قضايا و اراء

43556‏السنة 130-العدد2006مارس8‏8 من صفر 1427 هـالأربعاء

حول الإصلاح المؤسسي‏..‏ أهميته وشروط نجاحه
بقلم :د‏.‏ أحمد جمال الدين موسي

تسعي جميع المجتمعات لتحسين اوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال خطط ومشاريع طموحة للتنمية الشاملة ولكن الكثير من هذه الخطط والمشاريع لايحقق النجاح المستهدف ليس بسبب نقص الموارد او تبدل الظروف السياسية والاقتصادية للاسوأ ولكن في احيان كثيرة بسبب عدم فعالية المؤسسات الموكل اليها مهمة قيادة المجتمع نحو التنمية‏.‏

فمن المسلم به ان النمو الاقتصادي علي سبيل المثال يعتمد علي ثلاثة اركان مادية لاغني عنها هي التي تحدد قوته وسرعة انطلاقه وهي رصيد المجتمع من كل من الموارد الطبيعية ورأس المال المادي المتراكم ورأس المال البشري وهناك بالتأكيد تداخل بين هذه الارصدة الثلاثة التي لكل منها جوانب كمية وأخري كيفية تؤثر علي تطورها ومع ذلك فإن الاثر الحقيقي لهذه الموارد بجميع صورها يتوقف اساسا علي التنظيم المؤسسي الذي يحدد اطار عملها ونشاطها‏,‏ فالمؤسسات هي الوسيط الذي يحول الموارد الاسمية الي موارد حقيقية قابلة للاستخدام باكبر قدر من الكفاءة لصالح المجتمع‏,‏ فكفاءة وفعالية التنظيم المؤسسي تحكم الي حد كبير مقدرتنا علي الاستفادة من الموارد المتاحة وتنميتها‏,‏ خاصة في اطار تطور التكنولوجيا وزيادة كفاءة تخصيص الموارد‏.‏

والواقع ان لكل مجتمع هياكله المؤسسية الخاصة به والتي تولدت عبر الزمن وهي تشكل الاسس القانونية لحياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتلك الهياكل قد تكون مؤثرة بالايجاب او بالسلب علي نشاط ورفاهة افراد هذا المجتمع‏,‏ فهي قد تدفع نحو الافضل والاكفأ او قد تعوق التقدم والتطوير‏,‏ فالبعد المؤسسي حاسم في تحقيق تنمية مستديمة بما تنطوي عليه من ضمان حقوق ملكية محمية بقواعد القانون وانفاذ غير متحيز للالتزامات القانونية من خلال قضاء مستقل ولوائح حكومية تشجع المنافسة الشريفة ومشاركة فعالة لافراد المجتمع في ادارة شئونه دون عوائق او تمييز ونظم مالية واقتصادية وادارية تعمل في اطار الشفافية وعدم المحاباة‏.‏

ولتوضيح ذلك نشير الي ان القوانين واللوائح والقرارات التي تحدد اطر المشاركة في الحياة السياسية او حقوق الملكية الزراعية والعقارية او شروط اقامة المشروعات الاقتصادية وتلك التي تحدد القواعد التي تحكم العلاقة بين ارباب الاعمال والعاملين لديهم والنظم والالتزامات المتعلقة بالصحة العامة او البيئة او سلامة الطرق او التعليم انما تعد جميعا صورا للتنظيم المؤسسي الذي قد يكون احيانا متميزا وناجحا ومحققا للمصلحة العامة كما قد يكون في احيان اخري عائقا حقيقيا امام التنمية او تحسين الكفاءة او تحقيق العدالة الاجتماعية وغير ذلك من الاهداف التي يسعي المجتمع لتحقيقها‏.‏

وحاجة مؤسساتنا للاصلاح حاجة حقيقية مرتبطة بطموحاتنا لتطوير اوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل منافسة وتحديات دولية نعلمها جميعا ونجاح هذا الاصلاح يتطلب تفكيرا كليا شاملا ومتكاملا يحلل اداء مؤسساتنا الحالي في ضوء الاهداف المرسومة لها وعلاقاتها بالبيئة المحيطة بها ويقدم البديل الامثل سواء بالتطوير الذاتي لكل مؤسسة او بانشاء مؤسسات جديدة اكثر فعالية وكفاءة‏.‏

ومن المتفق عليه ان الدولة وحدها هي التي تحدد الاسس القانونية لقيام واستمرار المؤسسات ومن ثم فإن الاصلاح الجوهري لايمكن ان يكون حقيقيا بدون تبني الدولة لخطط الاصلاح غير ان دور الدولة وحده لايضمن النجاح للمشروع الاصلاحي‏,‏ حيث لابد ايضا من تحديد وفهم وتقييم دور القوي الاخري التي يمكنها ان تدعم او ترفض او تعوق الخطوات الاصلاحية التي تتبناها الدولة فلا جدال في ان التحدي الكبير الذي واجهه قادة الاصلاح في مصر هو العمل علي اقناع المواطنين بأهمية الاصلاح في ظل وجود حالة متوارثة من الشك في جدوي التغيير وتساؤل عن مدي نجاحه في تحقيق الاهداف المبتغاة وخوف كامن من مفاجآت قد يحملها الجديد ولذلك فإن فرص نجاح الاصلاح المؤسسي مرتبطة الي حد بعيد بتوعية واقناع اصحاب المصلحة في التغيير وتحفيزهم للتحرك والمشاركة في العملية الاصلاحية‏,‏ فالسند الجوهري لهذه العملية هو اقتناع الناس‏,‏ خاصة اصحاب التأثير‏,‏ بأن حياتهم ومستقبل ابنائهم سيكون افضل في ظل نظام مؤسسي جديد مقارنة بالوضع الحالي‏.‏ ولكن تولد شعور جمعي بأن الاوضاع المؤسسية تحتاج الي تغيير جذري او اصلاح حقيقي وتبني اجندة متفق عليها للاصلاح لن يكون يسيرا او مضمونا‏.‏

فنحن جميعا نشتكي من حوادث الطرق وسلوكيات المرور ومن عدم كفاءة نظم الرعاية الصحية ونظم التقاضي والنظام التعليمي ونظم الادارة المحلية ولكننا سنختلف بالتأكيد حول مشاريع الاصلاح المؤسسي لهذه المواجع العامة وسنكتشف من بيننا مقاومة لم نتصورها للخطط الجديدة للتغيير والاصلاح في المؤسسات التي نشتكي منها ولذلك من المهم ان نتعرف بواقعية علي رد فعل البيئة التي تحيط بالاصلاح سواء داخل المؤسسة التي سيتم تطويرها او ردود الافعال العامة علي مستوي المجتمع ككل‏,‏ فهذه البيئة وليدة تاريخ ومواقف وظروف ورؤي متراكمة ومتفاوتة لن يكون بمقدور دعاة الاصلاح تغييرها او استبدالها وانما غاية ما يطمحون اليه هو التأثير فيها لتقليل مقاومة الاصلاح وتقليص دور القوي ـ سياسية كانت او بيروقراطية ـ المستفيدة من الاوضاع القائمة وهي التي يفسر افرادها المشروع الاصلاحي كاتهام او تقليل من قدر معرفتهم او قدراتهم او الثقة المفترضة فيهم فضلا عن مخاطره علي المنافع والريوع التي يستأثرون بها‏.‏

وبالتأكيد فإن مقاومة الاصلاح ستكون اقل في مواجهة التغيير المؤسسي البسيط ولكنها ستكون اكثر جلاء وخطورة في مواجهة السياسات الواسعة للاصلاح ولما كان لكل اصلاح خاسروه وفائزوه اصحاب المصلحة في عدم التغيير واصحاب المصلحة في التغيير فإن نجاح المشروع الاصلاحي رهين بقدرة دعاته علي اقناع الكتلة الصامتة بالوقوف الي جانبه الامر الذي يحتاج قناعة راسخة وطاقة هائلة للتغلب علي القصور الذاتي الذي يغلف موقف مجتمعنا من الاصلاح المؤسسي والشروع في عملية مناقشة واسعة مع القوي الاجتماعية والمثقفة تطرح فيها مشاكل القصور المؤسسي بوضوح وعمق ويوفر فيها المناخ للناس ليشاركوا في تحمل مسئوليتهم في انجاح الاصلاح فلا غني عن تشجيع الحوار وتحفيز الابداع وتذكية الاحساس لدي اكبر عدد من المواطنين بأنهم اصحاب المشروع الاصلاحي وانهم شركاء اساسيون فيه وبدون ذلك لن يتسني لمبادرات الاصلاح ان تثبت جذورها في الارض‏.‏

ولكن ما هي اركان الاصلاح المؤسسي في مصر وثوابته؟ اجابة هذا السؤال ستشكل موضوع المقال التالي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~