قضايا و اراء

43653‏السنة 130-العدد2006يونيو13‏17 من جمادى الأولى 1427 هـالثلاثاء

د‏.‏ أحمد عبدالله والحركة الطلابية
بقلم : د‏.‏ أحمد جمال الدين موسي

انتابتني مشاعر حزن عند قراءة خبر وفاة الدكتور أحمد عبدالله رزة الخبير والناشط السياسي‏,‏ حيث عادت بي الذاكرة لأكثر من أربعة وثلاثين عاما‏,‏ وبالتحديد لشهر يناير عام‏1972,‏ حيث كان أحمد عبدالله يحتل موقع قيادة الحركة الطلابية في جامعة القاهرة التي كنت أحد المشاركين فيها‏.‏ إنني أسترجع اليوم ورغما عني شريط الذكريات لذلك الشهر المتميز في تاريخ الحركة الطلابية الوطنية المصرية الذي عبر فيه طلاب مصر بمساندة مثقفيها عن الارتباط بالوطن وقضاياه المصيرية التي كانت تتمثل حيئذ في مطلب وحيد هو غسل عار الهوان الذي تسببت فيه هزيمة عام‏1967‏ وتحرير التراب الوطني‏.‏ كان حديث الرئيس الراحل أنور السادات في واحدة من خطبه عن تسبب الضباب في تأخير الاستعداد لمعركة التحرير هو القشة التي قصمت ظهر البعير‏,‏ حيث اعتبرها الطلاب تهربا وتأجيلا غير مبرر عن معركة الحسم التي وعد بها الرئيس التي لا مفر منها لاسترداد التراب والكرامة‏.‏ في ذلك الشهر أضحي حرم جامعة القاهرة ساحة متميزة للناشطين من الطلاب والأساتذة وكان أغلبهم يعارض موقف الرئيس السادات علي حين كان البعض‏,‏ خاصة من الأساتذة يدافع عن مواقف الرئيس ويلتمس له العذر‏.‏

كانت الندوات تعقد في معظم الكليات وصحف الحائط‏,‏ تملأ الأفنية والطرقات‏,‏ والقصائد الشعرية ورسوم الكاريكاتور تغطي معظم الحوائط وكان الجميع ينغمس في نقاش حر تنطلق فيه الأفكار والمشاعر مع احترام فريد للرأي والرأي الآخر‏.‏ وكان أساتذتنا الكبار الذين كان من أبرزهم الدكاترة عبدالمنعم البدراوي عميد كلية الحقوق ورفعت المحجوب عميد الاقتصاد والعلوم السياسية وعاطف صدقي أمين الاتحاد الاشتراكي وأحمد فتحي سرور رائد اتحاد طلاب الحقوق وغيرهم يشاركون بفاعلية في الندوات والحوارات الجانبية‏,‏ يستمعون لآراء متشددة تصل للمطالبة باستقالة الرئيس وأخري معتدلة تطالب بإعداد المجتمع لحالة الحرب والخروج من حالة اللاقرار التي كان الطلاب يحتجون عليها‏,‏ وكان الاساتذة يحاولون استيعاب المشاعر المتأججة وتشجيع الاعتدال علي المجابهة‏.‏ ويمكن القول بشكل عام إن الأجواء كانت ديمقراطية وأن الطلاب مارسوا حرية الرأي بشكل غير مسبوق في الجامعات المصرية علي الأقل منذ السنوات الأولي لثورة‏1952..‏ وسرعان ما تحولت مشاركة الطلاب من مبادرات ذاتية وفردية من جانب معظمنا وأنا منهم ـ لا ينتمون لاتجاه سياسي معين

وإنما تحفزهم فقط المشاعر الوطنية الجياشة ـ إلي حركة شبه منظمة في إطار ما عرف باللجنة الوطنية العليا للطلاب التي ضمت ممثلين عن جميع الكليات المشاركة‏,‏ وقد تم انتخاب الطالب احمد عبدالله ممثل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أمينا عاما لها‏.‏ وأضحت قاعة الاحتفالات الكبري بالجامعة مقر التجمع الطلابي وصعد إلي منصة القاعة عشرات الطلاب والأساتذة وأيضا بعض المثقفين من خارج الجامعة يعبرون بكل حرية عن آرائهم ومشاعرهم‏,‏ وجاء ممثلون عن الرئيس والحكومة‏,‏ أتذكر من بينهم الأستاذ محمود أبو وافيه عضو مجلس الشعب وعديل الرئيس‏.‏ وفي المقابل ذهب عشرات الطلاب كممثلين عن زملائهم لمجلس الشعب ليتحاوروا مع قياداته‏,‏ خاصة الدكتور جمال العطيفي وكيل المجلس‏,‏ وانتهي الأمر إلي اتفاق يقضي بفض اعتصام الطلاب في القاعة مقابل إذاعة بيان تستجيب فيه الحكومة للعديد من المطالب الطلابية‏.‏ لكن في تلك الليلة ذاتها اقتحمت قوات الأمن أسوار الحرم الجامعي

وحينئذ كان أحمد عبدالله واقفا وحده علي المنصة يهدئ من ثورة الطلاب ويرفض ـ ومعه الأغلبية ـ رغبة البعض في التصدي للمقتحمين‏..‏ في هدوء وسكينة جلس الطلاب في مقاعد الصالة متكاتفي الأذرع ينتظرون القوات وهي تقتحم الباب تلو الآخر حتي حملتهم اللوريات إلي معسكرات الأمن بالدراسة ومنها إلي معهد أمناء الشرطة بطرة‏.‏ لم تكن لي قط علاقة شخصية بأحمد عبدالله أو غيره من قادة اللجنة العليا للطلاب ولم أره علي الاطلاق منذ تلك الأيام‏,‏ ومع ذلك أتذكره حينئذ عملاقا فريدا لم يكن عمره قد تجاوز الثانية والعشرين يتمتع بملكات سياسية وقيادية محنكة وقدرة متميزة علي الخطابة وقيادة الآخرين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~