏ الصادر في شهر أبريل من عام‏2006,‏ وقد احتوي مقالا بعنوان بورتريه الفرعونة الأخيرة‏,‏ وهو حديث جري بين الصحفي كريستين كليرك مع السيدة كريستيان نوبلكور عن ذكرياتها في مصر طوال سبعين عاما‏,‏ وعن أنه بدونها ما توهج الموروث الأثري الفرعوني القديم‏!..‏ وكان هذا بالطبع من قبيل انتهاز السيدة نوبلكور للفرصة‏;‏ لأن أي صحفي كان معاصرا لحملة الإنقاذ ما كان ليأخذ حديثها علي محمل الجد‏!‏

وبغض النظر عن سخافة عنوان حديثها الصحفي وزيفه‏,‏ فإننا لم نصادف في دراساتنا المصرية القديمة واحدة من فراعنة مصر تعود جذورها إلي أصول فرنسية‏!..‏ أما الشطح الذي تحلت به السيدة نوبلكور فهو إهدارها لأجيال متلاحقة من الأساطين والرواد في دراسة تاريخ وآثار فراعنة مصر‏,‏ إذ لم ينج من إهدارها هذا لا الرائد المصري ولا الرائد الأجنبي أيضا‏,‏ وبصفة خاصة لو كان فرنسيا أكاديميا من بني جلدتها ممن كانوا يسقطونها من حساباتهم‏!..‏ وما أكثر ما حاولت نوبلكور تعكير صفو العلاقات بين وزارة الثقافة المصرية وبينهم لدوافع شخصية ومنافسات تافهة قاصرة‏,‏ ومنهم من لا يزال بعد علي قيد الحياة شاهدا علي ما أقول‏!..‏

ثم تدعي هذه السيدة أنه نزولا علي رغبة وزير الثقافة الجديد ثروت عكاشة الذي كانت تربطها به‏(‏ أواصر صداقة قديمة‏),‏ قبلت الإشراف علي مشروع الصوت والضوء بهضبة الأهرام‏!‏ وحقيقة هذه الأواصر التي تدعيها‏,‏ أنها زارتني مرة واحدة لبضع دقائق في مكتبي بالسفارة المصرية بباريس عندما كنت أشغل منصب الملحق العسكري بفرنسا لتعرفني بنفسها‏,‏ ولم تكن أمور وزارة الثقافة بطبيعة الحال تدور بخلدي آن ذاك‏.‏

ثم انتقلت بحديثها الصحفي إلي أنها لم تكن تتقبل فكرة غرق معابد النوبة عندما قرر الرئيس عبدالناصر تشييد السد العالي بأسوان عام‏1954,‏ وهذا بالطبع موقف عاطفي يمكن فهمه في ضوء تعلقها الحميم بهذه الآثار‏.‏ ثم أردفت بأنها حال وصولها إلي محطة مدينة الأقصر ذات يوم عبر ذلك القطار المتهالك المعتاد ـ وكأنها لا تفوت فرصة تسنح لها لانتقادنا والسخرية منا بلسانها اللاذع إلا واغتنمتها بعد المعاملة الكريمة التي حظيت بها من مصر حكومة وشعبا ـ إذا بمفتش الآثار يفاجئوها بقوله إن وزير الثقافة يطلب منها الاتصال به فورا لأن رئيس الجمهورية يريد مقابلتها‏!..‏ كانت السيدة ـ فيما يبدو ـ تتصور أنها مبعوثة العناية الإلهية لإنقاذ آثار مصر التي ستدهمها مياه السد العالي فتغرقها‏,‏

ولذلك سارعت قاصدة القاهرة‏,‏ وقد خيل إليها أن مصر بأسرها تنتظرها بمحطة القطار لاستقبالها قبل أن تتوجه للقاء الرئيس‏,‏ فلما قابلته إذا هو يفاجئوها ـ كما تدعي ـ مخاطبا إياها بكلمة أنت دون كلفة‏,‏ قائلا‏:‏ أنا رجل عسكري بسيط‏,‏ ولم أكن أعلم شيئا عن شامبوليون‏,‏ كما لم أكن أعلم شيئا عن التاريخ العظيم لوطني‏,‏ إلي أن شاهدت العرض الرائع الذي أعددتيه لمشروع الصوت والضوء بالهرم يوم‏13‏ من أبريل عام‏1961,‏ وكشفت فيه عن الدور العظيم الذي أداه هذا الثري الفرنسي في فك أسرار رموز اللغة الهيروغليفية‏,‏ والذي لولاه لكان تاريخ بلادنا التليد مازال مجهولا‏!..‏ وهكذا تسجل السيدة الحالمة ما تدعيه علي لسان رئيس جمهورية مصر وكأنه يشكو لها حاله لأنه من زمرة العسكريين‏!..‏ ثم لا مانع في هذه المناسبة من أن تختلس بالمرة لحساب رصيدها المتخيل مشروع الصوت والضوء فتنسبه إلي نفسها وهو منها براء‏.‏

وتستطرد السيدة الأمينة السابقة في القسم المصري باللوفر فتقول‏:‏ إنها دهشت لهذا الذي أفصح عنه الرئيس‏!..‏ ثم إذا هو يفاجئها بقوله‏:‏ إنه امتنانا لفرنسا وطن شامبوليون‏,‏ فقد قررت إسناذ الحفائر بمعبد الكرنك إلي فريق الفرنسيين‏..‏ وهذا القول غير صحيح علي وجه الإطلاق‏;‏ إذ ينص القانون المصري ـ شأن أي قانون آخر في أي دولة متحضرة ـ علي أن المصري المتعب المتداعي‏,‏ ورئيس الدولة الذي لا يدري كيف يتعامل مع حسناء باريسية ككريستيان نوبلكور لم يلتق بها من قبل دون كلفة‏,‏ وهي في حالة نعاس عميق‏;‏ فقد انطلقت في أحلامها وأمانيها المتخيلة كيف شاءت‏,‏ فجاءت الأكذوبة عارية من الحقيقة جملة وتفصيلا‏,‏ إذ لم يحدث هذا اللقاء من الأصل‏.‏ ومما يجعلني أقرر هذا علي ذمتي وأوثقه مؤكدا‏,‏ أنه بالرجوع إلي السيد سامي شرف ـ وزير شئون رئاسة الجمهورية حين ذاك ـ وسؤاله عن حقيقة هذا اللقاء السري بين الرئيس الراحل وهذه السيدة صاحبة الأكذوبة الصارخة‏,‏ إذا هو يؤكد لي بثقة بعد رجوعه إلي ملفاته أن قدمها لم تطأ عتبة رئاسة الجمهورية قط منذ إعلان الجمهورية حتي اليوم‏!‏

وربما لا تدري السيدة المذكورة أني سجلت في يومياتي أني قد تشرفت بمقابلة الرئيس عبدالناصر يوم‏14‏ مارس عام‏1961‏ برفقة السيد فيتورينو فيرونيزي المدير العام لليونسكو‏,‏ ثم في‏14‏ مايو من العام نفسه‏,‏ ثم في‏10‏ أكتوبر وبعدها في‏31‏ أكتوبر‏,‏ ولم أسمع منه قط أنه التقي أثرية فرنسية تدعي كريستيان ديروش نوبلكور في أي يوم من الأيام ليلا أو نهارا‏..‏ فكأن مقابلتها المفتراة تلك قد جرت في الخفاء رغبة منها في أن تضفي أهمية خادعة علي ذاتها المنتفخة المتورمة‏!‏

وأود هنا أن أوجه إلي السيدة نوبلكور سؤالا محددا أرجو أن أتلقي عنه إجابة أمينة‏:‏ لماذا لم تمنحها منظمة اليونسكو في عهد أي من السادة المدراء العظماء‏:‏ فيتورينو فيرونيزي أو رينيه ماهيه ثم مختار أمبو ـ الذين توالوا علي رئاسة المنظمة في أثناء تنفيذ مشروعات الإنقاذ وكانوا يحيطون بكل صغيرة وكبيرة في مجري المشروع ـ أية ميدالية ذهبية أو فضية‏,‏ أو حتي من الصفيح‏,‏ اعترافا من منظمة اليونسكو بأفضالها وجهودها في حمل العالم علي إنقاذ آثار النوبة‏,‏ في حين أهداني رينيه ماهيه الميدالية الفضية وحدي يوم الاحتفال بإنقاذ معبدي أبي سمبل في‏22‏ سبتمبر عام‏1968,‏ ثم إذا هو يعيد الكرة بإهدائي الميدالية الذهبية في عام‏1970‏ بقاعة المؤتمر الذي عقد بفندق هيلتون‏,‏ بالقاهرة وحضرته وفود الدول المساهمة في إنقاذ معابد فيلة؟‏!‏

غير أن الاندفاع في السطو والادعاء تحول إلي تطاول علي رئيس مصر الذي شاءت نوازعها الدفينة أن تقدمه في صورة العسكري الجهول‏,‏ الذي لم يكن يعرف حتي وقت لقائها المزعوم به من هو الذي فك رموز اللغة الهيروغليفية‏,‏ في حين أنها معلومة استقرت في حافظة أبناء مصر الذين لا ينكرون الجميل‏;‏ فالصبي يعلمها قبل الرجل الرشيد من جميع كتب التاريخ المقررة علي تلاميذ المدارس المصرية في جميع مراحل التعليم‏!‏

تري‏,‏ هل يليق بسيدة مثقفة متحضرة أن تدعي مثل هذا الادعاء وتختلق أحداثا لم تقع فتصدقها وتعلنها كلما أتيحت لها فرصة لقاء مذيع أو صحفي‏,‏ مكررة إياها بإصرار علي صفحات كتبها وفي أحاديثها الصحفية والإذاعية والتليفزيونية بشتي أنحاء العالم لتقلب الحقائق وتبتدع ما يعن لخيالها ويرضي غرورها وأوهامها‏,‏ ومن بينها ذلك الحديث الذي عرض علي الجماهير المصرية وبثه التليفزيون المصري في عقر دارنا عبر أحد برامجه الشهيرة الذائعة‏,‏ حيث نسبت مشروع إنقاذ النوبة لنفسها دون حياء أو أمانة‏,‏ وسطت جهارا علي مشروع قومي للدولة المصرية بغرور وصلف غير مسبوقين‏,‏ ودون أدني اعتبار للحقائق الموضوعية الصحيحة المؤثقة دوليا‏,‏ وهي تعلم علم اليقين الحقيقة الناصعة التي غيبتها عامدة‏.‏

إن بعض الناس حين يتقدم بهم العمر يتمركزون حول ذواتهم ويبدأون في التفكير بوحي أمنياتهم‏,‏ أي ما يدعونه تطويع الأفكار للأماني‏WishfulThinking,‏ فيشرعون في قلب الحقائق‏,‏ ويحيون في فانتازيا الإنجاز الخارق الباهر وقد رسخ في أذهانهم أن ينسبوا لأنفسهم أي إنجاز حققه غيرهم‏,‏ فيسقطونه اغتصابا علي ذواتهم‏.‏ وهذه ـ كما نعرف جميعا ـ حيل دفاعية لا شعورية موجودة في بعض البشر عندما يركنون إلي التقاعد وما يلازمه من فراغ‏..‏ وأنا لا أقصد هنا إطلاق الأمر علي علاته‏;‏ إذ إني أحد هؤلاء المتقدمين في السن‏,‏ غير أن هناك من ينتهزون فرصة فراغهم لبذل المزيد من الإنتاج والإبداع‏,‏ وليس السطو علي جهود الغير دون وازع من ضمير أو حياء‏.‏

إن هذه السيدة لا تستطيع أن تنكر ما لقيته مني من إعزاز وتشجيع ـ بل وتدليل ـ لما كانت تبذله من جهود مخلصة خلال الشهرين اللذين كانت تقضيهما بمصر كل سنة‏,‏ ولهذا كلفتها دون غيرها ـ نظير مكافأة وعدتها بها من وزارة الثقافة ـ بانتقاء المادة العلمية المثلي من تاريخ مصر القديمة وأساطيرها كي تستخدم كنص مسرحي يصلح للعرض الدرامي المكشوف في منطقتي أهرام الجيزة والأقصر‏,‏ غير أن هذا العرض لم يتم لأسباب خارجة عن إرادتنا‏,‏ وبإمكان القارئ ـ إذا رغب في الاطلاع عليها ـ أن يجدها مبسوطة في مذكرات كاتب هذه السطور‏.‏ كما أني لم أدخر وسعا في سبيل تلبية ما أمكن من رغبات ضيوف مصر الكرام ـ زملاء تلك السيدة ـ الذين غادروا أوطانهم لإنقاذ آثارنا أو لتسجيل نقوشها في طقس شديد الحرارة معظم أيام السنة ببلاد النوبة دون انتظار مقابل‏;‏ تقديرا لإنجازاتهم المخلصة وتضحياتهم الأكيدة من أجل إنقاذ تراثنا التليد‏.‏

وذات مرة جاءتني السيدة نوبلكور في عام‏1959‏ لتخبرني أنها قد تعاقدت مع إحدي دور النشر البريطانية لإصدار كتاب يحتوي علي صور ملونة ونص كامل لحياة توت عنخ امون‏,‏ وأن المتحف المصري لن يلبي طلبها بفتح أبواب المتحف للمصورين ـ وكان أمرا محظورا وقت ذاك ـ راجية أن أصرح لها وللمصورين البريطانيين بمزاولة عملهم داخل المتحف وتصوير اللوحات والتماثيل المطلوبة‏.‏ وبعد تفكير وئيد استجبت بكل سماحة لطلبها‏,‏ وظهر كتابها الفاخر ـ بمقاييس ذلك الزمان ـ كما شاءت‏.‏ ولكن أن يصل إلي نفسها بالتمويه الماكر والسطو علي جهود الغير حتي بلغ بها الأمر أن تدعي ما تشاء في أي قناة يتاح لها الحديث فيها أو أي صحيفة تفرد مساحة لشقشقاتها وكأنما حكومة مصر وقت ذاك كانت تقف متفرجة بلهاء‏,‏ أو كأنما كانت وزارة الثقافة المصرية تعمل تحت إشرافها‏..‏ فتلك فرية غير قابلة للتصديق وزاخرة بالإفك والادعاء ولغو الكلام‏.‏ وما أصدق القول المأثور‏:‏ اتق شر من أحسنت إليه‏!‏

وبعد مضي ما يربو علي ثلاثين عاما من الاحتفال الذي أقيم يوم‏22‏ سبتمبر‏1968‏ بالانتهاء من إنقاذ معبدي أبو سمبل ورفعهما إلي موقعهما الجديد‏,‏ ابتدع مدير عام جديد لمنظمة اليونسكو مناسبة مختلقة‏,‏ وهي مرور ثلاثين عاما علي إنقاذ المعبدين في الأول من يونيو عام‏1999,‏ كي يقلد السيدة كريستيان نوبلكور ميدالية نزولا علي ضغوطها المكثفة‏,‏ وتخلصا من إلحاحها المتواصل الذي ذاع خبره وتناقلته ألسنة الجميع بالسخرية‏,‏ وهو أول مدير للمنظمة يرتقي المنصب بعد جيل قادة اليونسكو العظماء‏,‏ فيرونيزي وماهيه ومختار أمبو‏,‏ ولم يعاصر أية مرحلة من مراحل الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة‏,‏ فإذا هو يبتكر هذه الميدالية بعد فوات موعد تقديمها بوصفه شاهد ما شافش حاجة‏!.‏

ولما كان إهداء السيدة نوبلكور الميدالية منفردة سيبدو لونا من المحاباة المكشوفة وافتقادا إلي الجدية المنشودة‏,‏ فقد اقتضت الحبكة المسرحية المصطنعة إهداء الميدالية إلي شخصي أيضا ذرا للرماد في العيون وتسويغا للمناسبة‏.‏ وكان بإمكاني بطبيعة الحال تفنيد ادعاءاتها التي وردت في خطابها‏,‏ ومن قبله في الصحافة والإذاعة‏,‏ في أثناء إلقاء كلمتي في هذا الحفل‏..‏ ولكني أشفقت عليها وآثرت التصرف حيالها ـ مهما اقترفت ـ كرجل مصري مهذب تأبي عليه تربيته وخصاله أن يجرح كرامة سيدة بالتشكيك في ذمتها أمام جموع المحتفلين من أبناء شعبها‏!..‏ وإحقاقا للحق أقول‏:‏ لقد كان هناك كثيرون أولي بهذه الميدالية من السيدة نوبلكور‏,‏ أعني بعض أعضاء المجلس التنفيذي لليونسكو‏,‏ وكبار الإداريين بالمنظمة والأثريين والمعماريين والسياسيين والمختصين الذين تحملوا مشقة العمل لسنوات متواصلة في طقس بلاد النوبة القائظ دون كلل أو ملل‏,‏ وبذلوا جهودا خارقة كي يبتكروا حلولا ناجعة لما واجهنا من عقبات كان عصيا تجاوزها في شتي مشروعات ومراحل الإنقاذ‏.‏

وأخيرا‏,‏ فلست آسفا علي ما قدمت وقدمت مصر لهذه السيدة‏,‏ وإنما آسف عليها هي‏;‏ لأنها غنمت ما لا تستحق عن طريق مصادفة أدت إلي نشوء علاقة بينها وبين مصر التي رحبت بها وأكرمتها‏,‏ فما كان منها إلا أن استغلت تلك العلاقة استغلالا رخيصا لمصلحة نفسها بدا في أفعالها وتصرفاتها التي كشفت عن أنها في حقيقة الأمر لا تقدر مصر حق قدرها كما كانت تتظاهر دوما‏!‏

****‏
أذكر أن أول قرار اتخذته في مجال الآثار عندما أسندت إلي مهام وزارة الثقافة عام‏1958‏ كان يتعلق بأحد العلماء الفرنسيين الشوامخ‏,‏ وهو الأثري المهندس جان فيليب لاوبر‏,‏ الذي صرف حياته كلها حتي بلغ التسعين من عمره مشغولا بترميم المجموعة الجنائزية للملك زوسر في سقارة‏.‏ وكان قد فوجئ بعد تجميد العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا بحرمانه من تجديد التصريح اللازم لمواصلة رسالته العلمية التي وهب لها حياته بأسرها‏,‏ فسعي للقائي عن طريق صديق لي من الأطباء نابض القلب بالعواطف الجياشة‏,‏ وقد اغرورقت عيناه بالدموع حتي التهبتا‏,‏ ملتمسا أن ينال التصريح الذي يتيح له مواصلة رسالته العلمية التي تتطلب إشرافه الشخصي‏..‏ فوجدت نفسي حائرا بين تطبيق القواعد المعمول بها‏,‏ وبين تحقيق رغبته ـ التي هي رغبتنا بالمثل ـ والتي لم أشك قط في نيلها‏.‏ ولم ألبث أن كسرت طوق الحيرة ودعوته إلي استئناف العمل في اليوم نفسه متحملا مسئولية قراري‏.‏ وقد أثبتت الأيام أني كنت محقا في قراري‏;‏ فالإنجازات العظمي التي قام بها المهندس العبقري لاوير بسقارة كتبت لاسمه الخلود بعد أن أفني عمره لتحقيق أمنيته الغالية دون تطاول أو ادعاء‏.‏ فأين إذن كريستيان نوبلكور الفر
نسية من جان فيليب لاوير الفرنسي؟‏..‏ وأين الثري من الثريا؟‏!‏

د‏.‏ ثروت عكاشة
مستخلص من كتاب
إنسان العصر يتوج رمسيس مسيرة الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة الطبعة الثانية يصدر بالعربية عن دار الشروق وباللغة الإنجليزية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~