تحقيقات

43559‏السنة 130-العدد2006مارس11‏11 من صفر 1427 هـالسبت

من الاتحاد الاشتراكي إلي المنابر
الأعضاء يهرولون إلي حزب الحكومة دائما‏..‏

تحقيق: منصور حسن
بعد قيام ثورة يوليو‏1952‏ بما يقرب من عام قرر مجلس قيادة الثورة حل الاحزاب السياسية وظلت هذه الاحزاب غائبة حتي عام‏1976,‏ وخلال هذه الفترة ظل تنظيم سياسي واحد يسيطر علي الحياة السياسية مع اختلاف المسميات وهو الأقرب لما يمكن تسميته الحزب الواحد والوحيد وفي نوفمبر‏1976‏ قرر الرئيس أنور السادات وبشكل مفاجيء إنشاء ثلاثة أحزاب سياسية بعد أن كان يطلق عليها المنابر الثلاثة‏,‏ وهي أحزاب‏(‏ مصر ــ الاحرار ــ التجمع‏)‏ ثم توالت الأحزاب السياسية وتضاعفت عدة مرات وبرغم كثرة العدد ومرور‏30‏ عاما علي هذه التجربة إلا أن مصر مازالت تعيش في حالة الفراغ الحزبي‏,‏ الأمر الذي يدعو الي إعادة قراءة هذه التجربة‏.‏

في البداية لابد أن نشير الي أن فترة ما قبل الثورة شهدت فيها مصر حياة حزبية قوية وكانت الاحزاب القائمة ذات تأثير كبير في الواقع السياسي بل كانت الاحزاب تتبادل المواقع من السلطة الي المعارضة والعكس فيما يخص مسألة تشكيل الحكومة‏,‏ ومع قيام ثورة يوليو‏1952‏ تغيبت الاحزاب عن الساحة السياسية‏,‏ وفي النصف الثاني من السبعينات أعلن الرئيس الراحل محمد أنور السادات عن تشكيل ثلاثة منابر سياسية عرفت باسم اليمين والوسط واليسار وكانت هذه المنابر المختلفة تعبيرا عن التوجهات السياسية

وقبل ظهور هذه المنابر وتحديدا في الفترة من يوليو‏1953‏ حتي عام‏1976‏ لم تكن هناك أي ممارسات حزبية‏,‏ لكن كان هناك تنظيم سياسي واحد حيث نشأت هيئة التحرير في عام‏1953‏ المعروف بعام إلغاء الاحزاب واستمرت هذه الهيئة حتي عام‏1957,‏ وبعد ذلك نشأ الاتحاد القومي الذي استمر حتي عام‏61,‏ وهو ذات العام الذي نشأ فيه الاتحاد الاشتراكي وظل الاتحاد الاشتراكي يمثل الحزب السياسي الأوحد والوحيد حتي تفكك في عام‏1976‏ بعد حوار طويل دار في الأروقة السياسية لمدة عامين

وكان هدف هذا الحوار تطوير الاتحاد الاشتراكي واقامة تعددية حزبية‏,‏ وظهرت المنابر الثلاثة التي سرعان ما تحولت الي ثلاثة أحزاب‏,‏ فقد تحول منبر الوسط إلي حزب مصر العربي الاشتراكي‏,‏ ومنبر اليسار الي منبر التجمع الوطني التقدمي ومنبر اليمين ويمثله الاحرار الاشتراكيون‏,‏ وتولي ممدوح سالم الذي كان رئيسا للوزراء رئاسة حزب مصر بينما تولي خالد محيي الدين ــ أحد الضباط الاحرار ــ رئاسة حزب التجمع ــ وتولي مصطفي كامل مراد ــ أحد الضباط الأحرار ــ رئاسة حزب الاحرار‏,‏ وحظي حزب مصر بدعم السلطة في الانتخابات ولذلك فقد حصد‏220‏ مقعدا من مقاعد مجلس الشعب البالغ عددها آنذاك‏360‏ مقعدا‏,‏ وحصل حزب الأحرار علي عدد محدود وكذلك حزب التجمع

وبرغم أن حزب مصر لم يولد من إرادة شعبية حرة بل ولد من رحم السلطة فإن الكثيرين قد هرولوا إليه‏,‏ وفي تلك الفترة حدثت ظاهرة غريبة تمثلت في تحول أعضاء مجلس الشعب من حزب الاحرار ــ وكان عددهم‏24‏ عضوا ــ إلي حزب مصر واحدا تلو الآخر وذلك رغبة في البقاء في أحضان السلطة وكان الوزراء يتفاخرون فيما بينهم أيهم نجح في استقطاب عدد أكبر من نواب الأحرار‏.‏

كما انضم الي الحياة السياسية حزب الوفد الجديد الذي أسسه فؤاد سراج الدين وابراهيم فرج وتم قبوله في فبراير‏1978‏ وبدأ الوفد حزبا معارضا وقويا وتزامن مع ذلك ظهور بعض العناصر المعارضة للنظام داخل حزب مصر وقد قاد تلك المعارضة المهندس عبدالعظيم أبو العطا ــ الذي كان وزيرا للري ــ وبدأ الرئيس السادات يضيق بمواقف حزب مصر ووجه النقد الي رئيسه ممدوح سالم‏.‏

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة أعلن الرئيس أنور السادات عن تأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي الذي وافقت عليه لجنة شئون الاحزاب في أول أكتوبر عام‏1978‏ ليصبح الحزب الخامس في التجربة الحزبية المصرية‏,‏ وبرغم أن الرئيس السادات كان رافضا لترأس رئيس الدولة أي حزب سياسي إلا أنه قبل بالفكرة بعد أن تفاقمت الخلافات بين ممدوح سالم ومحمود أبو وافية في حزب مصر حسب رواية موسي صبري‏,‏ واختار الرئيس السادات المرحوم فكري مكرم عبيد ليصبح أول أمين عام للحزب الوطني وكان من أشد المتحمسين لفكرة الحزب منصور حسن وماهر محمد علي ومحمد عبدالحميد رضوان‏,‏

وعلي حسب قول منصور حسن وزير الثقافة والإعلام الأسبق وأحد مؤسسي الحزب فإن الرئيس السادات كان من أشد الراغبين في بناء نظام ديمقراطي سليم يعتمد علي التعددية الحزبية‏,‏ ولذلك كانت هناك رغبة في ضم عناصر فاعلة من حزب مصر بشرط أن تكون هذه العناصر لديها الرغبة في الانضمام الي الحزب الوطني وأن تكون هذه العناصر من الشخصيات المشهود لها بالكفاءة والسمعة الطيبة‏,‏ ولم تكن هناك نية إطلاقا لدمج حزب مصر في الحزب الوطني

وكما يؤكد منصور حسن فإنه كان ضد فكرة الدمج بين الحزبين وطالبت ببقاء حزب مصر كما هو لكن الذي حدث أن الاعضاء هرولوا بشدة الي الحزب الوطني فقد انضم الي الوطني نحو‏250‏ نائبا من أعضاء مجلس الشعب ولم يظل في حزب مصر سوي‏58‏ نائبا وكان من بين هؤلاءالمنضمين وزراء واعضاء في المكتب السياسي هذه الهرولة أوقعت الرئيس السادات في حرج شديد خاصة أنه لا يستطيع رفض عضوية أي شخص يرغب في الانضمام الي الحزب الوطني وبدأ حزب مصر يتراجع بسرعة كبيرة وانهار الحزب عندما استقال منه ممدوح سالم‏,‏ ثم تلا ذلك عقد اجتماع لبعض اعضاء المكتب السياسي لحزب مصر وصدر بيان بدمج حزب مصر في الحزب الوطني مع العلم أنه كان هناك بعض الأعضاء لا يرغبون في ذلك مثل المهندس عبدالعظيم أبو العطا وزير الري الذي مات فيما بعد أثناء فترة اعتقاله‏.‏

ويشير منصور حسن إلي أن العام الأول من تاريخ الحزب الوطني شهد حالة خواء سياسي ولم يكن هناك لجان حزبية فاعلة وكان اعضاء اللجان النوعية صورة طبق الأصل من أعضاء مجلس الشعب‏,‏ ولذلك بدأنا بفتح قنوات جديدة بدأت بأساتذة الجامعات الذين أخذوا يضعون البرامج السياسية برغم أنهم لم ينضموا إلي عضوية الحزب‏,‏ وبدأت المناقشات تدور في حرية ودون الالزام بفكر مسبق بحيث يبتعد الحزب عن الارتباط بالسلطة التنفيذية وشارك الرئيس السادات في هذه الحوارات غير أن هذا المشروع توقف وانتهي في مايو‏1981.‏

ويبدو أن قوة الحزب الوطني التي استمدها من قوة الكيانات والاعضاء الذين انضموا إليه منذ اليوم الأول وحتي يومنا هذا قد وضعت بقية الاحزاب الأخري أمام اختبار صعب‏,‏ خاصة فيما يتعلق بمسألة نقد السياسات الحكومية وفي القلب منها سياسات الرئيس التي لم يكن مرحبا بها في ذلك الوقت لكن الجميع ــ علي حسب دراسة د‏.‏ عمرو ربيع هاشم بمركز الدراسات السياسية بالاهرام ــ قد اختار علي ما يبدو المواجهة فالاحزاب والقوي السياسية لم ترق لها سياسة الصلح مع اسرائيل‏.‏ كما أنها عارضت بقوة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للنظام المصري

وقد سعي السادات بالمقابل الي استبدال تلك المعارضة التي كان يقودها حزب التجمع‏,‏ بعد أن حل الوفد نفسه بحزب جديد أوكل السادات الي المهندس إبراهيم شكري وزير الزراعة وعضو المكتب السياسي لحزب مصر رئاسته ووقع بنفسه علي وثيقة ميلاده ومع ذلك فإن هذا الامر لم يقلل من الازمة بل علي العكس زادت الانتقادات للنظام السياسي وقويت المعارضة الاسلامية وبعد عدة أشهر خرج إبراهيم شكري عن خطه المهادن ولحق بركب حزب التجمع في معارضة السادات ولم يعد علي الساعة الحزبية عمليا سوي الحزب الوطني‏,‏

فقد صعد السادات المواجهة مع المعارضة من خلال سلسلة من القوانين المقيدة للحريات السياسية‏,‏ كما جري التلاعب في انتخابات مجلس الشعب في عام‏1979‏ وقد انتهي هذا الاحتقان السياسي بقرارات سبتمبر لعام‏1981‏ التي شهدت أوسع حملة اعتقالات‏.‏

وبرغم ظهور احزاب جديدة علي الساحة السياسية فإن الحزب الوطني ظل يحكم قبضته علي الحياة السياسية وظلت جميع الاحزاب الجديدة والقديمة بمثابة المتفرج‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~