الوجه الآخر

43540‏السنة 130-العدد2006فبراير20‏21 من المحرم 1427 هـالأثنين

إشراف : مهــــــا النحـــــــاس

حــــــــــرب الرســــــــوم
من فان جوخ‏..‏ إلي يولاندز بوستن‏:‏
مع سبق الإصرار والترصد‏!‏

كتب: هاني عسل
غلاف مجلة لونوفيل اوبزرفاتور الفرنسية وقد حمل عنوانه الرئيسى لا للتعصب على إثر الاعتداء على سفارة الدنمارك فى بيروت نتيجة للرسوم المسيئة للنبى صلى الله عليه وسلم
مازالت حملة الإساءة إلي الإسلام والي الرسول صلي الله عليه وسلم تلقي ردود فعل غاضبة في مختلف أنحاء العالم سواء من جانب المسلمين الذين يقطنون هذه البلاد أو المعتدلين من أبنائها خصوصا دول الغرب التي إتسعت فيها دائرة الحملة من الدنمارك والنرويج إلي بريطانيا وفرنسا وغيرهما‏.‏ وفي هذا الملف نرصد ردود الأفعال وموقف الدول الاسلامية منها‏.‏

يشكل المسلمون نحو‏2%‏ فقط من إجمالي عدد سكان الدنمارك البالغ‏4,5‏ مليون نسمة مقابل‏95%‏ من المسيحيين الذين يتبعون الكنيسة الأنجيلية اللوثرية‏,‏ وخمسة في المائة من البروتستانت والكاثوليك‏,‏ وهذه النسبة‏,‏ فضلا عن كونها ضئيلة للغاية فهي غير مؤثرة علي الإطلاق في المجتمع الدنماركي‏,‏ باعتبار أن غالبية المسلمين هناك‏-‏ وهم من الأصول التركية والإيرانية والصومالية‏-‏ يشغلون الوظائف الأقل أهمية في المجتمع‏,‏ ويندر العثور علي مسلم يشغل وظيفة مرموقة في هذا المجتمع‏.‏

ومع ذلك‏,‏ ومنذ قيام صحيفة‏'‏ يولاندز بوستن‏'‏ بنشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول في سبتمبر الماضي‏,‏ استجمع المسلمون في الدنمارك قواهم وحاولوا اللجوء إلي الطرق القانونية والمتحضرة للاعتراض عليها‏,‏ وكانت البداية عندما حاول عدد من الجمعيات الإسلامية في الدنمارك التقدم بشكوي إلي الشرطة في‏27‏ أكتوبر الماضي ضد قيام الصحيفة المذكورة بخرق البندين‏140‏ و‏266‏ من قانون العقوبات الدنماركي‏,‏ إذ يمنع البند‏140‏ أي دنماركي من الاستهزاء العلني من المعتقدات الدينية لأي مواطن دنماركي آخر‏,‏ بينما يجرم البند‏266‏ أي شخص ينشر معلومات أو تصريحات الغرض منها إلحاق الإهانة بشخص معين بسبب انتمائه الديني‏.‏ ولكن‏,‏ في يناير الماضي‏,‏ قرر المدعي العام الأعلي في مدينة فيبورج الدنماركية إسقاط القضية قبل وصولها إلي المحكمة‏,‏ بدعوي أنه وجد أنه لا أساس للقضية‏,‏ وقال أيضا إنه‏:'‏ لإطلاق مصطلح اعتداء علي أي حادثة يجب أن يؤخذ في الاعتبار حق حرية التعبير عن الرأي الذي يجب أن يمارس في إطار حقوق الإنسان‏'.‏

ومما زاد الطين بلة‏,‏ أن قطاعا عريضا من وسائل الإعلام الدنماركية والمثقفين تبني موقف الجريدة‏,‏ وسارع إلي الدفاع عنها باستماتة‏,‏ معتبرا أنها تتعرض لحملة شرسة من قبل أشخاص وجهات لا يؤمنون بحرية التعبير‏,‏ وذلك علي الرغم من أن كل ما فعله المسلمون في الدنمارك كان ـ حتي هذه اللحظة ـ هو مجرد‏'‏ محاولة‏'‏ اللجوء للقضاء والقانون‏!‏ ومما زاد من حنق المسلمين أن حملة الدفاع عن الصحيفة شارك فيها التياران الليبرالي والمحافظ معا‏,‏ فالحكومة اتخذت موقفها المعروف منذ البداية‏,‏ وحتي روبرت مينارد رئيس جمعية‏'‏ مراسلون بلا حدود‏'‏ زعم بأن يولاندز بوستن‏'‏ أعطت العالم درسا في حرية التعبير عن الرأي‏'!‏

ويمكن القول إن حادثة مقتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ علي يد شاب هولندي من أصل مغربي بسبب قيام المخرج بإعداد عمل فني تضمن إساءة للإسلام كانت وراء هذا‏'‏ العناد‏'‏ الذي انتهجته الأوساط الإعلامية والثقافية والسياسية في الدنمارك خلال هذه الأزمة‏,‏ فهم في الدول الإسكندنافية يعتبرون أن ليبراليتهم المفرطة شيء يدعو للفخر لهم ربما علي غيرهم من المجتمعات الديمقراطية العتيدة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا‏,‏ كما يرون أن الإسلام‏-‏ أو ربما الوجه المتطرف الذي لا يشاهدون غيره عبر وسائل الإعلام‏-‏ يمثل خطرا حقيقيا علي استقرار ورفاهية مجتمعاتهم‏,‏ خاصة وأنه معروف أن التيار اللا ديني هو السائد في أوروبا هذه الأيام‏,‏ وحالة الفراغ العقائدي هذه هي التي مهدت الطريق أمام الإسلام للدخول إلي قلوب كثيرين‏,‏ ولعل هذا الاتجاه هو ما دفع المجتمع الدنماركي إلي استقبال الوجه الآخر من العملة وهو التيار اليميني المتطرف‏,‏ ويمثله الآن حزب الشعب اليميني المتطرف‏,‏ والذي يري في المهاجرين بصفة عامة الخطر الأكبر علي البلاد‏.‏

وكلمة‏'‏ المهاجرين‏'‏ هنا تحوي كلمة‏'‏ المسلمين‏'‏ بطبيعة الحال‏,‏ بل إنه الخطر الأكبر عليهم لأنه قادم من الخارج في صورة الهجرة وقادم من الداخل في صورة انتشار الدين بين الأوروبيين أنفسهم‏,‏ وكان حادث مقتل فان جوخ دليلا علي أن الليبرالية المفرطة باتت مهددة‏.‏

وكانت هولندا قد أحيت في نوفمبر الماضي‏-‏ أي في خضم أزمة الرسوم الدنماركية‏-‏ الذكري السنوية الأولي لرحيل ثيو فان جوخ‏,‏ علي اعتبار أنه بطل قومي‏,‏ وكان العمل الفني الذي تسبب في موته هو عرضه فيلما بعنوان‏'‏ الخضوع‏'‏ الذي تضمن مشاهد لسيدات عاريات مكتوبة علي أجسادهن آيات من القرآن الكريم‏,‏ وتسبب حادث مقتل فان جوخ في موجة من العنف والعنف المضاد بين هولنديين وعدد من أبناء الجاليات المسلمة امتد‏-‏ كما نذكر جميعا‏-‏ إلي أكثر من دولة أوروبية‏,‏ والشاب الذي قتله يقضي الآن عقوبة السجن مدي الحياة في أحد سجون هولندا‏.‏

وفي السنوات الأخيرة أيضا‏,‏ تعالت أصوات في كثير من الدول الأوروبية تدعو إلي ضرورة إجراء تعديلات في القوانين القديمة المتعلقة بالإساءة إلي الرموز الدينية‏,‏ نظرا لأن بعض هذه القوانين الموجودة بالفعل لا يتم تطبيقها بشكل فعال ومتساو‏,‏ مما يسبب الكثير من المشكلات بين أبناء الديانات المختلفة‏.‏

ولكن مع انتشار الهجرة إلي أوروبا وانتباه الأوروبيين إلي خطورة تيارات الهجرة علي أنماط الحياة في مجتمعاتهم‏,‏ فقد وجدت الكثير من الدول في أوروبا نفسها في مواقف قانونية حرجة لوجود بنود في قوانينها الجنائية تجرم المسيئين إلي الرموز الدينية ووجود بنود أخري تسمح بحرية التعبير عن الرأي‏,‏ وهذه القوانين التي تعتبر الإساءة إلي الأديان عملا مخالفا للقوانين لا تزال موجودة علي سبيل المثال في البندين‏188‏ و‏189‏ من القانون الجنائي في النمسا‏,‏ والبند‏10‏ من القانون الجنائي في فنلندا‏,‏ والبند‏166‏ من القانون الجنائي في ألمانيا‏,‏ والبند‏147‏ في القانون الجنائي في هولندا‏,‏ والبند‏525‏ في القانون الجنائي في إسبانيا‏,‏ وبنود مشابهة في قوانين إيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة‏.‏

ومع ذلك‏,‏ وفي وجه هذه التيارات العاصفة‏,‏ فما زالت هناك الكثير من الأصوات المتعقلة التي ترفض التمادي في حرية التعبير إلي درجة تخطي حدوده‏,‏ فعلي الرغم مما يقال عن أنه لا توجد خطوط حمراء للحرية‏,‏ فإن الواقع يقول إنه توجد خطوط حمراء في الغرب الليبرالي بالفعل‏,‏ وأول هذه الخطوط هو خط العداء للسامية أو انتقاد سياسات إسرائيل أو‏'‏ مجرد‏'‏ إعادة فتح الحديث عن الهولوكوست‏,‏ ونذكر جميعا ما حدث لروجيه جارودي‏!‏

ولهذا‏,‏ أدلي الأديب الألماني الشهير جونتر جراس بتصريح لمجلة دي فيلت الألمانية وصف فيه الرسوم المسيئة للنبي محمد في‏'‏ يولاندز بوستن‏'‏ بأنها فعلا مهينة و مؤذية لمشاعر المسلمين حول العالم‏,‏ كما أكد أن نية الصحيفة الدنماركية لاستفزاز مشاعر المسلمين كانت واضحة‏,‏ وشبه الرسوم برسوم معادية لليهود نشرتها صحيفة ألمانية قبيل الحرب العالمية الثانية‏,‏ كما أعلن أن ردود الفعل الإسلامية الغاضبة ضد نشر الرسوم‏'‏ متوقعة وغير مفاجئة‏,‏ وتأتي في إطار دوامة من العنف العالمي فجرها الغرب بدعمه للرئيس الأمريكي جورج بوش في غزوه المخالف للقانون الدولي للعراق‏'.‏

وأضاف‏:'‏ أن تذرع الغربيين بالدفاع عن حرية الصحافة كمبرر لنشر الرسوم الكاريكاتيرية يظهر تجاهلهم عمدا لحقيقة تعبير الصحافة الغربية عن مصالح الشركات الاستثمارية العملاقة الممولة لها والمتحكمة في توجيه وقيادة الرأي العام بصورة أفقدته القدرة علي التعبير عن رأيه الحر‏',‏ وأضاف أن علي الغرب‏'‏ المغرور والمفتون بذاته عدم الحديث عن حرية الصحافة قبل تحليل وضع هذه الحرية لديه هو‏,‏ وإدراك أن مناطق أخري في العالم ليس بها فصل بين الدين والدولة‏'.‏ وهذا المعني هو نفس ما أكده الكاتب الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك في مقاله بصحيفة الإندبندنت حيث قال إن المشكلة أن الدين في أوروبا لا يعني الكثير‏,‏ بينما هو‏'‏ الحياة‏'‏ بالنسبة للمسلمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~