شباب وتعليم

43526‏السنة 130-العدد2006فبراير6‏7 من محرم 1427 هـالأثنين

كلمـــات جـــــريئــــة
يكـــتبـهـا‏:‏ لبـــيــب الســـــبــاعي

فضلوه علي العلم‏!!‏
لاأظن أن هناك وزارة في مصر تتعرض لنصف ما ينال وزارة التربية والتعليم من النقد والغضب من الرأي العام‏.‏ وهو أمر طبيعي في ظل اعتبارات كثيرة أولها الإحساس العام بتدني مستوي هذا التعليم وتراجعه عاما بعد عام وثانيها أن عمل الوزارة يدخل في حياة كل أسرة في مصر وآخرها أن النجاح الوحيد والمؤكد الذي حققته الوزارة هو أنها فقدت بجدارة مصداقيتها لدي الرأي العام بعد أن عاش المواطن سنوات طويلة تكفي لأن ينمو ويتحول إلي أب خلالها التلميذ الطفل ليصبح ـ بمرور السنوات ـ أبا وولي أمر تلميذ وهو يسمع نفس التصريحات ونفس الوعود والأحلام والأمنيات وكلها ـ سبحان الله ـ تسير عكس الواقـع تماما‏!.‏

ورغم ذلك فإن الأمر المدهش في هذه الوزارة ـ رغم طوفان النقد الذي تتعرض له ـ هو ذلك المستوي الأخلاقي الرفيع لكل من تولي مسئولية وزير التربية والتعليم‏!!‏ والأمثلة علي ذلك عديدة أبرزها بالطبع الدكتور مصطفي كمال حلمي فهو إلي جانب علمه شخص مفرط في الأدب حتي أصبح يضرب به المثل في الحياء والأخلاق وكذلك الدكتور حسين كامل بهاء الدين كان ومازال بحق شخصية تدعو للاعجاب بقدرته علي التعامل بمودة واحترام متبادل مع من حوله وشعاره كما كان يقول هو الآية الكريمة أدفع بالتي هي احسن ومازال الدكتور بهاء الدين إلي اليوم و حتي بعد خروجه من موقعة الوزاري حريصا علي هذا التواصل الإنساني مع كل من تعامل معهم وفي مقدمتهم من اختلف معهم أو اختلفوا معه‏..‏ وتكرر الأمر مع الدكتور أحمد جمال الدين موسي الوزير السابق والذي رغم الفترة القصيرة التي أمضاها في منصبة كان أبرز ما يميزه هو نفس الأدب الجم والسلوك الرفيع‏.‏

مناسبة الكلام لقاء مع الوزير الجديد الدكتور يسري الجمل بمبادرة كريمة منه أستمر خلالها الحوار حرا علي مدي ما يزيد عن الساعة والنصف الساعة لفت نظري فيها بشدة أنه يتصف بنفس صفات من سبقوه علي مقعده الوزاري‏..‏ صفات الاحترام والتواضع والأدب المفرط‏..‏ وعلي مدي اللقاء كله استمعت إلي ما يمكن أن يسمي أفكار أو رؤية الوزير الجديد وأنا شخصيا اسميها أحلام وأمنيات الوزير ـ كل وزير ـ والحقيقة أن ما سمعته لم يكن بالنسبة لي جديدا فقد سبق لي أن سمعته عدة مرات في نفس المكتب ومن الوزراء السابقين‏..‏ أفكار كثيرة وأحلام وردية مشرقة وطموحات بلا حدود ولكن عند التطبيق يبقي الواقع للأسف رماديا كئيبا يثير التشاؤم‏!!.‏

وفي كل مرة استمع لأفكار وأمنيات كل وزير جديد كنت أدعو الله في سري أن يتحقق ولو‏10%‏ منها فقط وأشارك ـ قدر اقتناعي ـ في طرح بعض هذه الطموحات والأحلام واتابع التصريحات الصحفية والحوارات المطولة والندوات واللقاءات التليفزيونية لكل وزير جديد وهي طقوس ترسخت مع كل وزارة جديدة وكل وزير جديد‏..‏ ولكن لأن الواقع تحكمة اعتبارات كثيرة والتنفيذ يتطلب أمكانيات وظروف عديدة والوزير ـ خصوصا في وزارة التربية والتعليم ـ هو دائما وزير جديد فعلا‏..‏ جديد بمعني أن خلفيته من خارج الوزارة‏..‏ لا ننكر علمه وأستاذيته ومكانته العلمية أو الأكاديمية‏..‏ ولكن ما أدراك ما وزارة التربية والتعليم ثم ما أدراك ما وزارة التربية والتعليم؟‏!‏ هي وزارة من حيث عدد من نتعامل معهم مباشرة ـ مدرسون وإداريون وتلاميذ وغيرهم يزيد عن عشرة ملايين‏!!‏ نعم عشرة ملايين‏..‏ أي أن وزيرها مسئول عن إدارة مؤسسة حجمها يعادل ثلاث دول خليجية‏!!‏

ولكن طبعا بدون موارد أو امكانيات هذه الدول ومن هنا تتهاوي الأحلام علـي أرض الواقع‏!!‏ الوزيرأي وزير ـ ونحن معا ـ نتمني تعليما جيدا‏..‏ ومناهج متطورة وفصولا أقل كثافة ومرتبات محترمة للمعلم وأنشطة للتلاميذ وكتبا دراسية مقبولة من حيث الشكل والمحتوي وغياب للدروس الخصوصية‏!!‏ وامتحانات لا تقيس الحفظ بقدر ما تقيس الفهم‏!!‏ ولكن لأن الوزير الجديد والذي هو من خارج الوزارة لا يعرف حجم المأساة التي يواجهها بدءا من تواضع الامكانيات إلي دهاليز الوزارة التي لا يعرفها سوي أصحابها تكون النتنائج عكس الأمنيات‏.‏

ولا يوجد وزير أو غفير إلا و يتمني أن تتحقق آمال الوزير الجديد ولكن ليس بالأمنيات تحقق الآمال أو أن يتحقق ولو بعضها ولكن ماذا يقول الواقع؟‏!‏ الاجابة هي أن كل ما نتمناه يتحقق عكسه تماما‏..‏ فالمستوي التعليمي يتراجع بانتظام‏!!‏ والمناهج تزداد تخلفا عما يناظرها في العالم من حولنا‏..‏ كثافة الفصول تتزايد ويختنق الطلاب من التكدس بل وأصبح ما تحلم به بعض المدارس هو مجرد مقاعد لتلاميذ تجلس علي الأرض‏..‏ ومرتبات المدرسين‏,‏ وقد نشرنا ذلك ـ حاجة تكسف ـ والأنشطة الطلابية أصبحت من التراث والكتب الدراسية يتسلمها الطالب صباحا ليلقي بها إلي بائع الروبابيكيا بعد الظهر معتمدا علـي الكتاب الخارجي‏!!‏ والدروس الخصوصية تتوحش وتتغول وتنتشر ولن تتوقف بقرارات من السيد الدكتور الوزير ـ أي وزير ـ ولا حتي بقرار من مجلس الوزراء نفسه مادامت الأوضاع السابقة مستمرة علي ما هي عليه والامتحانات مازالت تعتمد أساسا وقبل كل شئ علي ما يسمي النماذج او أدلة الامتحان وهي نماذج تصدرها الوزارة لترسيخ العقلية الحافظة والتسجيلية في الطالب‏!!.‏

ويواصل الدكتور وزير التربية والتعليم ـ أي وزير السابق أوالحالي أوالقادم ـ كان الله في عون كل منهم طرح أحلامه وأمنياته في شكل تصريحات صحفية متصورا أمكانية تحويل الحلم إلي واقع وتمر الأيام والشهور حتي يكتشف الحقيقة وفي أغلب الأحوال قد يغادر موقعه قبل أن يكتشفها‏.‏

ويتولي الوزارة وزير جديد ليتكرر نفس السيناريو مرة أخري ولاجديد تحت الشمس‏..‏ فوزارة التربية والتعليم نموذج لسوء الحظ في كل شئ اللهم سوي حسن الحظ في أخلاق وتواضع وتحضر من يتولي موقع الوزير بها‏!!‏ وربما كان ذلك تعبيرا عن مقولة يرددها عامة الناس وقد تصبح شعار الوزارة وهي أن الأدب فضلوه علي العلم‏!!‏


موضوعات أخرى


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية