|
|
 |
حين سئل اسحق شامير رئيس وزراء اسرائيل وزعيم الليكود, بعد مؤتمر مدريد1991, كيف قبل في هذا المؤتمر المرجعيات والمباديء التي تقررت في المؤتمر وخاصة ـ الأرض مقابل السلام, ووقف بناء المستوطنات, وتقرير المصير للفلسطينيين, فقد كانت إجابته: كنت أنوي إطالة مفاوضاتنا مع الفلسطينيين لعشر سنوات.
لم يكن شامير يكشف سرا. لكنه يفصح عن نهج معروف للدبلوماسية الاسرائيلية, عندما تكون حكومتهم أمام وضع يضطرها الي الموافقة علي المضي في طريق لتسوية النزاع, فإنها تقيم في الطريق عقبات وعراقيل تجعل المفاوضات تدور حول نفسها, أو تنكفيء علي وجهها, تستهلك الجهد والطاقة, وتسرق الأمن ثم تعود الي نقطة البدء دون ان يكون شيء قد تحقق.
وقد عشنا فترة حكم كلينتون, منذ توقيع اتفاق اوسلو الثاني عام1995 بمشاركة كلينتون, وهي فترة انتعشت فيها الأماني بأن التسوية النهائية للنزاع في متناول اليد, وستتم قبل عام2000, حيث تكون اسرائيل قد أتمت مراحل إعادة الانتشار في الضفة الغربية, وانتقلت الي مفاوضات الوضع النهائي, التي تحل فيها كافة المشاكل المعلقة كاللاجئين, ووضع القدس, والمستوطنات وغيرها, ويكون قد اتفق علي قيام الدولة الفلسطينية.
لكن اسرائيل طبقت المبدأ الذي تحدث عنه شامير بالمماطلة وخلق العراقيل, وهو نفس الأسلوب الذي واصله شارون, ومن بعده أولمرت, بالإدعاء بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض. وهو أيضا ما جري لخريطة الطريق ووعد بوش بقيام الدولة الفلسطينية بحلول عام2005.
لهذا كان من المهم ان تتضمن مبادرة جامعة الدول العربية بقرارها الذهاب الي مجلس الأمن, العمل علي ربط عملية السلام بجدول زمني للتنفيذ, وعدم السماح بتركها مفتوحة, والإ عدنا الي نفس الدائرة المغلقة, وتمضي بنا السنوات دون نتيجة.
مسألة الجدول الزمني تضمنتها مبادرة الأمين العام للجامعة عمرو موسي, التي سلمها الي الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عند لقائهما في القاهرة الشهر الحالي, كما سلمت الي رئاسة مجلس الأمن متضمنة دعوة لعقد مؤتمر دولي يكون فيه لمجلس الأمن دور رئيسي واشرافي, وان تجري مفاوضات مباشرة قبل نهاية2006, بين اسرائيل وكل من الفلسطينيين وسوريا ولبنان, بهدف انجاز سلام عربي اسرائيلي يتحقق في مدي زمني محدد ومنظور.
ان خطة الجامعة العربية تستند الي حل للنزاع وفق مرجعيات مدريد91, وقرارات الأمم المتحدة, والاتفاقات التعاقدية, من أجل سلام عربي اسرائيلي, وليس حسب الوضع الذي دفعت اليه اسرائيل عملية السلام, بأن تكون سلاما اسرائيليا اسرائيليا, تضع هي شروطه ومواصفاته وتفرضها علي الطرف الثاني في النزاع, معتمدة علي التحول في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في عهد حكومة بوش.
وكان وزراء الخارجية العرب قد أطلقوا مبادرة الذهاب الي مجلس الأمن لأول مرة في يوليو الماضي, موضحين ان عملية السلام المستندة الي خريطة الطريق, قد ماتت, ومقترحين ان يعقد الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن لمناقشة هذه المبادرة في21 سبتمبر تقريبا.
وجاء رد الفعل المبدئي يعكس فتورا من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي, ظهر أولا من جانب جون بولتون السفير الأمريكي في الأمم المتحدة, وبعده من تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية برفضها اقتراح عقد مؤتمر دولي للسلام, ثم من شيمون بيريز النائب الأول لرئيس الوزراء, رافضا فكرة المؤتمر الدولي.
وليس مستبعدا ان تلجأ الولايات المتحدة الي محاولة ترميم الجزء الذي إنكسر من الدائرة المغلقة, بما تكشف علنا من حقيقة موت عملية السلام التي تتبناها, وذلك بطرح مبادرة أو تحرك جديد يوحي وكأن خريطة الطريق مازالت علي قيد الحياة, مستخدمة في ذلك ضغوطا دبلوماسية هنا وهناك. حتي نعود لندور حول أنفسنا من جديد.
وهي الدائرة التي أحكم صنعها من يوم مجيء المحافظين الجدد الي الحكم مع بوش في يناير2001,. والتي أغلقت الطريق المتصل الذي كانت تمضي فيه الأطراف نحو التسوية النهائية للنزاع ـ أو هكذا كنا نأمل ـ منذ ان أقرت حكومة كلينتون من بعد بوش الأب, مرجعيات مدريد91.
وكانت بمثابة قوة دفع لاتفاقات أوسلو, باعتبارها مرحلة ستؤدي الي إتمام الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة, وتعقبها مفاوضات الوضع النهائي التي يتم فيها حل بقية المشكلات المعلقة والتي تنتهي بإقامة الدولة.
ثم ها نحن نجد أنفسنا بعد أكثر من عشر سنوات علي اوسلو, وقد اوقفت اسرائيل انسحاباتها من الضفة, واعادة كل سلطات الدولة المحتلة الي المناطق التي كان قد بدا فيها اعادة الانتشار, انتهاكا لأوسلو.
ولم نر من وعود ادارة بوش سوي كلمات دون فعل. فقبيل حرب العراق, وكانت المطالب العربية قد تصاعدت تلح من أجل دور أمريكي فاعل ونزيه لحل المشكلة الفلسطينية, كانت الرسائل تصدر عن واشنطن تقول ان الطريق الي القدس يمر أولا ببغداد. بمعني أن حل القضية الفلسطينية, سيكون التزاما أمريكيا تاليا لحرب العراق. .. فهل حلت القضية؟ وجاء بوش الي المنطقة مؤكدا مبادرته خريطة الطريق, وتعهد وهو في العقبة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي والفلسطيني, بإلزام الطرفين ـ بقوة نفوذ الولايات المتحدة ـ بإنهاء النزاع, وقيام دولة فلسطينية بحلول عام2005.. .. ثم لا شيء لقد كانت السياسة الاسرائيلية مدعومة بنفوذ امريكا, هي عملية استنزاف لعملية السلام, وجهدها وطاقتها, بحيث لم يبق في جسدها ما ينبيء بأنها مازالت علي قيد الحياة.
واذا كنا لا يزال لدينا بقية من أمل, في أن ترجع الولايات المتحدة عما فعلته بعملية السلام, فإننا في الوقت نفسه لا نجد صعوبة في ان نضع أمام أعيننا, كتابات وأوراق عمل, وبرامج المحافظين الجدد, ونعيد قراءتها لنجدها تتحدث بصراحة متناهية, عن رفضها عملية السلام, واوسلو, ومرجعياتها بما فيها: الأرض مقابل السلام, والدولة الفلسطينية المستقلة, وبأن اغتيال هذه العملية ـ في نظرهم ـ هدف خير وأخلاقي!
وهذا هو المسار الذي اتخذته سياستهم منذ أول يوم لوصولهم للسلطة مع بوش في يناير2001, فهل يمكن أن تعيد الينا عملية الذهاب الي مجلس الأمن الأمل المفقود؟! |
|
|
|
|
|