|
|
|
الوجه الآخر
| 43752 | السنة 131-العدد | 2006 | سبتمبر | 20 | 27 من شعبان 1427 هـ | الأربعاء |
|
التجارب العالمية.. بين النجاح والتعثر
|
كتب: هاني عسل |
 |
ربما سيأتي علي الإنسان يوم ما يجلس فيه بأريحية ليبدأ في تقويم نتائج سياسات الخصخصة التي اتبعتها كل دولة علي حدة في عصرنا الحالي.
فتجارب الخصخصة بين الدول اختلفت من حيث النجاح والفشل, والإيجابيات والمخاطر, بحسب ظروف كل دولة, وبحسب المرحلة التاريخية التي تمر بها, بل إن الخصخصة كفكرة أو كمبدأ اقتصادي لم ينته زمنه ولم ينقرض, فمازال يفرز يوما بعد آخر الجديد من المزايا والعيوب.
بعض التجارب حققت نجاحا منقطع النظير مثل النماذج الغربية, ونموذج إنجلترا علي وجه التحديد, ومثل تركيا وشيلي, وبعضها الآخر حقق نتائج سلبية أثرت علي الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مثل المكسيك والفلبين.
ولكن من أبرز التجارب التي يمكن أن نتخذها مثالا عند الحديث عن الخصخصة: التجربة الروسية باعتبار أنها الأقرب والأضخم من نوعها في العصر الحديث, وباعتبار أنها حالة تحول360 درجة في اقتصاد دولة كانت في يوم من الأيام تعتبر الخصخصة والملكية الفردية وإبعاد دور الدولة عن إدارة المؤسسات رجسا من عمل الشيطان!
وهناك أسماء محددة ساعدت علي انطلاق قطار الخصخصة في روسيا, بداية من ميخائيل جورباتشوف قائد ثورة' البيروسترويكا', ثم بوريس يلتسين أول رئيس لروسيا الاتحادية الذي آمن تماما بالفكرة وعقد العزم علي تنفيذها, ولكن الاسم الأبرز هو للاقتصادي اللامع أناتولي تشوبايس الذي عهد إليه يلتسين إبان سنوات حكمه الأولي وضع خطة بيع القطاع العام, ولهذا يوصف تشوبايس بأنه' مهندس' عملية الخصخصة في روسيا التي اختلفت حولها الآراء.
كانت المشكلة في البداية ليست في الخصخصة وحدها, بل في مبدأ اقتناع الروس أولا بفكرة الانتقال من الاقتصاد المركزي الموجه إلي اقتصاد السوق, كما أن بقايا الحزب الشيوعي في ذلك الوقت, والموجودة حتي يومنا هذا, ظلت تحارب الفكرة منذ بدايتها, ومع ذلك فقد بدأت عمليات بيع مؤسسات الدولة تدريجيا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي, وإن بقيت الدولة مسيطرة علي قطاعات استراتيجية مثل النقل والطاقة والصناعات العسكرية.
وبحلول عام1994 كانت أكثر من15 ألف شركة ومؤسسة من الحجم الكبير والمتوسط قد تمت خصخصتها, وكان يعمل في هذه المؤسسات نحو80% من قوة العمل في البلاد, وذلك بموجب المرحلة الأولي من برنامج الخصخصة الروسي.
ولكن في النصف الثاني من العقد الأخير للقرن الماضي, بدأ الروس أنفسهم يستشعرون سلبيات الخصخصة من تشريد للعمال وانتشار عمليات غسل الأموال وتنامي ظهور طبقة الاحتكاريين الرأسماليين الجدد الذين كونوا ثروات طائلة, وظهر الكثير من قضايا الفساد, فبدأت الدولة بعض محاولات لـ'فرملة' قطار الخصخصة السريع, عن طريق محاكمة اثنين من كبار رجال الأعمال اللذين ظهرا في هذه السنوات مثل بوريس بيريزوفيسكي وفلاديمير جوسينسكي, كما تمسك الكرملين أو الدولة بصفة عامة- بتعزيز السيطرة علي وسائل الإعلام, خاصة شبكات التليفزيون الرئيسية, مثل قناة روسيا التليفزيونية, وهي شبكة وطنية تديرها شركة الإذاعة والتليفزيون الروسية المملوكة للحكومة, والقناة الأولي, وهي شبكة وطنية تمتلك الحكومة51% منها والباقي ملك لحملة أسهم.
وعلي الرغم من نجاح الاقتصاد الروسي في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وفي تحقيق الكثير من المكاسب, فإن التجربة البولندية في الخصخصة ما زالت توصف بأنها أكثر تجارب التحول إلي الخصخصة في دول أوروبا الشرقية كلها نجاحا, والفارق بينها وبين التجربة الروسية هي أن بولندا نظرت إلي الخصخصة كوسيلة لتحقيق الرخاء الاقتصادي, بينما نظرت إليها روسيا علي أنها هدف في حد ذاته اقتضته التغييرات السياسية في الدولة.
وهنا أيضا تجدر الإشارة إلي النموذج الصيني الفريد من نوعه, حيث نجحت الصين في دخول نظام السوق بحذر وتدرج وبمشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص وحققت مكاسب تحسد عليها, وذلك لأنها نجحت في تحقيق المعادلة الصعبة بوضع برنامج تحول اقتصادي يعتمد علي الرؤية المحلية والطبيعة الخاصة للمجتمع الصيني, وحققت بالفعل أسرع معدل نمو بين كل الاقتصاديات الكبري في العالم خلال الـ20 عاما الماضية, وأنشأت اقتصادا جديدا تماما يثير رعب القوي العظمي كلها, ولا يكاد يوجد له نظير في قوته وجبروته.
وأبرز ما فعلته الدولة في الصين أنها لم تتعجل البدء في هذا البرنامج, بل اطلعت أولا علي تقويم السنوات الأولي من تجارب الآخرين, ومن بينهم روسيا, فلم تسارع مثلا في بيع القطاع العام, ولكنها أنشأت وشجعت علي إنشاء مؤسسات خاصة قوية تستطيع منافسة القطاع العام وإضعاف قوته بشكل تلقائي هاديء وطبيعي ودون الإضرار بهذا القطاع أو إلغائه تماما.
ويجب ألا ننسي هنا أن صراع المنافسة وفتح الأسواق كان في مصلحة الصادرات الصينية ولم يكن ضدها, وهذه حالة فريدة من نوعها, ولهذا فإن عمليات التحول الاقتصادي هذه لم تؤد إلي تحولات اجتماعية سلبية تذكر, في حين أدت سياسات الخصخصة بلا تحفظ إلي انهيارات اقتصادية واجتماعية في روسيا وشرق أوروبا ودول كثيرة في العالم.
وفي المكسيك مثلا, اتخذت تجربة الخصخصة طابعا أكثر درامية علي عدة أصعدة, فقد بيعت نحو ألف مؤسسة مملوكة للدولة منذ عام1983, إلا أن عمليات البيع هذه بدلا من أن تؤدي إلي تحولات إيجابية في وضع هذه المؤسسات وإلي التنافسية الإيجابية, أدت إلي نتائج عكسية, كما أنها أدت إلي تغلغل استثمارات أجنبية ضخمة في قطاعات حساسة, وهو ما ظهر في عملية خصخصة مؤسسة' تيليفونوس دي ميكسيكو' أو' تيلميكس', وهي شركة الاتصالات المملوكة للحكومة.
وكان البرنامج قد بدأ عقب أزمة الديون المكسيكية الشهيرة في عام1982, وذلك بناء علي اتفاق مع صندوق النقد الدولي, وبدأت المشاكل سريعا في عام1988 عندما ردت الحكومة علي إضراب عمال شركة طيران' أيرو ميكسيكو' بإغلاق الشركة كلها وفصل موظفيها وعددهم12 ألف شخص, وحدث الشيء نفسه في شركة كبري للنحاس, وهي تغيرات دفعت الحكومة إلي مراجعة سياسات الخصخصة كلها, خاصة بعد أن اعترف البنك الدولي بأن التسريع في الخصخصة في المكسيك أدي إلي تركيز الثروات في أيدي فئات محدودة وإلي زيادة الاحتكارات.
وتجدر الإشارة هنا إلي أن تجربة الخصخصة المصرية, بكل إيجابياتها وسلبياتها, تعد' عالميا' من التجارب الجديرة بالدراسة, وجولة سريعة علي مواقع الإنترنت العالمية المتخصصة في الشئون الاقتصادية وبالذات في مجال عمليات الخصخصة كفيلة بالاطلاع علي تقييمات راقية للخصخصة في مصر وتتحدث عنها بكثير من التقدير, خاصة ما جري في قطاع الاتصالات.
إذن, فتطبيق الخصخصة لا يختلف كثيرا في الدول النامية عن الدول الغنية, فهي تعتمد علي طريقة التطبيق, والتدريج المقنن والمحسوب, وتعتمد علي مدي تيقن القائمين علي تنفيذ برنامج الخصخصة من مدي تواؤم مراحل البرنامج مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بكل دولة, لأن لكل دولة مقوماتها ونقاط قوتها الاقتصادية ونقاط ضعفها, ويجب مراعاة الابتعاد عن التسرع في البيع, وعدم التعامل مع الخصخصة علي أنها هدف في حد ذاته كما فعلت روسيا في البداية, والأهم من ذلك:' الشفافية' في عمليات العرض والبيع والتحديث, فهي الكلمة المفتاحية أو الـKeyword في نجاح عملية الخصخصة في أي مجتمع.
hany_assal@hotmail.com |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|