قضايا و اراء

43590‏السنة 130-العدد2006ابريل11‏13 من ربيع الأول 1427 هـالثلاثاء

حول أولويات الإصلاح المؤسسي
بقلم: د‏.‏ أحمد جمال الدين موسي

عديدة هي أولويات الإصلاح بعضها نراه بوضوح ونكاد نتفق عليها كالإصلاح السياسي‏,‏ الذي أشار إليه الرئيس مبارك في برنامجه الانتخابي‏,‏ ووضعه الحزب الوطني في صدارة أولوياته ونادت به القوي السياسية الأخري منذ مدة طويلة‏,‏ وإصلاح نظم الإدارة المحلية وتفعيل اللا مركزية الذي لا يقل في اعتقادنا أهمية عن الإصلاح السياسي لأن هدفه ينبغي أن يكون تمكين الشعب من إدارة شئون حياته اليومية وتقليص دور البيروقراطية والوسطاء وتحقيق الرقابة القريبة والفاعلة والخروج من أزمة السلبية وعدم الاكتراث والاتكالية‏,‏ وهناك أيضا اتفاق علي أهمية إصلاح نظم التأمين الصحي والرعاية الطبية والتأمينات الاجتماعية ونظم التعليم والوظيفة العامة‏,‏ ونظم التقاضي وتنفيذ الأحكام لتقصير أمد المنازعات وتحقيق احترام القاعد القانونية‏,‏ وتأمين استقرار المعاملات‏...‏ إلخ‏,‏ ولا شك في أن صياغة مشروع الإصلاح لكل مسألة من هذه المسائل تقتضي دراسة جدية ينهض بها أكاديميون وخبراء وناشطون من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني جنبا إلي جنب مع المسئولين التنفيذيين والقانونيين المكلفين بالصياغة التشريعية‏.‏

غير أنه إلي جانب أولويات الإصلاح المتفق عليها توجد نظم ومؤسسات أخري تحتاج إلي التغيير والتحديث‏,‏ بعد استقرار راكد طويل يؤثر بالسلب علي تطورنا الاجتماعي‏,‏ وإن اعتبرها البعض لطول بقائها من المسلمات‏,‏ فالواقع أن القواعد المؤسسية المثبتة لفترات طويلة توجه خيارات الأفراد والجماعات وتبث في نفوسنا ولو بطريقة غير مباشرة القيم السائدة وتحدد لنا نطاق الممكن وغير الممكن والمقبول وغير المقبول‏,‏ ولذلك نستطيع القول أن جانبا كبيرا من رؤيتنا وأفعالنا يعتبر إلي حد بعيد ناتجا مباشرا أو غير مباشر لشكل وتأثير المؤسسات القائمة‏,‏ وهو ما يعيق أحيانا رؤيتنا لمواطن القصور التي تستوجب الإصلاح‏,‏ وسأكتفي في هذا المقام بثلاثة أمثلة لنظم حكومية مستقرة تحتاج إلي التغيير والإصلاح وتتجاوز تأثيراتها الجهاز الحكومي لتؤثر في كفاءة تخصيص واستخدام الموارد المادية والبشرية للمجتمع‏.‏

المثال الأول‏:‏ يتعلق بطريقة إعداد وتنفيذ موازنة الدولة في مصر والتي تعتبر وفقا لأي تحليل علمي طريقة عقيمة لأنها لا تترك مجالا لحرية الحركة والتصرف للقيادات المؤسسية في المستويات المختلفة‏,‏ فعلي سبيل المثال لا يجوز لقيادات المؤسسات الحكومية والعامة نقل الاعتمادات من بند إلي بند إلا بموافقة وزارة المالية‏,‏ ولا يمكن نقلها من باب إلي باب أو من جهة إلي أخري‏,‏ إلا بموافقة مجلس الشعب ما لم يفوض وزير المالية في التأشيرات العامة الملحقة بقانون ربط الموازنة والتي درجت بدورها علي فرض قيود إضافية علي حرية الحركة المالية لهذه المؤسسات‏,‏ ولهذا ينبغي إعادة النظر في النصوص الدستورية والقانونية واللائحية الحاكمة للعمل الموازني في مصر والاستفادة من التطور الذي حدث في فرنسا‏,‏ التي نقلنا عنها في الماضي بعض هذه النصوص‏,‏ وفي بريطانيا التي تقدم الحكومة فيها للمؤسسات والإدارات الحكومية اعتمادا إجماليا وتترك لها المرونة في عمل ميزانيتها الداخلية بما في ذلك تعظيم مواردها وترشيد نفقاتها ومن ثم العمل علي تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات‏,‏ ثم تأتي بعد ذلك المحاسبة علي نتائج الأعمال ومدي تحقيق الأهداف الكيفية والكمية‏.‏

المثال الثاني‏:‏ ينصرف إلي الرقابة المالية بصورها المختلفة‏,‏ فهي تحتاج إلي تطوير يتناغم مع تحديث نظم الرقابة المالية في العالم من حولنا حيث لم يعد هدفها مجرد التأكد من حرفية اتباع تسلسل الصيغ القانونية والإجراءات الشكلية للتصرف المالي‏,‏ وإنما الرقابة علي كفاءة الخيارات التي تبنتها السلطات المختصة واستخدامها الحسن للموارد العامة‏,‏ فليست العبرة بأن ما أنفق قد أنفق في ظل إجراءات قانونية ومالية سليمة‏,‏ وإنما العبرة بما إذا كان هذا الانفاق قد ساعد علي تحقيق الأهداف التي من أجلها أنشأ المجتمع هذه المؤسسة أو هذا المرفق الإداري بحيث أصبحت الأوضاع أفضل مما كانت عليه قبل الانفاق من عدمه‏,‏ ففي أحيان كثيرة يتم انفاق الملايين أو عشرات الملايين في ظل إجراءات سليمة‏,‏ ولكنها لا تؤدي إلي زيادة الكفاءة أو تحسين رفاهة الناس‏,‏ ولا يمكن في ظل الرقابة التقليدية محاسبة متخذي القرار‏,‏ علي حين أن تجاوز الإجراءات المالية الشكلية يؤدي إلي محاسبة شديدة ولو اقتصر الأمر علي بضع عشرات من الجنيهات‏.‏

المثال الثالث والأخير‏:‏ يتعلق بتطوير المؤسسات الجامعية‏,‏ فوضع قانون موحد تفصيلي لجميع الجامعات يعيقها عن التطوير والتجديد ويحاول عبثا أن يحكم أوضاعا متفاوتة بنصوص موحدة‏,‏ فلا شك في أن متطلبات النجاح البحثي والأكاديمي في كليات الآداب‏,‏ والتجارة مختلفة تماما عن تلك المتطلبات في كليات العلوم أو الطب أو الهندسة‏,‏ ودور جامعة أسيوط وأنشطتها في المجالات الأكاديمية أو البيئية يجب أن يكون متميزا ومختلفا عن دور جامعة الإسكندرية‏,‏ ومن ثم لا توجد حكمة من وراء توحيد الإطار المنظم لعمل الجامعتين بقانون موحد ولائحة موحدة وقرارات نمطية موحدة للمجلس الأعلي للجامعات‏,‏

وداخل كل جامعة فإن كل كلية وكل قسم علمي يحتاج إلي مرونة في الحركة بعيدا عن القواعد الموحدة التي تحكم الآن جميع الكليات وجميع الأقسام العلمية سواء فيما يتعلق باختصاصها أو تشكيلها أو تنظيمها القانوني والإداري أو نظم الامتحانات أو قبول الطلاب أو تعيين وترقية أعضاء هيئة التدريس ومعاملتهم المادية‏,‏ نحن نعتقد أن انطلاقة الجامعات تقتضي قبل أي شئ تحريرها إداريا وماليا وفكريا في ظل رقابة حقيقية فاعلة لمجالس أمناء تشكل من ممثلي أصحاب المصلحة الحقيقية في تطوير كل جامعة ونجاحها‏.‏

ولعله يتضح من اختيارنا لهذه الأمثلة الثلاثة ارتباط الإصلاح بتحقيق المرونة والبعد عن الشكلية والجمود والبحث عن تشجيع المؤسسات علي الإبداع والابتكار والتكيف مع الظروف المستجدة بما يحقق الأهداف التي كانت وراء إنشائها وهو ما يؤدي بالضرورة إلي تحسين مستوي رفاهة الشعب‏,‏ وهذا في اعتقادنا هو جوهر الفكرة الإصلاحية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~