قضايا و اراء

43570‏السنة 130-العدد2006مارس22‏22 من صفر 1427 هـالأربعاء

حول الإصلاح المؤسسي في مصر‏(2)‏
أركانه وثوابته
بقلم : د‏.‏ أحمد جمال الدين موسي

هناك مجموعة من المبادئ الأساسية التي يتعين أن نتفق عليها كأركان وثوابت للإصلاح المؤسسي المنشود في مصر وهي‏:‏

أولا‏:‏ ينبغي النظر للمؤسسات باعتبارها كائنات حية متطورة تحتاج لأن تتفاعل مع البيئة المحيطة بها‏,‏ والتي تكون بدورها متأثرة بالتغيرات التي تتعرض لها مع مرور الأيام‏,‏ ومن ثم فإنه من العبث تجميد القواعد والنظم التي تحكم المؤسسات لفترات طويلة لأن ذلك يقود إلي التناقض وعدم المواءمة ومن ثم الشلل والموت التدريجي أو الفشل في أداء المهام والأهداف الموكلة إلي المؤسسة‏,‏ فسعينا نحو تقدم مجتمعنا ونهوضه يتطلب أن نتجنب الركود المؤسسي الذي لا يهدد فقط المستقبل‏,‏ ولكنه يخاطر أيضا بالحاضر‏,‏ فالتغير السريع في الأوضاع التي تحيط بنا عالميا ومحليا يتطلب أن نعيد النظر من حين لآخر‏,‏ وبشكل متسارع في القواعد والنظم المؤسسية التي تؤثر في حياتنا لجعلها أكثر ملاءمة للأوضاع الجديدة بما تعكسه من رؤي ومفاهيم وروابط وعلوم وتقنيات مستحدثة‏.‏

ثانيا‏:‏ أن ما درجنا عليه لسنوات طويلة من وضع نظم مركزية تحكم المؤسسات من خلال قوانين ولوائح موحدة وصارمة وتفصيلية يؤدي إلي جمود دور المؤسسات تدريجيا ويفقدها قدرتها علي التفاعل مع الأحداث التي تمر بها ويحولها إلي كيان بيروقراطي يستوفي الشكل علي حساب الجوهر‏.‏

ثالثا‏:‏ لابد من الثقة في القيادات التي نوكل إليها أمر المؤسسات وقدرتها علي اختيار الحلول الصحيحة لما يواجهها من تحديات ومشاكل‏,‏ قد ينحرف البعض وقد يخطئ البعض الآخر‏,‏ ولكن نفقة هذا الانحراف أو الخطأ بالنسبة للمجتمع في المدي الطويل أدني من نفقة غياب الثقة وتجميد الأوضاع وسيادة النهج البيروقراطي وغلبة مشاعر وسلوكيات السلبية وعدم الاكتراث في المجتمع‏,‏ فالانحراف أيا كان قابل للمحاسبة والتقويم في ظل مبدأ تقابل المسئولية مع السلطة‏,‏ غير أن اختيار هذه القيادات يجب أن يتم بصورة موضوعية تتميز بالنزاهة والشفافية‏,‏ وتوافر الكفاءة‏,‏ وذلك سواء بالانتخاب الحر أو بالاختيار في ظل معايير موضوعية محددة‏,‏ فالمؤسسات تعاني بشدة حين تقع قيادتها في أيدي أشخاص يفتقدون النزاهة أو الكفاءة أو القدرة علي التأثير في الآخرين لتحقيق أهداف المؤسسة والمجتمع‏.‏

رابعا‏:‏ نحن نحتاج إلي تغيير الطبيعة السلطوية القائمة علي المركزية الشديدة من القمة إلي القاعدة في مؤسساتنا المختلفة لتصبح أكثر اتجاها نحو النظم التي تعتمد علي التوازن والمشاركة بين جميع المستويات التنظيمية‏,‏ فقد ثبت في دول عديدة أن تحسن كفاءة المؤسسات العامة والخاصة مرتبط إلي حد بعيد بتشجيع الهياكل الأفقية في التنظيم الإداري جنبا إلي جنب مع الهياكل الرئاسية بحيث يحصل أصحاب الكفاءات والقدرات علي أوضاعهم ومسئولياتهم المستحقة‏,‏ ومن ثم يتغير المجتمع المحكوم بالدولة تدريجيا إلي مجتمع مدني حقيقي قائم علي مشاركة فاعلة من الأفراد في إدارة الشئون العامة مع تمتعهم بالتقدير والثقة في النفس‏,‏ وبما يقلل فرص الفساد الذي يدمر بشدة آليات بناء النظام المؤسسي الكفء ويهدد الاستقرار الاجتماعي ويقلل توقعات الناس بشأن جدوي الإصلاح‏.‏

خامسا‏:‏ ينبغي أن يكون شعارنا في الفترة القادمة هو الإصلاح والتطوير وليس الاستقرار والثبات لأن التطورات الأخيرة خاصة انتخابات مجلس الشعب قد أظهرت رغبة الشعب في التغيير‏,‏ وعدم رضائه عن كثير من الأوضاع والنظم المؤسسية التي تحيط به‏,‏ فواجب الدولة أن ترهف السمع لأوجاع المواطنين وأن تزيح عن كاهلهم القيود التي تحد من قدرتهم علي تحسين مستوي رفاهتهم واشباع حاجاتهم الأساسية وطموحاتهم المشروعة‏,‏ وليس من الضروري أن يأتي الإصلاح المؤسسي شاملا وسريعا وإنما المهم أن يأتي سليما وراسخا ومتتابعا في ضوء رؤية عميقة ومخلصة وأهداف واضحة ومحددة‏,‏ وواقعية‏,‏ وصياغة هذه الأهداف تقتضي حوارا واسعا وصريحا تشارك فيه كل القوي السياسية والاجتماعية النشيطة وقيادات الرأي العام والمثقفون والأكاديميون‏.‏

وبعد أن طرحنا تصورنا لأبرز أركان المشروع الإصلاحي فإن التساؤل يثور عن أهم أولوياته وهو موضوع مقال قادم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~