قضايا و اراء

43639‏السنة 130-العدد2006مايو30‏3 جمادى الاول 1427 هـالثلاثاء

بطن الحوت‏!‏
بقلم: د‏.‏ عمرو عبدالسميع

عرفت الأديب الأستاذ عبده جبير منذ سبع وعشرين سنة‏,‏ فما فارقته الصفات الأكثر وضوحا في شخصيته مرة واحدة‏,‏ ولم أر فيه ـ البتة ـ تكرارا لنماذج الناس المتقلبين‏,‏ المتلونين‏,‏ المبدلين ألوف وجوه الذين تحار أمامهم ـ في كل مرة تلقاهم ـ وتحذر وتفزر محاولا التنبؤ بالشكل الذي سيفاجئونك به‏.‏

عيونهم زجاجية بلا تعبير‏,‏ أو هي كعين سمكة القرش‏(‏ زرارا أسود ليس فيه حب أو كره أو غضب أو تحنان‏).‏

أما عبده فهو‏..‏ هو‏!‏
يقب لشهور‏,‏ ويغطس لسنين‏,‏ ثم تراه ـ بالضبط ـ كما تركته‏..‏ نفس الدرجة من الانفعال الذي يصل إلي البكائية علي الوطن أو إحدي قضاياه‏..‏ نفس الحماس الجارف لموضوع تشعر وكأن عبده قد رهن البقية الباقية من عمره له‏..‏ وله فقط‏.‏

نفس المتابعة الواعية والجميلة لكل ما أفعله‏,‏ أو أهتم به‏,‏ أو أغرق في تفاصيله‏..‏ دراسة‏..‏ وكتابة‏..‏ ورسما‏..‏ أو أدبا‏,‏ فأشعر معه ـ منذ اللحظة الأولي لأية لقيا تتجدد بيننا ـ إن المسائل موصولة‏,‏ وأنه كان حاضرا في سياق تفكيري وعملي‏,‏ لا غائبا عن ساحة همومي واهتماماتي‏.‏

ومنذ سنوات خمس عرفت أن الأديب عبده جبير قد اتخذ سكنا‏,‏ بيتا هو خليط من البدائية والعصرية في الفيوم‏,‏ مثلما فعل الكثير من المثقفين والفنانين الذين أرادوا النأي بأنفسهم عن أتون الغش‏,‏ والضجيج‏,‏ والكذب‏,‏ واختلاط الأنساب المعرفية والدلالية‏,‏ وافتعال القضايا‏,‏ واختراع الأدوار‏,‏ وهندسة الصفقات‏!‏

ثم فجأة ومنذ أيام هاتفني عبده جبير ليدخل ـ مباشرة ـ في منتصف موضوع‏,‏ كما لو كنا نتحدث فيه بالأمس‏,‏ وبنفس الدرجة من الحماس‏,‏ مشيرا إلي ما كنت كتبته هنا‏(‏ في حالة حوار الصحفية ـ ضمن مقالاتي حول وجوبية مقاومة هدر الموارد‏)‏ عن وادي الحيتان في محافظة الفيوم‏,‏ ومشيرا إلي أن مؤتمرا مهما سوف يعقد في قرية شكشوك بالفيوم حول طرق استنقاذ الوادي وحيتانه وحفريات أخري ثمينة لا تقدر بمال‏,‏ غير قابلة لتكرار الوجود في أي مكان علي سطح الكوكب‏.‏

كان عبده يصرخ ـ تقريبا ـ وهو يحدثني عن مساس ـ مهما كان حجمه صغيرا ـ لحق بثرواتنا الطبيعية والتاريخية في تلك المنطقة‏,‏ وإنسانية ووطنية أي جهد لحمايتها‏,‏ أو درء غائلة الجهالة والإهمال عنها‏.‏

ومن ضمن ما قال الأديب الصديق‏:‏ يادكتور عمرو‏..‏ إحنا كانت بتجيلنا عيال عاوزين يبيعولنا سن الحوت اللي عاش من أكثر من‏30‏ مليون سنة باتنين جنيه‏!!.‏

‏..............‏

نعم‏....‏
لفتني عبده جبير إلي جهد يقوم به جهاز شئون البيئة وبرنامج التعاون المصري ـ الإيطالي‏,‏ بعقد مؤتمر في قرية شكشوك منذ أسبوع لإنقاذ الموارد المصرية وحمايتها‏,‏ وإذ منعتني ظروف تسجيل حالة حوار التليفزيونية من حضور المؤتمر إلا أنني تحصلت أوراقه وسارعت إلي الاتصال بالمسئولين عنه لاستجلاء جوانب هذا الجهد والاستمزاج بالتفكير المشترك في قضايا تطرح ـ بحكم طبيعتها ـ مفهوما جديدا للوطنية هو مقاومة هدر الموارد‏(‏ طبيعية أو تاريخية أو اقتصادية أو بشرية‏)!‏

‏..............‏

وقبل ذلك أعرض لجوانب ذلك الجهد‏,‏ ربما يكون من خير الفطن أن أحكي لكم ـ قليلا ـ عن الحالة البيئية في المنطقة محل الكلام‏(‏ في مصر‏24‏ محمية طبيعية‏),‏ نحن نعرف أن وادي الريان بالفيوم أعلن كمحمية طبيعية في عام‏1989‏ طبقا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم‏943,‏ وفي عام‏1995‏ تمت إضافة منطقة وادي الحيتان والحفريات إليه بالقرار رقم‏2954,‏ وبهذا تتمتع منطقة وادي الحيتان بالحماية في إطار القانون‏102‏ لسنة‏1983‏ في شأن المحميات الطبيعية في مصر الذي يحظر أية أفعال من شأنها تدمير أو إلحاق الضرر بالبيئة الطبيعية‏,‏ أو الإسهام في تدهورها‏.‏ وقد صدر قرار ـ كذلك ـ من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة‏(‏ اليونسكو‏)‏ في يوليو الماضي باعتبار وادي الحيتان إحدي مناطق التراث العالمي‏(‏ الطبيعي والثقافي‏)‏ حين كتبت لكم عنه‏.‏

يمتد وادي الحيتان علي شكل مثلث مساحته‏20‏ ألف هكتار‏(‏ يعني خمسة آلاف فدان‏),‏ ويقع علي بعد‏170‏ كيلومترا جنوب غرب القاهرة‏,‏ ونحو‏120‏ كيلومترا غرب الفيوم‏,‏ وتحكي دراسات التاريخ الطبيعي عنه أن بحرا يسمي التيثي غمره‏(‏ ضمن مناطق جنوب المتوسط‏)‏ منذ أربعين مليون عام‏,‏ وتدريجيا تراجع هذا البحر شمالا مخلفا رواسب يمكن رؤيتها ـ حاليا ـ في شكل ثلاثة مكونات صخرية في منطقة وادي الحيتان أقدمها هو مكون‏(‏ جار جهنم‏),‏ وهو مليء بهياكل الحيتان‏,‏ والسلاحف البحرية‏,‏ وعرائس البحر‏,‏ وأسنان أسماك القرش‏,‏ وحتي الآن لم يقدم أحد تفسيرا لتلك الظاهرة العجيبة التي أدت إلي وجود هياكل لأربعمائة وستة حيتان‏(‏ تم اكتشافها من‏1902‏ وحتي الآن‏)‏ في منطقة ضيقة كتلك‏,‏ ولا يدري أحد هل انحسرت المياه بشكل مفاجئ‏,‏ أم أن حركة أرضية أدت إلي وجود هذا الكم الهائل من الحيتان النافقة في مكان واحد محدود المساحة كوادي الحيتان‏,‏ وقد كان أول اكتشاف للحفريات الموجودة في الوادي في شتاء‏1903/1902,‏ ثم كانت الفتوح الكبري بتلك المنطقة علي أيادي فريق جامعة ميتشجان الأمريكية بقيادة فيليب جينجريش‏,‏ أعوام‏1983,‏ و‏1989,‏ و‏2004,‏ و‏2005,‏ وضمنها اكتشاف

ثلاثة أنواع من حيتان العصر الأيوسيني‏(35‏ ـ‏40‏ مليون عام‏)‏ بإرساباته من الحجر الجيري الأبيض الغني بالكالسيوم والطين الجبسي‏,‏ وهي‏:‏

‏(1)‏ الباسيلوسورس إيزيس وطوله يصل إلي‏18‏ مترا مع أطراف أمامية متطورة بها خمسة أصابع مكتملة‏,‏ وأرجل خلفية بأصابع‏,‏ وتأخذ الشكل الأفعواني الملتف‏,‏ وهي من آكلات اللحوم‏,‏ وتعد حلقة الوصل بين الحيتان البرية والحيتان البحرية‏,‏ والجزء المكمل جيولوجيا لذلك الفصيل الحيواني موجود في باكستان‏.‏

‏(2)‏ نوع اسمه آنكاليستوس سيمونسي وقد تم توصيفه عام‏1996.‏

‏(3)‏ نوع صغير الحجم يشبه الدلافين اسمه دورادون آرتوكس وبه أيضا بقايا عظام الأطراف الخلفية‏(‏ يعني الحوت ذي الأرجل‏).‏

‏..............‏

وإلي جوار جبانة الحيتان الهائلة هناك تصور الآن لضم منطقة اسمها جبل قطراني شمال محمية قارون إلي وادي الحيتان لتصبح محمية‏(‏ طبيعية ـ ثقافية‏),‏ إذ أن فيها بقايا أشباه الإنسان الأول‏,‏ وهياكل أسلاف الفيل‏,‏ والحيوان الثديي ثنائي القرون المعروف باسم الأرسينوثيرام‏..‏ وطبقا للاتحاد الدولي لصون الطبيعة‏(IUUCNI)‏ يعد جبل قطراني هو السجل الكامل للثدييات البائدة في إفريقيا‏,‏ كما يعد تنوع البيئة الحيوانية به عاملا أساسيا في فهم تطور العديد من المجموعات الثديية بالقارة‏(‏ يحتوي علي‏40‏ جنسا و‏75‏ نوعا بينها ـ كما قلنا ـ نوعين من أشباه الإنسان‏),‏ وبالإضافة إلي موقع جبل قطراني هناك ـ كذلك ـ مدينة ماضي الأثرية‏,‏ وتلك المناطق الواقعة شمال وادي الحيتان تنتظر ـ هي الأخري ـ قرارا دوليا بتحويلها إلي مناطق تراث عالمي ثقافي وطبيعي‏.‏

‏..............‏

وهناك ما يعرف في مصر منذ‏1998‏ بالبرنامج المصري البيئي للتعاون المصري ـ الإيطالي الذي يشمل‏(‏ دعم البرنامج البيئي في وادي الريان‏+‏ دعم البرنامج البيئي في سيوة‏+‏ دعم محمية جبل علبة‏+‏ دعم قدرات قطاع حماية الطبيعة في جهاز شئون البيئة‏...‏ إلخ‏).‏

وهذا البرنامج يقوم بجهد مشترك مع قطاع حماية الطبيعة في جهاز شئون البيئة التابع لوزارة الدولة لشئون البيئة ـ كما قال لي محمد طلعت منسق التخطيط والإدارة في محمية الريان‏.‏

وأضاف أن فريق التخطيط الرئيسي في مشروع الحفاظ علي وادي الحيتان يضم مدير المشروع دان بيلاتشيني‏(‏ كندي من أصل بولندي‏)‏ ومحمد سامح محمد الجيولوجي المختص بوادي الحيتان‏,‏ فضلا عن محمد طلعت‏.‏

نهايته‏...‏

مؤتمر شكشوك انعقد للنظر في تنمية تلك المنطقة الفريدة جدا‏,‏ والحفاظ عليها‏,‏ وتطويرها‏,‏ وتحويلها إلي مقصد دولي تراثي‏,‏ وطبيعي‏,‏ وثقافي‏,‏ وسياحي‏,‏ يعني ـ بالعربي الفصيح أو الصريح كيفما شئتم ـ تصبح دجاجة تبيض ذهبا لمصر لو أحسن الجهاز الإداري والسياسي التعامل معها‏,‏ ولو نجحنا في معجزة دمج السكان المحليين في جهد التنمية بحيث تصبح تلك التنمية هي مجال رزقهم وحياتهم الذي يحافظون عليه ويصونوه‏.‏

مؤتمر شكشوك ـ كما قال لي محمد طلعت ـ استهدف إنشاء متحف مفتوح للحيتان والحفريات الموجودة في المنطقة‏,‏ سواء بأجزائها المدفونة أو المعرضة‏,‏ وفي هذا الإطار سيذهب الجيولوجي محمد سامح إلي ميتشجان للتدريب علي إعادة تركيب بعض الهياكل من أجزاء صناعية وطرق عرضها حول الموقع‏(‏ بنسب ومسافات بعيدة لا تؤثر علي جلال التاريخ وروحه السائد المهيمن علي الوادي‏..‏ وطرحت الورشة ضرورة تزويد المكان بإمكانات للسياحة البيئية والمعسكرات خارج الموقع ودورات المياه‏,‏ وكذلك إنشاء طريق قريب لا يؤدي إلي اقتحام المركبات للموقع‏(‏ من منطقة الشلالات حتي وادي الحيتان‏)‏ ومبني للإدارة يكشف الوادي‏,‏ ويصاحب ذلك التعليم البيئي لسكان المنطقة وتدريبهم علي منتجات حرفية من جنس مواد المكان‏(‏ وزعت الورشة نماذج لأسنان الحوت صنعها السكان من خامات بيئية‏),‏ وسوف يتم تدريب جزء من السكان ليكونوا أدلة‏.‏

‏..............‏

كل هذا عظيم وتحرك ـ متأخر ـ ولكنه في الاتجاه الصحيح‏.‏

ولي فقط نقاط ثلاث سأطرحها بسرعة ثم أمشي‏:‏

‏(1)‏ لابد من أن تصبح مثل تلك المواقع جزءا من مناهج تعليم أولادنا في المدارس وهكذا يتحقق الانتماء وليس بأغاني من شاكلة‏:‏ ياحلاوة بشرتك السمرة‏..‏ من يوم ما وعيتي علي الثورة‏,‏ وأنا أعلم أن هناك جمعية اسمها الجمعية المصرية للبيئة والحياة البرية اتفقت مع قطاع حماية الطبيعة لفتح فروع في المدارس باسم أصدقاء وادي الحيتان‏,‏ لكننا نريد أكثر‏..‏ نريد أن يصبح الموقع جزءا من المناهج‏.‏

‏(2)‏ البرنامج الإيطالي حاضر‏..‏ وجهاز شئون البيئة حاضر في الحفاظ علي وادي الحيتان‏..‏ فأين الجمعيات الأهلية‏,‏ أم أن العمل الأهلي اقتصر علي الجعير في الشوارع وتنفيذ أجندة واشنطن للفوضي الهدامة؟‏..‏ قليل من الحياة‏,‏ وقليل من الوطنية الحقة‏!‏

‏(3)‏ التسويق الخارجي لوادي الحيتان موضوع كبير حتي تتحقق الاستجابة السياحية ويصبح من المقاصد العظمي في العالم‏,‏ ويقتضي ذلك تحركا من مكاتب التمثيل الفنية في الخارج‏(‏ الثقافية والسياحية بالذات‏),‏ وأن يتخلي المسئولون عنها عن ترهلهم واقتصار نشاطاتهم علي زيارة بعضهم البعض‏,‏ ولهط المكرونة بالباشاميل ومحشي الكرنب‏,‏ قليلا من التحرك ـ لو سمحتم ـ وسط الأجانب من أجل بلدكم‏,‏ ومن أجل تسويق ذلك الموقع العجبة الفريد‏.‏

‏..............‏

فلنحافظ علي مواردنا الطبيعية والثقافية وإلا ذابت وضاعت‏,‏ والتقمها فك الجهالة والإهمال الإجرامي‏,‏ كما التقم الحوت سيدنا يونس‏,‏ فجعل يصرخ في بطنه أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~