لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

الكتاب

43846‏السنة 131-العدد2006ديسمبر23‏3 من ذى الحجة 1427 هـالسبت

سوناتا لتشرين‏(24)‏
بقلم : أسامة أنور عكاشة

وحدي أملك اليقين‏!‏ وحدي أعرف الحقيقة‏!‏ لكن يقيني يساوي الوهم‏,‏ وحقيقتي لا تعدو أن تكون ضلالة عقل مخدوع إذا لم ير الآخرون ما أراه‏,‏ أو عرفوا ما أعرفه‏,‏ وما أظنني إلا من الهالكين لولا أن يقيض لي ما ينتشلني من بئر سقطت فيه وظللت أهوي من ظلمة إلي ظلمة دون أن تلمس قدماي قرارة القاع‏,‏ وحين حاول جاري ـ ذلك البحار المتقاعد ـ أن يناولني طوق نجاة لم يفلح إلا في دفعي إلي الغوص أكثر باجتذابي إلي عوالم ذكرياته عن غزوات المرافئ‏,‏ ومغامرات النساء‏!‏ بينما كنت أغوص واستملح الغوص نبهتني كجرس إنذار مفاجئ تلك الدعوة التي جاءتني علي الهاتف‏.‏

أحد رفاق الدرب القدامي بدأت بيننا صداقة في مرحلة البدايات‏,‏ ثم فرقتنا المنافسة المهنية خاصة وقد جمعتنا دار صحفية واحدة‏,‏ وكان درب الصعود فيها ضيق لا يسع لكل المتبارين ولابد أن يزيح واحدانا منافسه بالكتف القانوني‏,‏ أو بغيره‏,‏ فالغاية هنا كغانية لا تمنح نفسها إلا للجسور المقاتل الذي يؤمن بالانتصار‏!‏ وقد استطعت أن أزيحه عن الدرب ضاربا بكل اعتبارات الصداقة عرض الحائط‏,‏ بل لم أتورع حين فعلت أن ألقاه معتذرا وأناشده أن يتقبل الهزيمة بروح رياضية متسامحة لتظل صداقتنا قائمة‏!‏ ويومها لم يجب علي الخطبة العصماء التي ألقيتها علي مسامعه‏,‏ نظر لي فقط وعلي وجهه ابتسامة لم أر مثلها كثيرا علي وجوه من عرفتهم‏,‏ كانت ابتسامة تجمع في ثناياها بين السخرية والتسامح وعدم الاكتراث المصنوع‏,‏ لعله بدا في تلك اللحظة وكأنه نسخة من تمثال للجوتاما بوذا‏,‏ ولم نعد نلتقي وتحاشينا الصدفة‏,‏ ومرت مياه كثيرة تحت الجسور‏,‏ وأكملت مسيرتي الظافرة حتي كان ما كان‏.‏
وها هو يهاتفني‏..‏ ظل يبحث وينقب حتي حصل علي رقم هاتف الصدفة‏.‏

ـ لابد أن تعود‏!‏ أعرف أن قضية الجرواني قد أصابتك في مقتل‏,‏ لكني أعرف أيضا أنك أقوي كثيرا مما تظنه في نفسك‏,‏ فانفض عن نفسك غبار العزلة‏,‏ وتهاويم المرارة‏,‏ وانهض لتتمشق قلمك‏.‏
ـ ماذا أغراك لتتصل بي الآن وليس لدي إلا متاع الهزيمة‏.‏

ـ اسمعني‏!‏ لا أحد يعرفك مثلي‏..‏ وإيماني بك كصحفي موهوب لم يتزعزع لحظة‏.‏
ـ أهي مواساة غريم سقط عن فرسه؟

ـ أتظن أنني أواسيك كنوع من التشفي والانتقام لهزيمة قديمة؟ أنت بذلك تظلم نفسك قبل أن تكلمني ولن أجادلك الآن في ظنونك‏,‏ سأقدم لك عرضي لتفكر فيه الليلة وتوافيني بردك غدا‏,‏ سأصدر قرارا بتوليك شئون الجريدة في الإسكندرية‏,‏ وأعهد لك بأولي مهامك الجديدة وهي تغطية المؤتمر الدولي المنعقد بمكتبة الإسكندرية عن ثقافات الأقليات العرقية في جنوب المتوسط‏,‏ وفي نهايته ستوافينا بتقرير شامل ومفصل عن فعاليات وقرارات المؤتمر‏,‏ وتعليقك الشخصي عليها‏,‏ فكر جيدا‏,‏ وإذا أجبتني بالموافقة غدا سأنشر تنويها في الصفحة الأولي أعلن فيه عن عودتك‏!‏

وهكذا قيض لي ما يرفعني من قرارة البئر‏!!‏ استيقظت بداخلي كل حواس الصحفي الذي كان‏,‏ ولاح أمامي علي مدي البصر بارق التحدي‏..‏ أتراك قادرا علي هزيمة من أرادوا لك نهاية الخاسرين؟

هذا ما حدث ياصغيرتي‏..‏ وأنت تعرفين ما بعده‏..‏ ومازلت لا أعلم سر إحجامي عن كتابة ما رويته لك علي أشرطة المسجل‏!‏ هل يمكن أن تشكل الكتابة عبئا أبهظ علي كاهل المذنب؟ وهل يعتبرها مرونة باقية تطارد سيرته؟ ربما‏!‏ وربما خجلت مما يبدو في الاعتراف المكتوب من عمدية وقحة‏!‏ ولا أعلم أيضا لم أنت بالذات؟ فواقعة التعارف القديم شاحبة في ذاكرتي‏,‏ لكن شيئا قد توهج في الرماد الكثيف‏,‏ وفوجئت بك تشعلين الجمرات بأنفاس لاهثة ملحة‏!‏ وكانت التماعات الوهج أشبه بإنذارات الخطر تومض في عيني‏!‏ هل تعجبين إذا قلت لك إنني أحسست بالخوف منك؟ تلك حقيقة أقترب بها من نهايات الشريط الأخير‏,‏ أبلغك بعدها أن كل ما سمعته ملكك‏,‏ واعتبري صوتي الذي تسمعينه الآن توقيعا قانونيا يأذن لك بأن تفعلي ما ترينه حيال المادة المسجلة‏!‏ كوني بخير‏..‏ ولا تحاولي أن تلتقيني‏..‏ هذا شرطي الذي وافقت عليه‏..‏ وأطالبك باحترامه‏.‏

كنت الدائرة التي تحمل الشريط عند الدوران‏,‏ وبيد مرتجفة ضغطت علي زر الإيقاف‏..‏ وساد الحجرة صمت راكد له طنين‏!‏ كانت تعلم أن الطنين في أذنيها فقط وأنه يتوازي مع زنة في أصابعها تشبه الصوت المنبعث من كشك الكهرباء الرابض علي ناصية الشارع‏,‏ صمت الصوت أخيرا‏..‏ وكان الحزن المشوب باللوحة هو الانطباع‏!‏ نهضت بقصد تحريك أعضائها لتلاشي ذلك التنميل في أطرافها‏,‏ كانت الليلة فرينية‏,‏ ومن النافذة المفتوحة تتسرب نسمات باردة مختلطة برائحة ياسمين قادمة من شرفة الجيران‏.‏

ـ لم أكن أريده أن يكف ويصمت‏!‏ كنت أتمني أن يظل في رواية حكايته إلي ما لا نهاية‏,‏ تعلقت بنبرات صوته وأظنني أدمنتها‏!‏
ضحكت صديقتها التي تحدثها علي الطرف الآخر للهاتف‏:‏

ـ الشرائط لديك فأديريها كلما استبدت بك الرغبة لسماع صوته‏!‏
ـ ليس هذا ما عنيته‏!‏ ويبدو أنك لا تستطيعين فهمي‏..‏ أريد الاستمرار‏..‏ لا التكرار‏.‏

ـ تريدين الاستمرار في سماع صوته أم الاستمرار في متابعة حكايته؟
ـ أريد أن يتحدث إلي دائما‏..‏ ومجددا‏..‏ وحاكيا‏.‏

ـ ولم لا تصارحين نفسك بأنك تريدينه في حياتك؟ تريدين الرجل وليس الحكاية‏!‏
هرعت إلي النافذة المفتوحة وفتحت رئتيها لشهيق عميق مغالبة ذلك التوتر الذي سببته كلمات صديقتها وتعرضت أطراف وجهها إلي لسعة برودة فجرية طوفت علي تجمع الالتهاب الانفعالي في الأذنين والأنف والشفتين فصنعت تلك النشوة التي أغمضت لها عيناها لتوشي ظلمة الليل الساجي بألوان قزحية راقصة‏..‏ وتفيق لحظة أن تناهي إليها صوت المسجل لدي جار يعشق السهر مع صوت فيروز‏..‏ كانت تغني أهزوجة عبدالوهاب القديمة‏:‏

أنا زارني طيفك قبل ما أحبك‏..‏ طمعني في القرب وفاتني وأنا مشغول بك‏!‏
أحقا‏..‏ تراها رسالة‏..‏ أم عبث الصدفة؟ أم وعد مخبوء في رحم الغد؟ وكان عليها أن تعرف الإجابات الصحيحة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~