تحقيقات

43682‏السنة 130-العدد2006يوليو12‏17 من جمادى الآخرة 1427 هـالأربعاء

معرضة للضياع نظرا لعدم تسجيلها
المقابر الملكية‏..‏ غير أثرية‏!‏

تحقيق ‏:‏ ماري يعقوب
مقابر أسرة محمد علي باشا الكبير‏,‏ التي تحوي جثامين عدد كبير من أبنائها وأحفادها‏..‏ خلف مسجد الإمام الشافعي‏..‏ تعيش أسوأ حالاتها حاليا‏,‏ إذ تواجه خطر السرقة والأهمال‏,‏ ولا يعرف الترميم طريقه إليها‏,‏ والعديد منها لم يسجل أثرا‏,‏ كما أن حراستها غير كافية‏..‏ مما يهددها بالضياع‏,‏ ويحرم قطاع الآثار من تراث يحكي جزءا من التاريخ المصري الحديث‏,‏ الأمر الذي يتطلب تدخلا عاجلا لانقاذ هذه المقابر‏,‏ وتسجيلها جميعا‏,‏ مع وضع خطة عاجلة لترميمها والاهتمام بها‏.‏

وعلي الرغم من أن المكان يعرف بالمتحف ـ بحسب وصف سكان المنطقة وخفراء الجبانات ـ فإنه مجهول تماما لأي مصري‏,‏ ومع ذلك فهذه الأماكن زوارها من الأجانب الذين يصلون اليها عن طريق سائقي التاكسي من هواة العمل في الأماكن السياحية‏,‏ ذلك أنها لم توضع علي خريطة مصر السياحية برغم فخامتها وأهميتها التاريخية‏,‏ وعمارتها النادرة‏.‏

مجموعة المقابر تقع تحت ثلاث قباب كبيرة الحجم وبجوارها ثلاث أخري متوسطة‏..‏ هذه القباب محمولة علي أعمدة حجرية مربعة البناء‏..‏ كما أن الأضرحة حظيت بعمارة ونقوش بديعة‏,‏ بينما مدخل المدفن تعلوه قبة صغيرة تتدلي منها ثريا نحاسية قيمة‏,‏ وهو يؤدي الي صالة كبيرة ذات بابين يؤديان الي حديقة المدفن وحجرة الحارس‏,‏ وفي نهاية الصالة باب كبير يؤدي الي داخل المدفن‏.‏

وأول ما يقابل الزائر ضريح نور هانم والدة الخديو عباس‏,‏ وهو من أضخم وأفخر الاضرحة النسائية بمجموعة مدافن الإمام الشافعي‏..‏ وطوله نحو ثلاثة أمتار‏,‏ وعرضه متر ونصف المتر‏,‏ وارتفاعه عند الشاهد‏4‏ أمتار‏,‏ وهو من الالبستر النادر‏.‏

ويمزج الضريح ـ مثل معظم مقابر الأسرة المالكة ـ بين البناء الهرمي الذي اتبعه قدماء المصريين‏,‏ وبين الطراز العربي والإسلامي في نقوشه ووجود شاهد القبر أعلي الضريح‏.‏

وكان الخديو توفيق قد أنشأ هذا المقام لوالدته عام‏1301‏ من الهجرة‏,‏ وهو تاريخ وفاتها بحسب مانقش عليه كما يعلو الشاهد تاج الملكلة من المرمر‏.‏

وعلي يسار الضريح يرقد الخديو عباس الأول تحت ضريح يساوي في فخامته وروعة نقوشه ضريح نور هانم‏,‏ ويتكون أيضا من ثلاثة طوابق منقوشة بأشكال نباتية وعربية جميلة يعلوه شاهد كتب عليه باللغة التركية تعريف بصاحب القبر‏,‏ والدعاء له‏,‏ ويعلو الشاهد الطربوش التركي‏..‏ وقد أحيط هذا القبر بسور نحاسي ضخم منقوش بأشكال هندسية مفرغة‏,‏ وبني هذا السور ليفصل بين قبر نور هانم‏,‏ وقبر الهامي باشا شقيق الخديو عباس وضريحه طابقان من الرخام المزخرف‏,‏ وقد نقشت عليه الآيات القرآنية‏.‏

وتعتبر المقابر الثلاث مجموعة مستقلة تقع بمدخل المدفن تحت إحدي القباب الدائرية الكبيرة‏.‏

كما توجد تحت القبة المجاورة عدة أضرحة لزوجات الخديو عباس‏,‏ وبعض بناته‏,‏ وصممت من الرخام الفخم بثلاثة طوابق‏,‏ ونقشت عليها أشكال عربية وهندسية‏.‏

وتتميز هذه المجموعة بألوانها الجذابة والمتناسقة‏,‏ وتتضمن فتحية هانم والأميرة شمس زوجتي الخديو عباس‏,‏ والأميرتين ملك وانجي زوجتي خديو مصر محمد سعيد باشا الذي يرقد في مكان آخر من المدفن في ضريح لا يقل فخامة وجمالا وروعة عن ضريح الخديو عباس الأول‏,‏ والي جواره يرقد الأمير أحمد بن ابراهيم باشا‏,‏ والأميرة عين الحياة والدة محمد سعيد باشا‏,‏ التي توفيت عام‏1265‏ هجرية‏.‏

وكذلك يتضمن المدفن قبر الأمير طوسون باشا ابن سعيد باشا والي مصر وولديه محمد ومحمود‏,‏ والأمير محمد علي ابن اسماعيل باشا‏,‏ وبعض أفراد الأسرة مثل رقية هانم والأميرة زينب أبناء يكن باشا شقيق نور هانم زوجة محمد علي‏,‏ وهناك ضريح يضم الأمير محمود بن محمد سعيد باشا الذي توفي وهو طفل صغير‏.‏

ولعل أبرز من دفن في هذه المقابر هو ابراهيم باشا ابن محمد علي القائد العسكري الذي قاد الجيوش المصرية حتي وصل بها الي مشارف القسطنطينية عاصمة الخلافة الاسلامية‏,‏ آنذاك‏,‏ وضريحه يتكون من ثلاثة طوابق هرمية من المرمر الايطالي‏,‏ ومنقوش بالكامل من القاعدة الأرضية حتي أعلي الشاهد بأشكال نباتية وعربية علي الطراز الإسلامي ويمثل في بنائه وزخارفه وحدة هندسية متكاملة الشكل في تناسق هو غاية الروعة والكمال‏.‏

ويعلو الضريح شاهدان للقبر الأول كتب عليه أبيات الشعر والمدح والرثاء‏,‏ والآخر كتب عليه تعريف بصاحبه باللغة التركية ويعلوه الطربوش التركي باللون الأحمر‏.‏

أما في الخارج فتوجد مجموعة من المدافن أشار اليها حارس المكان بالمدافن الجماعية لبعض أفراد الأسرة‏,‏ كما يقال إن تحتها يرقد الأربعون مملوكا ضحايا مذبحة القلعة‏.‏

مظاهر الإهمال
وعلي الرغم من أهمية هذا المدفن الذي يضم كثيرا من رفات حكام مصر في عصر تاريخي مهم‏..‏فإنه لايحظي بالرعاية‏,‏ فبعد ان تمت مصادرته صار فترة في حوزة الأوقاف ثم حاليا يتبع قطاع الآثار الاسلامية والقبطية بالمجلس الأعلي للآثار‏..‏ حيث تلاحظ مظاهر الإهمال وتصدع القباب من الداخل وتدهور النقوش بها ونزع جداريات كاملة من جدران المقابر وسرقتها بالاضافة الي سرقة بعض المقتنيات الثمينة مثل قطعة من كسوة الكعبة المشرفة لم تكون مسجلة كأثر‏!!,‏ كما يتضح للعيان آثار الإهمال الذي يتعرض لمقبرة أبناء الخديو اسماعيل للتمليح والتفتت‏,‏ كما تبدو مظاهر الترميم الخاطئ بالأسمنت والجبس والمواد القابلة للتفاعل مع الرخام والتي تعمل علي تآكل الحوائط والجداريات‏.‏

وكما هو الحال لا يختلف حال مدافن أفندينا التي تقع تحت سفح الجبل‏,‏ حيث اقيمت قلعة صلاح الدين ومسجد محمد علي من جهة الشمال الشرقي وتحديدا بمنطقة المجاورين‏,‏ تقع مدافن افندينا ـ كما يطلق عليها سكان المنطقة ـ وهي عبارة عن قطعة أرض كبيرة استقطع جزء كبير منها لطريق الأوتوستراد‏.‏

والمدفن له باب من الجهة الشمالية من الحديد يؤدي الي حديقة كبيرة وبعض الحجرات لإقامة الزوار والحرس ويتوسط الحديقة ممر يؤدي الي المدفن الذي شيده محمد توفيق خديو مصر منذ مايقرب من‏185‏ عاما‏,‏ وهو عبارة عن قبة ضخمة محمولة علي أربعة أعمدة وتحيط بها أربع قباب صغيرة‏,‏ حيث يوجد أسفلها ضريح بنبا قادن إحدي زوجات محمد علي وهي أول من دفن بهذه المدافن وضريحها يشبه ضريح نور هانم بمدافن الامام الشافعي‏,‏ فهو مكون من ثلاثة طوابق هرمية بارتفاع خمسة أمتار مع الشاهد ونقوشه محلاة بماء الذهب مع الألوان الأخضر والأزرق‏.‏

كما تضم القاعة ضريح الخديو عباس حلمي الثاني‏,‏ وتضم قبر أمينة هانم ابنة الاميرة الهامي والدة الخديو عباس الثاني وبجوارها قبر الأمير محمد صاحب قصر المنيل‏.‏

كما تضم القاعة ضريحين من الخشب الثمين أحدهما للأميرة فتحية ابنة الخديو عباس حلمي الثاني‏,‏ والثاني لشقيقها الأمير محمد عبدالمنعم‏,‏ وعلي مقربة من مقابر افنديا يقع قبر شويكار هانم ابنة إبراهيم باشا الذي بني عام‏1947.‏

أما خارج المقابر فتوجد مدرسة قديمة لتحفيظ القرآن لم تسجل كأثر‏!‏
في قطاع الآثار القبطية والإسلامية بهيئة الآثار يقول أحد المسئولين‏:‏ إن منطقة الغفير تضم العديد من المقابر التاريخية ذات القيمة الفنية والجمالية‏,‏ وللأسف لم تسجل كآثار‏,‏ ومثال ذلك قبرا الأميرة شويكار وآسمة حليم ويقعان امام أمير كبير بمنطقة الغفير‏,‏ كذلك الحال مع مدفن الحلبي الذي يزيد عمره علي‏90‏ سنة‏,‏ ومدفن عمر مكرم برغم قيمته التاريخية‏.‏

ويقول الدكتور محمد الششتاوي رئيس قسم التوثيق بالقطاع أنه طالب أكثر من مرة بتسجيل هذه الأماكن حماية لها من السطو والسرقة وتغيير المعالم التي كثيرا ما تحدث من قبل الحراس بها‏,‏ كما أن بعض هذه الأماكن تم السطو عليها وتغيير معالمها وبيعها كجبانات دون مراعاة لأي معايير‏.‏

التسجيل والترميم
‏..‏و عن شروط تسجيل الأثر يقول‏:‏ هناك لجنة من الأثريين تقوم بتطبيق الشروط علي المكان علي أن يكون له تاريخ أو أن يكون ذا قيمة فنية ومعمارية ومر عليه عدد من السنوات تضفي عليه هذه القيمة التي قد تصل الي مرقد أو أقل قليلا‏,‏ كما انه علي موظف الآثار الموجود بالمنطقة التابع لها الأثر المطالبة بتسجيله‏,‏ ولكن مايحدث عكس ذلك إذ لم يسبق لهم المطالبة بتسجيل تلك المباني النادرة‏,‏ وعلي الرغم من ذلك قمت بصفتي مرات عدة بالمطالبة بتسجيل هذه الآثار‏,‏ ولكن هناك عراقيل تبرز قد تكون من جهة حراس هذه الأماكن أو أصحابها‏.‏

وعن خطة الترميم يقول الدكتور عبدالله كامل رئيس قطاع الآثار الاسلامية والقبطية‏:‏ هناك خطة للترميم تتم بأولوية للآثار الأكثر تضررا‏,‏ وحاليا تجري أعمال الخطة بمنطقة وسط القاهرة‏,‏ حيث تم البدء بآثار شارع المعز لدين الله الفاطمي‏,‏ وحين الانتهاء يتم تناول مناطق أخري أقل معاناة‏,‏ حيث إن المشروع بقاهرة المعز لدين الله الفاطمي يتناول تغيير كل شبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء وشد وترميم عدد كبير من المباني الأثرية التي تأثرت علي الرغم من ان بعضها تم ترميمه عام‏1986.‏

أما بالنسبة للمقابر التاريخية فهي تعتبر ـ الي حد ما ـ محمية من عوامل التدهور قياسا بالمناطق الأثرية الواقعة بقلب المناطق السكنية ولكنها تدخل ضمن الخطة بحسب احتياجها‏.‏

لا مسجلة ولا مدرجة
لكن المشكلة تكمن بوضوح في آثار منطقة السيدة نفيسة‏,‏ حيث تظهر مشكلة المياه الجوفية مهددة عددا من الآثار والقباب القيمة‏,‏ ومنها قباب أم الصالح والأشرف خليل والخلفاء العباسيين‏,‏ والسيدة سكينة‏,‏ وعتكة والجعفري‏,‏ وهذه المناطق لم يتم ـ للأسف ـ وضعها في جدول الترميم اضافة الي انها غير مدرجة علي الخريطة السياحية‏,‏ وهناك خطورة عليها من أبناء العشوائيات المحيطة بها‏,‏ حيث تتعرض للانتهاك واستغلالها في أعمال غير ذي هدف‏,‏ وقد يرجع ذلك لضعف الحراسة‏,‏ فهي غير كافية وهناك عجز في أفراد الحراسة والأمن يجري تعويضه حاليا من قبل قطاع الآثار الاسلامية بتعيين أفراد أمن‏,‏ حيث إن كل من يخرج للمعاش لا يتم تعيين بديل له منذ سنوات طويلة مما جعل أسلوب الحراسة في حالة قصور‏.‏

الدكتور حجاجي ابراهيم ـ إستاذ ترميم الآثارـ يري أن من حسن الحظ أن معظم الآثار الاسلامية والمسيحية غير مسجل ويري في ذلك حرية للأثر في ادارته‏,‏ مشيرا الي انه بخضوع الآثار للقطاع تتعرض لكثير من المعوقات ومنها قصور عمليات الترميم أو بخضوعها للترميم من قبل بعض غير المتخصصين ومثال ذلك مسجد قراقوجيا الحسني بمنطقة درب الجماميز بالسيدة زينب الذي يسمي مسجدا بلا مئذنة‏,‏ ومئذنة بلا مسجد‏,‏ وله أسلوب فريد من نوعه في العمارة‏,‏ وقد تعرض لأخطاء في الترميم من قبل المقاول‏,‏ حيث تعرض جدار القبلة للميل وهو علي وشك الانهيار نتيجة اسناد أعمال الترميم لغير متخصصين‏,‏ وكذلك لم يتم تسجيل معظم الآثار الاسلامية‏,‏ كما أنه عندما يتم تسجيل أثر مثل مسرح الدراويش بالحلمية الجديدة الذي قامت البعثة الايطالية بتسجيله بعد ترميمه الترميم المعماري السليم‏,‏ وكان قد شيد قبل عام‏1005‏ هجرية وعقد به مؤتمر الموسيقي العربية الأول عام‏1932,‏ وهو مبني فريد من نوعه‏,‏ حيث يجمع بين الفكر السني والشيعي الذي بني علي مدرسة سنقر السعدي المؤرخة عام‏721‏ هجرية ويرجع الي العصر المملوكي ـ فعندما قامت البعثة بتسجيله وترميمه صادفها كثير من المعوقات من جانب قطاع الآثار‏,‏ اما بالنسبة لأسلوب الترميم السليم فلابد من التفرقة بين عمل المقاول والمرمم المتخصص‏,‏ فالترميم يعني علاج وصيانة الأثر بشرط ألا يفقد أثريته‏,‏ وعدم استخدام مادة مضرة بالأثر علي المدي البعيد الي جانب متابعة الأثر بعد ترميمه‏.‏

أما الأخطار التي يمكن أن تهدد المبني الأثري فمنها الزلازل والبراكين والحرائق والمياه الجوفية والصرف الصحي والأملاح والفطريات واساءة استخدام المنشأة وتغيير الهوية أو المذهب‏,‏ كما حدث في جامع الحاكم بأمر الله عندما قامت طلائع البهرة بترميمه وأجبرت المسئولين عن الاثار الاسلامية علي ازالة كل ما بني في العصور اللاحقة للدولة الفاطمية‏,‏ أي ازالة المباني السنية برغم انها أخذت الصفة الأثرية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~