ثقافة و فنون

43553‏السنة 130-العدد2006مارس5‏5 من صفر 1427 هـالأحد

قراءة في كتاب
مذاق لبنان في بائع الكعك‏..‏ وبيروت شـي محل

كتبت : ســـناء صـليحـــة
كتابان‏,‏ الصدفة المحضة‏,‏ دفعت بهما إلي في تزامن غريب‏.‏ ورغم أن احدهما وصلني من القاهرة والآخر من صيدا‏,‏ وبرغم الاختلاف في الأسلوب والجنس الأدبي طبقا للتصنيفات التقليدية‏,‏ إلا أنني وجدت نفسي أقرأهما بالتبادل علي عكس عادة لم اخرقها مرة واحدة منذ اكتشفت عالم الكتاب‏,‏ حيث اعتدت دائما أن امنح نفسي طواعية لكتاب واحد في كل مرة لأعايش عبر سطوره رؤي وتجارب وفكر الكاتب أو شخصياته التي اصطنعها‏,‏ حتي أكاد أستشعر انفاسهم من حولي‏..‏ لكن الروائي علي نصار والزميل الصحفي يوسف رخا اجبراني أن اخرق عادتي‏,‏ وربما كان السبب تماثل الحالة الشعورية التي ولدها عملهما أو ذلك الفضول الذي تستثيره في النفس سطور كلا العملين‏.‏

ففي كتابه غير التقليدي اسلوبا وشكلا‏(‏ بيروت شي محل‏)‏ يرصد يوسف بالكاميرا وبالصور القلمية‏,‏ في شكل يجمع مابين قالب اليوميات وأدب الرحلات والقصة القصيرة‏,‏ واقع مدينة بيروت في الذكري الثلاثين لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان‏.‏ وفي رواية كل مايعرفه بائع الكعك يرسم علي نصار العلاقات المتشابكة التي تنمو وتتشعب علي خلفية الحرب الأهلية اللبنانية وظهور الفصائل المختلفة الأهواء والأهداف‏,‏ بل وحتي البدايات‏,‏ ليضيف كلا الكاتبين لكوابيس غادة السمان العشرين التي رصدتها عام‏76‏ كابوسا جديدا أو تحليلا أعمق لما تفعله الحرب بالبشر والمدن‏.‏ فعبر لقطات يوسف رخا وصوره القلمية المتتابعة وفصول رواية علي نصار التي يتقافز فيها بالزمن في حركة اشبه بالزجزاج‏,‏

ليمتزج الحاضر بالماضي وباحتمالات المستقبل علي مدي مايزيد علي نصف قرن‏,‏ نتلمس الواقع الذي خلفته الحرب الأهلية في لبنان وانعكاساته علي البشر والحياة‏..‏ واقع يفتقد فيه البشر الاحساس بالأمان والقدرة علي الحلم‏..‏ واقع ينسلخ عن الماضي ويفتقد التناسق‏,‏ ليصبح الحاضر مجرد فخ يضيع فيه معني اللحظة ويتجمد الزمن‏,‏ ليغرق البشر في حالة من الغربة والاستغراق في واقع جديد يغير وجه الحياة وتتوه فيه الحقائق والقضايا وأمن المواطن البسيط‏..‏ واقع تتحول فيه عصابة حقيرة إلي فصيلة من المناضلين ورغم خسة الهدف يحولها وهم البسطاء لاسطورة يستنيمون إليها ويرسمون حولها الهالات فإذا ما أفاقو من الوهم يصبح الهروب بالانتحار أو الجنون أو الانغماس في المجون خيارهم الوحيد‏..‏

واقع يستلب الروح ويشوه الماضي ويسرق الحاضر ويضيع المستقبل ليجمد البشر داخل دوائر مغلقة مغلفة بالحيرة والعجز والاغتراب‏.‏ لتتحول فيه الذاكرة والوعي لألم موجع والغياب والتغييب وسيلة الخلاص من القلق‏..‏ من البكاء علي اشلاء الحلم‏..‏ يتحول لنعمة السكينة التي عايشها أحمد صديق الراوي في بائع الكعك يوم سقط في غيبوبته الطويلة تاركا الراوي ممزقا بين رغبته في النسيان وحاجته للتواصل‏.‏

حكاية لبنان معقدة تماما كما وصفها الزميل يوسف رخا في جملة اعتراضية‏,‏ ومع تقدم الزمن وتلاحق الأحداث سقط الكثير منها من الذاكرة وتداخلت الصور ونشرات الأخبار لترسم في المخيلة صورا عنها جمعت بين اللهو والمتعة والدمار ولكنها ابدا لم تنقل لنا مذاق أيام لبنان‏,‏ وهذا تحديدا ماقدمته سطور علي نصار ويوسف رخا‏.‏ حيث جسدت سطور العملين واقع مدن خلقت زمنها وواقعها الخاص المختلف‏..‏

واقع تلاشي فيه الفرق بين الليل والنهار وامتزج فيه الحلم بالحقيقة في صورة شبه سيريالية ليفرض قوانينه الخاصة ليتحول الموت من مشكلة فلسفية لواقع يغير وجه الحياة‏..‏ واقع يجمد الزمن ويمتزج فيه القلق بالخوف بالحزن وبالاحساس بالعبثية‏..‏ ولعل هذا هو الخيط الذي ربط بين العملين المختلفين في الشكل والذي جعلني بالتبعية اخرق عادتي لأول مرة‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~