تقارير المراسلين

43561‏السنة 130-العدد2006مارس13‏13 من صفر 1427 هـالأثنين

العلاقات المغربية ـ الجزائرية
فــرص المصـالحة وتجــاوز قضـية الصــحراء

رسالة الجزائر أشرف العشري
بوتفليقة
علي مدي أكثر من عشر سنوات كان التوتر والمد والجزر لمجمل العلاقات المغربية ـ الجزائرية عنوانا دائما لتعطيل مسيرة الاتحاد المغاربي منذ نشأته‏,‏ ولبرامج التعاون السياسي والاقتصادي المتوقفة أيضا بين دوله الخمس‏,‏ وآليات التقارب المؤجلة إلي أجل غير مسمي‏,‏ وهذا كله بفضل تداعيات قضية الصحراء الغربية القديمة الجديدة التي لا تزال تلقي بظلالها القاتمة بل وربما‏..‏ سارعت في الوقت الحالي في تأجيج قضايا الحدود المغربية ـ الجزائرية المغلقة منذ منتصف التسعينيات وحتي الآن‏.‏

فضلا عن وتيرة التصعيد غير المبرر الذي يشهده هذه الأيام سياج الحدود الممتد لاكثر من ألف كيلو متر وربما يتسبب في مغامرات غير محمودة العواقب خاصة في ضوء التصعيد الأخير الذي لجأت اليه المغرب وبشكل مباغت عن الاعلان لبناء جدار أمني بطول الحدود مع الجزائر بهدف إقامة نحو عشرين نقطة مراقبة جديدة علي الحدود بين البلدين مجهزة بأحدث الوسائل والتجهيزات الأمنية‏.‏

وهو الأمر الذي أثار ضغينة السلطات الجزائرية فلجأت الي التعامل بالمثل وفي الحال خاصة في قضية الحدود التي تشكل الهاجس الأمني الأكبر للجزائريين في ضوء الاتهامات المتبادلة وخاصة من الجزائر للمغرب بغض الطرف عن عمليات الهروب الاكبر للارهابيين فضلا عن تهريب الأسلحة والذخيرة الحية التي استخدمها فلول الجماعات الارهابية لعمليات القتل والذبح خلال سنوات العشرية الحمراء التي يطلقها الجزائريون علي ارهاب سنوات التسعينيات‏.‏

وبالفعل لم يتأخر الرد الجزائري سوي أيام معدودة حيث سارعت السلطات هناك بنشرنحو‏13‏ ألف جندي من قوات حرس الحدود بطول الحدود البرية للجزائر‏.‏

واعتبرت السلطات أن هذا الأمر يصب في خانة محاربة الجريمة والتهريب وحراسة الحدود في إطار إستراتيجية أمنية جديدة ترتكز دون الاعلان عن ذلك صراحة علي أعطاء مسألة تأمين الحدود الجزائرية مع المغرب ودول أخري من دول الجوار بشريط حدودي طوله‏6‏ آلاف كيلو متر الأهمية القصوي‏,‏ وإن كان الجميع في الجزائر يتفهمون صراحة أن لكل هذه الاجراءات وجوهر تلك الاستراتيجية الامنية في مجملها هو موجة لكل ما هو قادم من المغرب في المقام الأول‏.‏
محمد السادس
وسارعت السلطات الجزائرية انطلاقا من مفهوم الدبلوماسية الوقائية التي كرستها تجارب التعامل مع الاتهامات المغربية دوما بأن مثل هذه الاجراءات الأمنية علي الحدود مع المغرب يدخل في نفس الوقت في سياق الاتفاقات الدولية التي أبرمتها الجزائر مع الهيئات الأمنية الدولية من بينها حلف شمال الأطلسي في الوقت الذي تتزايد فيه التسريبات الاعلامية الجزائرية عن أنباء قرب تشكيل قوة عسكرية بين الجزائر والولايات المتحدة الامريكية بغرض حراسة الحدود البرية وتحديدا مراقبة الصحراء علي مستوي دول الساحل الافريقـي تزامنا مع تشديد الاجراءات الامنية بالمناطق الصحراوية في إطار محاربة عمليات التهريب والهجرة السرية‏.‏

خلافات متجزرة
ويبدو أن خلافات الحدود هذه واحدة من رزنامة مشكلات وقضايا خلافية عديدة فشلت فيها بعض الجهود العربية وكان أبرزها بالطبع الوساطات الليبية والتونسية طيلة السنوات الماضية لردم الهوة بين البلدين والبحث عن مخارج جديدة لإنقاذ العلاقات بين البلدين ووقف سباق الحرب الاعلامية المتبادلة عبر حوار القنوات الدبلوماسية وقد نجحت بعض هذه الجهود ولكن لفترات محدودة كان أبرزها لقاءات قمة بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وملك المغرب محمد السادس بمعاونة عربية إضافية علي هامش بعض القمم العربية في السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ ولكن سرعان ما تعود الخلافات بعد أيام قليلة من هذه اللقاءات وتتبخر قراراتها مع أول عملية تصعيد حدودية أوحرب تلاسن اعلامي يقودها هذا الفريق أو ذاك‏.‏

وتذكر بعض الاوساط السياسية في الجزائر أنه بسبب هذا التلاسن غير المحمود علي مدي الساعة بين الدار البيضاء والجزائر تعطلت اجتماعات قمة الاتحاد المغاربي لاكثر من‏12‏ عاما وحتي هذه الساعة حيث كانت آخر قمة مغربية تلك التي عقدت في تونس عام‏1994‏ وبعدها جمدت تلك القمم حتي أشعار آخر بتفعيل تصعيد الحدود الذي أعقب هذه القمة مباشرة بين الجزائر والمغرب حيث كان سجال العمليات الارهابية في الجزائر علي أشده وعلي أثرها توجهت أصابع الاتهام الجزائرية لجماعات الارهاب وأبرزها الجماعة السلفية للدعوة والقتال بأنها تجد الدعم والعون وربما الملاذ الآمن لمناطق الحدود‏.‏

ومازالت غالبية دول المغرب العربي تتذكر تلك الواقعة التي ربما تكون قد كتبت شهادة الوفاة الحقيقية للاتحاد المغربي حيث ارادات ليبيا في مايو من العام الماضي ضرورة تحريك المياه الراكدة اسفل النهر المغاربي وضخ دماء جديدة في عروق هذا الاتحاد فحددت استراتيجية التحرك نحو البلدين الجزائر والمغرب لاقناعهما بضرورة تنحية قضية الصحراء الغربية جانبا والبحث في امكانية عودة الروح لهذا التجمع المغاربي وبالفعل قادت الجماهيرية الليبية تحركات دبلوماسية ماراثونية لاقناع قيادتي البلدين بالتجاوز قليلا عن خلافات الماضي‏.‏

وبعد اتصالات وزيارات مكوكية للقذافي ووزارئه للجزائر والمغرب استمرت قرابة الشهر‏,‏ اتفق الجميع علي استئناف لقاءات القمم المغاربية بقمة عاجلة في طرابلس بليبيا‏,‏ وبالفعل بعد التحضير الجيد واعداد جدول الأعمال من قبل وزراء خارجية دول الاتحاد وفي انتظار وصول القادة أعلنت السلطات الليبية الغاء هذه القمة وفض السامر حيث قررت المغرب المقاطعة ورفض الملك محمد السادس الحضور في اللحظة الأخيرة بسبب الاحتجاج المغربي علي الرسالة التي قيل إن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ارسلها في نفس توقيت التحضير لهذه القمة لرئيس الجمهورية الصحراوية محمد عبدالعزيز يطمئنه فيها ان الجزائر سيظل يولي اهتمامه بقضية الصحراء ولن يتخلي عنها وقالت المغرب يومها ان تلك الرسالة هي التي نسفت قمة طرابلس‏.‏

ويبدو ان ليبيا وتونس ودولا عربية اقتنعت يومها بان الخلافات المغربية ـ الجزائرية باتت متجددة وأنه يستحيل التقارب مالم تجد قضية الصحراء حلا وتتوقف ازمات تصعيد الحدود المتراكمة ويقبل الجميع فتح الحدود علي أرضية التعاون المشترك والتأمين مصلحة لأمن وسلامة البلدين‏.‏

وكان لافتا أن الفشل في احتواء تداعيات الخلافات المغربية ـ الجزائرية بشأن قضية الصحراء أو أزمة الحدود لم يكن من نصيب دول الجوار الجغرافي أو التعثر العربي بل تعداه إلي دور الأمم المتحدة التي دخلت بقوة في السنوات الماضية علي خط هذه الازمة وقررت ان الحل السحري لهذه الخلافات يكمن في انهاء نزاع قضية الصحراء علي الفور عبر مبادرة جيمس بيكر المبعوث الدولي للصحراء بين البلدين ذات النقاط الأربع ولكن بعد اكثر من ثلاث سنوات من الرحلات والجهود المكوكية قرر بيكر نفسه الاستقالة واتباع استراتيجية الهروب إلي الأمام بعد قناعة مفادها ان يستحيل حل خلافات البلدين أو احداث اي تقارب بشأن نزاع الصحراء وبالتالي لابد من الحل علي يد الاجيال القادمة‏.‏

إلا ان الامر الأكثر اثارة في قضية خلافات البلدين ان التصعيد الحدودي الأخير قد جاء متزامنا مع حملات السجال الاعلامي الذي اعتري علاقات الجانبين ووصل إلي مرحلة من السوء لم تشهدها في الفترات السابقة حيث شنت وسائل الإعلام الجزائرية حملة ضد المغرب استمرت لأكثر من خمسة اسابيع ردا علي التشريعات المغلوطة التي كانت تقول الجزائر علي لسان مسئوليها وعبر قنواتها الإعلامية ان المغرب هو الذي يقف وراءها ويروج لها طيلة الوقت خاصة انها كانت تتعلق بقضية حساسة وهي مرض الرئيس بوتفليقة حيث كانت التسريبات المغربية تصب في خانة وطأة مرض الرئيس وتزايد الحديث عن المستقبل السياسي للجزائر بعد بوتفليقة‏.‏

ويومها اتهمت الجزائر بعض الجهات الفرنسية بانها هي التي تضخ بعض التقارير الطبية الخاطئة عن صحة الرئيس واتسعت دائرة الحرب والتلاسن السياسي والإعلامي لفترة من الوقت لم يخمد جذوتها إلا اعلان فرنسا مسئولية الجزائر وحدها عن تقارير صحة الرئيس بوتفليقة وكذلك مبادرة ملك المغرب ليكون أول المهنئين لبوتفليقة لحظة خروجه من المستشفي الفرنسي وكذلك العودة للجزائر بعد غياب‏35‏ يوما للعلاج في الخارج‏.‏

وفي تلك الاثناء توقفت حملات تبادل الاتهامات حيث مازال البعض في الجزائر يعتبر هذه المبادرة من ملك المغرب بمثابة رسالة سياسية للجزائر بامكانية وقف اجواء التصعيد الحدودي والسياسي والرغبة في فتح صفحة جديدة لعلاقات البلدين حيث فوجيء الجميع في الجزائر بتأكيدات عبدالعزيز بلخادم وزير الدولة والممثل الشخصي لبوتفليقة برغبة الجزائر في عودة فتح الحدود والاستعداد لمفاوضات امنية وسياسية لحل جميع القضايا الخلافية بشرط تخلي المغرب عن وضع قضية الصحراء علي رأس جدول الأعمال وإلا سيكون البديل العودة للمربع واحد من جديد‏.‏

وقد تلقت المغرب تأكيدات بلخادم باهتمام‏,‏ ولكن دون التعاطي معها بشكل لافت حتي الآن‏,‏ ولذا فان السؤال الذي مازال يثير اهتمام الجزائريين‏..‏ هل يشهد عام‏2006‏ صفحة جديدة في علاقات البلدين أم ستظل قضية الصحراء وأزمات الحدود العائق الأكبر؟‏!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~