الكتاب

43539‏السنة 130-العدد2006فبراير19‏20 من المحرم 1427 هـالأحد

هل كان العقاد قارئا للفنجان؟
بقلم‏: ‏رجاء النقاش

كان العقاد منذ بداية حياته الفكرية في أوائل القرن العشرين عدوا للديكتاتورية والاستبداد ومؤمنا أشد الإيمان بالديمقراطية ـ وقد عاش العقاد الجزء الأكبر من حياته في النصف الأول من القرن العشرين‏,‏ وفي هذه الفترة ظهرت الأنظمة الديكتاتورية الكبري التي عرفها العالم الحديث‏,‏ وأهم هذه الأنظمة وأكثرها خطورة كان النظام النازي في ألمانيا‏1933‏ ـ‏1945‏ والنظام الفاشي في ايطاليا‏1922‏ ـ‏1945‏ والنظام السوفيتي في روسيا‏1917‏ ـ‏1991‏ مع الفارق بالطبع بين النازية والفاشية من جانب والنظام السوفيتي من جانب آخر‏,‏ فقد كان النظام السوفيتي أفضل بكثير في سمعته وإنجازاته المختلفة من النظامين النازي والفاشي‏,‏ ولكن هذه الأنظمة عموما تلتقي في نقطة واحدة هي رفضها للديمقراطية وحرية التعبير وحق الشعوب في اختيار حكامها عن طريق الانتخاب الحر المباشر النزيه‏.‏

وكان موقف العقاد الثابت من هذه الأنظمة جميعا هو نقدها والاعتراض الشديد عليها‏,‏ وقد تنبأ العقاد منذ وقت مبكر جدا بأن هذه الأنظمة جميعا سوف تنهار‏,‏ وأنها غير قابلة للاستمرار‏,‏ وكان البعض يسخرون من تنبؤات العقاد ويصفون هذه التنبؤات بأنها نوع من الخرافات أو هي بالأحري نوع من التخريفات التي لاتختلف عن قراءة الفنجان والبحث عن المستقبل وأسراره في هذا الفنجان‏,‏ وهو أمر لايليق بالعلماء والمفكرين وأصحاب الآراء الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون عقول الناس‏.‏

علي أن الأيام أثبتت أن العقاد كان بعيد النظر وكان علي صواب في تنبؤاته جميعا‏,‏ فقد انهارت جميع النظم التي تنبأ لها بالانهيار‏,‏ وقد أتيح للعقاد أن يري في حياته انهيار نظامين كبيرين من الأنظمة التي حاربها وانتقدها واعترض عليها ووقف ضدها من البداية‏,‏ وهما النظام الفاشي في ايطاليا والنظام النازي في المانيا‏,‏ فقد انتهي النظام الفاشي الايطالي سنة‏1945‏ باعدام زعيمه موسوليني مع عشيقته كلارا بيتاتشي وتعليق جثتيهما بميدان عام في مدينة ميلانو‏,‏ أما النظام النازي فقد انتهي بانتحار زعيمه هتلر في‏30‏ ابريل سنة‏1945,‏ وتسليم خليفته الجنرال دونتز للحلفاء دون قيد أو شرط وهكذا تحققت نبوءة العقاد بالنسبة للفاشية والنازية في حياته‏,‏ ولكن العقاد توفي سنة‏1964‏ دون أن يري بعينيه تحقيق نبوءته عن انهيار الاتحاد السوفيتي سنة‏1991‏

لم يكن العقاد قارئا للفنجان‏,‏ ولكنه كان مؤمنا ايمانا عميقا راسخا بأن الأنظمة السياسية المعادية للديمقراطية لا مستقبل لها‏,‏ وأنها تحمل في تكوينها عناصر انهيارها وفنائها‏,‏ وأن النظام الوحيد الآمن والقابل للاستمرار والقادر علي حماية كرامة الفرد وسلامة المجتمع هو النظام الديمقراطي‏.‏

وللعقاد كتاب صغير مجهول‏,‏ أو شبه مجهول‏,‏ عنوانه الحكم المطلق في القرن العشرين وقد صدر هذا الكتاب سنة‏1928,‏ وأهداه العقاد إلي مصطفي النحاس باشا خليفة سعد‏,‏ وعنوان ثقة الأمة المصرية‏,‏ وكان العقاد أيامها منتميا إلي حزب الوفد القديم‏,‏ وكان الكاتب الأول في صحف هذا الحزب‏,‏ وفي هذا الكتاب يدافع العقاد عن الديمقراطية دفاعا قويا واضحا مبنيا علي الدراسة والعلم والتأمل في أحداث التاريخ وأحوال الشعوب‏,‏ وفي هذا الكتاب يؤكد العقاد أن الديمقراطية هي التي تحمي البلدان والشعوب من الاضطرابات والخصومات والمجاعات وأن البلدان الديمقراطية ـ في معظم الأحوال ـ هي التي تنتصر في الحروب‏,‏ بينما تنهزم الدول القائمة علي الديكتاتورية في المعارك النهائية‏,‏ وإن حققت بعض الانتصارات في بعض الأوقات‏,‏ ويثبت العقاد أن بعض النظم الديكتاتورية عندما تقع في أزمات أساسية فإنها قد تفكر في الديمقراطية علي أمل النجاة واكتساب ثقة الشعب‏,‏ ويضرب مثلا علي ذلك بما قاله نابليون في المرحلة الأخيرة من حكمه والمعروفة باسم المائة يوم وذلك عندما طالبه وزير من وزرائه واسمه كونستان بالديمقراطية فقال للوزير‏:‏ قل لي ماهي أفكارك؟ حرية الكلام‏,‏ وحرية الانتخاب‏,‏ ووزراء مسئولون وصحافة حرة؟ إنني موافق علي كل ذلك‏,‏ خاصة علي حرية الصحافة‏,‏ إن محاولة سحق حرية الصحافة بعد الآن هي سخف‏,‏ وأنا رجل من الشعب‏,‏ فإذا كان الشعب يريد الحرية حقا فلابد من إعطائه الحرية‏,‏ إن موقفي جديد‏,‏ فإنني أشيخ‏,‏ وفي الخامسة والأربعين لايكون الرجل كما كان في الثلاثين‏,‏ والسلام الذي يتحقق في المجتمع الدستوري يلائمني جدا ولكن نابليون انهزم في معركة ووترلو لم تتحقق أحلامه في الديمقراطية‏.‏ ويشير العقاد في كتابره عن الديكتاتورية أو الحكم المطلق إلي بعض الوقائع التاريخية فيقول‏:‏ في روما القديمة كان مجلس الشيوخ في أوقات الخطر علي الوطن ـ لاحظ أوقات الخطر علي الوطن ـ ينتدب من زعماء الأمة ديكتاتورا يساعده قائد حربي ويطلق يده في الشئون العامة زمنا أقصاه في العادة ستة أشهر‏,‏ وكثيرا ما كان الديكتاتور يعتزل وظيفته باختياره إذا أنجز ما انتدب له قبل الموعد المضروب‏,‏ وكان مجلس الشيوخ علي كل حال يحتفظ بحقوقه التامة في أثناء ذلك ويشرف يوما يوما علي أعمال الديكتاتور وأعوانه الحربيين‏.‏

علي أن أعظم معركة خاضها العقاد من أجل الديمقراطية كانت معركته ضد النازية والفكر النازي‏,‏ ولم تكن هذه المعركة سهلة‏,‏ لأن النازية في فترة ازدهارها من‏1933‏ وحتي سقوطها سنة‏1945,‏ كان لها في العالم العربي أنصار ومؤيدون‏,‏ وفي سنة‏1940‏ أصدر العقاد كتابه الهام هتلر في الميزان وفيه يهاجم العقاد هتلر والنازية هجوما عنيفا‏,‏ وفي ذلك العام سنة‏1940‏ بالتحديد كان هتلر والنازية في أوج الانتصار والنجاح الساحق‏,‏ ولم يتأثر العقاد بالموجة التي امتدت إلي الوطن العربي كله ومنه مصر ـ وكانت تقوم علي التعاطف مع النازية والأمل فيها‏,‏ حيث يقال إن الملك فاروق كان يميل إلي الألمان ميلا شديدا‏,‏ وفي العراق قام انقلاب سنة‏1941‏ يعتمد علي تأييد الألمان‏,‏ وكان هذا الانقلاب تحت زعامة رشيد عالي الكيلاني‏,‏ وضمت وزارة الانقلاب وزيرا كان معروفا باعجابه بهتلر وهو علي محمود الشيخ علي كما ضمت وزيرا آخر هو يونس السبعاوي كان قد ترجم إلي العربية كتاب كفاحي لهتلر‏,‏ قبل قيام الانقلاب وقبل اشتراكه في وزارة الكيلاني‏,‏ وقد انتشر التعاطف مع النازية في أوساط بعض الشبان السياسيين العرب‏,‏ تحت تأثير عداء النازيين للانجليز والفرنسيين الذين كانوا يستعمرون معظم الدول العربية‏,‏ وتحت تأثير أكبر من بعض الوعود النازية بتأثير القضايا العربية‏,‏ كما جاء ـ علي سبيل المثال ـ في رسالة بعث بها ريبنتروب وزير خارجية هتلر إلي المؤتمر الذي عقده الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين في برلين في‏2‏ نوفمبر سنة‏1943‏ في ذكري وعد بلفور‏,‏ حيث كان المفتي يقيم في المانيا آنذاك‏,‏ ويلتمس منها العون ومساعدة العرب‏,‏ فقد جاء في رسالة وزير الخارجية النازي إلي المؤتمر العربي مانصه‏:‏ إن المانيا حليف للعرب الآن أكثر منها في أي وقت‏,‏ وإن إزالة الوطن القومي لليهود من علي وجه الأرض‏,‏ وتحرير الأمم العربية من الطغيان والاستغلال الأجنبيين من المباديء الأساسية للسياسة الألمانية ووصلت موجة التعاطف مع النازية لدي البعض في الوطن العربي إلي الحد الذي دفع بشاب مصري هو محمود العيسوي إلي اغتيال أحمد ماهر رئيس الوزراء المصري لأنه أعلن الحرب علي الألمان سنة‏1945,‏ وكان لابد من إعلان الحرب حتي تتمكن مصر من أن تصبح عضوا في الأمم المتحدة التي كان يجري انشاؤها في ذلك الوقت‏.‏

أما العقاد الذي هاجم النازية بقوة وعنف في كتابه هتلر في الميزان فقد تعرض لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للقدس سنة‏1942,‏ وكان الذي حاول اغتيال العقاد شاب عربي فلسطيني من المتعاطفين مع النازية‏,‏ وعندما اقترب القائد الألماني روميل من الاسكندرية سنة‏1942‏ اضطر العقاد للسفر إلي السودان حتي يكون بعيدا عن أيدي الألمان النازيين إذا دخلوا القاهرة‏,‏ حيث قيل إن الألمان أعلنوا أنهم سوف يعدمون العقاد عندما يمسكون به‏.‏

مصادر المقال‏:1‏ ـ كتاب ألمانيا الهتلرية والمشرق العربي تأليف لوكاهيرزويز ترجمة د‏.‏أحمد عبد الرحيم مصطفي‏2‏ ـ كتاب هتلر في الميزان وكتاب النازية والأديان للعقاد‏3‏ ـ كتاب العقاد بين اليمين واليسار لكاتب هذه السطور‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~