|
|
|
تقارير المراسلين
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
أعيد عرضها رغم إهانتها للرسول و للمسيح معا أوبرا أيدومنيو.. فضيحة فنية هدفها الاستفزاز فقط بشهادة الألمان
|
رسالة برلين-مازن حسان: |
فجاة اصبحت' ايدومنيو' علي كل لسان في المانيا! هذه الاوبرا التي الفها الموسيقار العبقري موتسارت لتعرض في احتفالات مدينة ميونخ بالكرنفال في عام1781 والتي تتناول في ثلاثة فصول العلاقة بين البشر والالهة في العصر الاغريقي ظل الاستمتاع بها لعقود طويلة مقصورا علي جمهور الاوبرا و متذوقي الموسيقي الكلاسيكية الي ان جاء المخرج المسرحي الالماني' هانس نوينفلز' ليخرجها برؤية جديدة و يضيف اليها مشهدا ختاميا دمويا حقق له شهرة لم يحلم بها و اساء في الوقت نفسه الي الاوبرا الاصلية والاهم من ذلك انه كشف عن حجم ازمةالهوية الدينية و الثقافية التي يعيشها المجتمع الالماني والتي تفسر الدفاع المستميت في المانيا عن عمل فني اتفق النقاد علي هبوط مستواه لمجرد ان' الاخرين' يرفضونه!
وفي المشهد المثيرللجدل يظهر الملك' ايدومنيو' ملك كريت علي المسرح مع اربعة رؤوس مقطوعة تقطر دما لكل من بوسايدون إله البحر عند الاغريق و بوذا والمسيح عليه السلام والنبي محمد عليه الصلاة و السلام. و قد اثارت المسرحية بمشهدها الدموي انتقادات سريعا ما خفتت عند عرضها لاول مرة في عام.2003 وعندما تلقت مديرة دار الاوبر في برلين تحذيرا من وزير داخلية الولاية في سبتمبر الماضي بان المسرحية اذا ما اعيد عرضها قد تتسبب في استثارة مشاعر المسلمين المتطرفين او تتخذ ذريعة للقيام باعمال ارهابية في المانيا سارعت بشطب المسرحية من برنامجها مما اقام الدنيا احتجاجا علي روح الاستسلام امام عدوانية الاخرين و دفاعا عن قيم اصيلة في المجتمع الالماني الاوروبي في مقدمتها حرية التعبير عن الرأي و حرية الفن والابداع بلا قيود. ولم تهدأ الحملة الضارية الا بعد ان رضخت مديرةالاوبرا الي ضغوط المسئولين ومطالب وسائل الاعلام وتدخل المستشارة انجيلا ميركل بنفسها لاعادة عرض الاوبرا.
و قبل ايام اعيد عرض ايدومنيو في قلب برلين في تظاهرة سياسية واعلامية ووسط اجراءات امنية غير مسبوقة في تاريخ دار الاوبرا الالمانية داخلها وفي محيطها الخارجي خوفا من هجوم ارهابي متطرف مما تسبب في تأخير بداية العرض لمدة نصف ساعة وقد استخدمت الشرطة الكلاب البوليسية وبوابات الكشف عن المتفجرات مع التفتيش الذاتي الدقيق لضيوف العرض الذين بلغ عدهم نحو1500 شخص تقدمهم رئيس البوندستاج الالماني ووزير الداخلية وعدد لايحصي من السياسيين والمسؤلين من كل الاطياف حضروا جميعا لتوجيه رسالة واضحة بأن حرية الفن مقدسة في المانيا وان من يشعر بالاستياء من هذة الاوبرا او غيرها لديه حرية البقاء في منزله ولن يجبره احد علي مشاهدتها.
وبين الحضور كان هناك عدد من ممثلي الاتحادات الاسلامية التركية في اغلبها الذين رأوا في حضورهم تبرئة للمسلمين من الاتهام الموجه لهم دوما بانهم' غير مندمجين' في المجتمع و انهم يؤيدون فرض رقابة ذاتية علي الفن وحريته. وقد بدأ العرض وانتهي في هدوء رغم الضجة الاعلامية التي سبقته والتي تسبب فيها اكثر من مائتي صحفي ومصور ومذيع حضروا لتغطية الحدث الثقافي غير ان ا لمفاجاة الحقيقية التي صاحبت اعادة عرض اوبرا ايدومنيو تمثلت في اربع ملاحظات: الاول انه لم يكن هناك اعتراض و احتجاج من الجاليات المسلمة ولكن فقط رفض من ممثلي المجلس المركزي للمسلمين وبعض الاتحادات الاسلامية لحضور العرض. و ثانيا ان الاحتجاجات جاءت من مجموعة من الالمان تجمعوا خارج دارالاوبرا اعتراضا علي الاساءة للمشاعر الدينية ليس فقط للمسلمين و لكن للمسيحيين و البوذيين ايضا! و ثالثا: هتاف مجموعة من المشاهدين الالمان داخل القاعة فور ظهور المشهد الدموي مطالبين بوقفه و رابعا ان القاعة لم تكن ممتلئة عن اخرها مما يدل علي ان الاقبال من الجمهور لم يكن كبيرا.
والمثير للدهشة ان ما استوقف ا لنقاد والكتاب ووسائل الاعلام الالمانية بعد انتهاء العرض كان ضعف مستواه الفني سواء علي مستوي المغنيين الاوبراليين الذين قاموا ببطولته او مستوي الاوركسترا مما حدا بصحيفة فرانكفورتر روندشاو لوصف الاوبرا بانها' فضيحة فنية' لا تليق بدار الاوبرا الالمانية خاصة في ظل الاهتمام لاعلامي العالمي بالعرض علي خلفية الجدل حول حرية التعبير والرقابة الذاتية في ألمانيا. ولم يتوقف احد عند الانتقادات التي وجهت له ولمخرجه من جانب رجال الدين المسيحي و معلقين و مسؤلين كبار في المانيا اجمعوا هم ايضا علي ان حرية التعبير الفني لها حدود و خاصة اذا كان الامر يتعلق بمشاعر و مقدسات دينية. كما لم يحاول احد البحث عن اجابة لعدد من الاسئلة المطروحة حول هذا المشهد الذي اضافه المخرج والهدف منه. فالاوبرا كما تعرض منذ عقود تدور حول ملك كريت ايدومنيو الذي يواجه اثناء عودته مظفرا من حرب طروادة عاصفة شديدة فيستعطف اله البحر بوسايدون لتهدئة الامواج ليتمكن من العودة الي بلاده واعدا اياه بالتضحية باول مخلوق يلقاه عند وصوله. و تشاء الاقدار ان يكون هذ الشخص ابنه الامير ايدامنتا الذي كان قلقا علي والده فانتظره علي الشاطئ وبناء علي مشورة معاونيه يرسل الملك ابنه في مهمة بعيدة لاعادة الكترا ابنة اجاممنون الي وطنها ولكن الابن يعشق الاميرة الييا اميرة طروادة الاسيرة لديه وفي خضم الاحداث المأسوية يطالب الاله بواسيدون الملك ايدومنيو بالوفاء بعهده ويرفض توسلاته لكي يفدي ابنه و لو بنفسه ويرسل الاله الغاضب وحشا ضخما لتدمير كريت باكملها و لكن الامير الشاب يتمكن من قتله و في المشهد الاخير في معبد بوسايدون يهم الاب بالتضحية بابنه ارضاء لبوسايدون الا ان اله البحر يوقفه و يعفي عنه بشرط ان يتنازل ايدومنيو عن العرش لابنه وان يتزوج الاميرة التي يحبها.
ومما سبق يتضح ان رسالة الاوبرا الاصلية هي التسامح وا لتصالح بين الالهة و البشر في النهاية والحيلولة دون اراقة الدماء. و من هنا يحق بل كان يجب علي كل من دافع عن عرض الاوبرا بخاتمتها الجديدة ان يتساءل عن مغزي قطع رؤوس الانبياء والرسل في النهاية و هل يقصد به المخرج كما يدافع عنه المدافعون التخلص من سلطة الدين وتاثيره وسيادة العقل علي كل ما هو روحي و ديني ورباني! هذا السؤال طرحه كثيرون دون اجابة حتي الان كذلك لم يعرف احد سراختيار كل من الانبياء عيسي ومحمد ليتم التضحية بهم مع اله البحر و لماذا لم ينضم اليهم النبي موسي مثلا اليست اليهودية ايضا ديانة سماوية و لها اتباع ام ان حرية الابداع الفني تتوقف عندما يشعر المخرج انها ستتسبب له في المانيا بالذات في مشاكل جمة! ثم كيف يدافع نوينفلز عن مشهده المؤذي بقوله انه' دفاع عن المفهوم الغربي للثقافة' و لماذا لم ينتقده احد بسبب هذة المقولة و هل الثقافة الغربية تعني التضحية بقيم الحوار و التسامح و السلام التي يمثلها هؤلاء الانبياء.
بالطبع خرجت اصوات تنتقد رؤية المخرج نوينفلز لاوبرا موتسارت و لكنها لم تلق اهتماما يذكر فالاهتمام كله كان منصبا علي تهديد لم يحدث وفي علم الغيب من المتطرفين المسلمين بسبب عدم فهمهم لحرية الابداع الفني.! ومن بين هذه الاصوات اسقف مدينة لوبك بيربل فارتنبرج التي وصفت الاوبرا والمشهد المذكور بانها استفزاز لا يحمل مضمونا هادفا' و ان البشر عندما يدوسون باقدامهم علي ما هومقدس لدي بشر مثلهم فانما يفصحون بذلك عن صورة ا لعلاقة الانسانية بينهم كما يرونها و لهذا فان الاوبرا بعرضها الجديد تعبر عن انهيار العلاقات الدينية السائدة في المجتمع الالماني.' اما رئيس كتلة الحزب المسيحي الاجتماعي في البرلمان يواخيم هيرمان فقد دافع عن حرية الفن والابداع ولكنه قال:' ان المشهد الاخير لا يجرح فقط المسلمين و انما ايضا مشاعر المسيحيين المتدينين فهي مهينة لهم وبها عنف نفسي ضدهم.. ولابد ان يقترن الدفاع القوي عن حرية التعبير باحترام الاخرين و دياناتهم و مقدساتهم.' وفي النهاية فان كلمات ماتياس ماتوسك الكاتب في مجلة دير شبيجل ربما تعبر عن رأي قطاع عريض من المواطنين الألمان حيث وصف فيها الأوبرا بأنها' هراء'. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|