|
|
|
الكتاب
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
قـراءة نقديـة للنظـام العربـي بقلم : السيد يسين
|
|
 |
إذا كنا قد اهتممنا في المقالات الماضية بعرض لمكونات الإدراك الأمريكي للعالم العربي في ضوء تحليل الدراسة الاستراتيجية التي نشرتها مؤسسة راند عن مستقبل الشرق الأوسط فلابد لنا أن نقوم نحن ـ وأقصد الباحثين العرب ـ بقراءة نقدية للنظام العربي.
وترد أهمية هذه القراءة إلي ان القراءة الأمريكية أو الغربية عموما مهما تسترت وراء الموضوعية العلمية, فلابد ان تؤثر عليها عوامل ذاتية متعددة, أول هذه العوامل عدم الفهم المتعمق للثقافة العربية السائدة, وهذه الثقافة نسجت خيوطها مكونات متعددة, أهمها التاريخ السياسي والاجتماعي والذي بالضرورة له خصوصية فريدة, صنعها المكان والزمان معا, ومن بين أهم مفردات هذه الثقافة الذاكرة التاريخية العربية الحديثة, التي في نشأتها تأثرت تأثرا بالغا بالغزو الأجنبي للبلاد العربية, وبصور شتي من الاستعمار الاحلالي في فلسطين والاستيطاني في الجزائر والمباشر في مصر والعراق, بالاضافة إلي نظم الوصاية والانتداب, وتثبت الوقائع المعاصرة وأهمها علي الاطلاق الغزو العسكري الامريكي للعراق, ان المأزق الامريكي الراهن والذي يجعل الدولة الغازية عاجزة عن البقاء بحكم التضحيات الجسيمة في الجنود القتلي, والخسائر المالية الكبيرة, يكشف عن جهل أمريكي عميق بكل من الثقافة العربية الحديثة التي مازالت تحمل أصداء النضال ضد المستعمرين والمحتلين وبالمجتمع العربي المعقد الزاخر بالتكوينات العرقية والطائفية, والذي يتعايش فيه العرب مع الأكراد والموارنة والتركمان والبربر. غير ان أهم العوامل الذاتية التي تشكل الرؤية الامريكية والغربية للعالم العربي هي المصالح, ونعني المصالح الأمريكية والغربية, ووضع المصالح في بؤرة الادراك الغربي من شأنه ان يجعل قراءة الواقع العربي متحيزة, لانها تسعي إلي ان تصب الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في النموذج الذي وضعته وأدعت أنه النموذج الأمثل, والذي يتشكل من مكونين رئيسيين الديمقراطية علي النمط الغربي, والرأسمالية المطلقة السراح بلا قيود ولا حدود, حتي لو أدت إلي تدمير البني المحلية والاقليمية العربية.
خريطة معرفية ونحن ـ كباحثين عرب ـ نطمح إلي رسم خريطة معرفية للعالم العربي لكي تساعدنا علي صياغة رؤية استراتيجية عربية ـ تحدد السياسات التي ينبغي ان يصبو إلي تطبيقها النظام العربي في الأعوام العشرين القادمة, في مجالات العلاقات الدولية والسياسية, والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ورسم هذه الخريطة المعرفية يقتضي أولا الانطلاق مما هو مطروح علي الساحة من وقائع وحقائق ومشكلات, بدلا من التمسك بشعارات جوفاء فاتها الزمن, مثل الوحدة العربية أو التضامن العربي. والانطلاق من الواقع من شأنه ان يجعلنا نركز علي القطيعة التاريخية في مسار النظام العربي, والتي ترتبت علي توقيع مصر لاتفاقيات كامب دافيد, والتي ترتب عليها عزل مصر عربيا ومقاطعتها وتكوين جبهة الصمود والتصدي بقيادة العراق, ونحن هنا لسنا في مقام تقييم اتفاقية كامب دافيد وهل كانت خطأ أو صوابا, ولكننا نرصد ما ترتب عليه من انقسام عربي واضح.
وقد نجح الرئيس مبارك في لم الشمل العربي وانهاء عزلة مصر, وعودتها مرة أخري إلي المسار الطبيعي للعلاقات العربية العربية, ومضت السنون وفاجأ الرئيس صدام حسين العالم العربي بعد نهاية حربه مع إيران بالغزو العسكري لدولة الكويت, والتي اجتاحتها القوات المسلحة العراقية في ضوء مخطط عراقي معلن بمحوها تماما من الخريطة, باعتبارها المحافظة العراقية التاسعة عشرة!
كانت هذه هي لحظة القطيعة التاريخية الثانية والتي أدت عمليا إلي تشرذم العالم العربي, فقد شاركت قوي عربية مع القوات الأمريكية في القضاء علي الاحتلال العراقي للكويت, وكان من نتيجة الغزو العراقي للكويت ان انهارت نظرية الأمن القومي العربي, والتي كانت تري ان اسرائيل هي المصدر الرئيسي للتهديد, وكان ذلك هو الإجماع العربي حتي بعد توقيع كامب دافيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية.
غير أن الغزو العراقي للكويت أظهر ان التهديد قد يأتي ليس من إسرائيل ولكن من دولة عربية, ومن هنا سقطت النظرية السائدة للأمن القومي العربي.
واذا أضفنا إلي هذا السجل التاريخي الحادث الجلل والذي يتمثل في الحوادث الارهابية التي وجهت ضد الولايات المتحدة الأمريكية في11 سبتمبر2001 وماترتب عليها من حرب معلنة ضد الإرهاب, وبروز الشعار الامريكي من ليس معنا فهو ضدنا لادركنا مدي تأثير هذه الحرب علي السياسات الدفاعية والأمنية للدول العربية, وانخراط عديد منها في اطار التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب, سواء في مجال المعلومات أو في مجال التعاون الأمني.
تصنيف الدول العربية واذا أردنا أن نلقي نظرة فاحصة علي خريط العلاقات الدولية للدول العربية لاكتشفنا مجموعة من الحقائق بالغة الاهمية من شأنها ألا تجعلنا نتحدث عن العالم العربي أو النظام العربي علي سبيل التجريد, ولابد ان أردنا أن نكون موضوعيين, ان نقوم بعملية تنميط للدول العربية في المغرب والمشرق والخليج علي السواء.
لدينا أولا في المغرب العربي تونس والمغرب والجزائر وليبيا, سنلاحظ أولا عمق الروابط التاريخية التي تربطها جميعا بأوروبا نظرا لسابقة الاستعمار الأوروبي أو الاحتلال لهذه الدول. وهناك ـ بالاضافة إلي ذلك ـ روابط ثقافية عميقة بحكم سيادة اللغة الفرنسية في بلاد المغرب.
ويمكن القول إنه نظرا للقرب الجغرافي فان العلاقات الاقتصادية بين دول المغرب وأوروبا بالغة القوة, وخصوصا بين تونس والمغرب والجزائر في حين تظل ليبيا خارج السرب بحكم تذبذب سياساتها وعلاقاتها الدولية.
واذا نظرنا إلي دول المشرق لوجدنا ان العراق خرجت من المعادلة بحكم الاحتلال الأمريكي, وسوريا في حالة عزلة سياسية عربيا ودوليا بحكم اختياراتها السياسية والدولية وتحالفها مع إيران, أما لبنان فهو حالة خاصة بحكم التصارع الدولي علي ساحته بين دول الجوار, والدول الغربية, وتبقي الأردن التي وقعت معاهدة صلح مع إسرائيل, وتبدو علاقاتها وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ونجد أمامنا مصر أخيرا ولها وضع خاص في المنظومة العربية بحكم إسهامها الفعال في التاريخ العربي الحديث والمعاصر في مجال العلاقات الدولية والقوة السياسية والتفاعلات الثقافية, وقد برزت علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة الامريكية عقب المعاهدة المصرية الاسرائيلية, حيث تحصل علي أكبر معونة اقتصادية وعسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|