|
|
|
بـريــد الأهــرام
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
الصاعقة!
|
|
أنا شاب عمري37 عاما من أسرة بسيطة لأب يعمل بالأجر اليومي وأم مريضة: ونظرا لشظف العيش وقلة الدخل, فقد اكتفيت بالحصول علي دبلوم المدارس التجارية ولم انتظر الوظيفة التي تحتاج غالبا إلي الواسطة والمعارف, فاتجهت إلي العمل الحر, وتنقلت بين أكثر من عمل, وهداني تفكيري إلي احتراف قيادة السيارات فتعلمت أصول القيادة وحصلت علي رخصة درجة أولي أهلتني للعمل سائقا علي سيارات النقل الثقيل,وأصبح لي عائد كبير منه ساعدني في الانفاق علي أسرتي بعد رحيل أبي المفاجئ, ومضت سنوات وأنا أسعي في الحياة بكل جد واجتهاد, ولم أكن أعبأ بنصائح من حولي بالراحة بعض الوقت لكي استعيد حيويتي ونشاطي.. وحان وقت الزواج فتعرفت علي فتاة وجدت فيها كل المواصفات التي اتمناها, وتقدمت لخطبتها ورحب أهلها, وأقمنا حفل خطبة بسيطا وجميلا, وطرت من السعادة ونحن نجلس معا في الكوشة ونتبادل أكواب الشربات, وفي اليوم التالي للخطبة ضاعفت ساعات عملي وادخرت كل قرش يزيد عن حاجتنا الضرورية لكي استطيع شراء شقة ومستلزمات الزواج..
وذات يوم لن أنساه ما حييت كنت أقود سيارتي الضخمة وغلبني النعاس من التعب, ثم انتبهت فجأة فإذا بي أمام أتوبيس نقل كبير فحاولت أن اتفاداه وأن اقفز من السيارة قبل أن تصطدم بالأتوبيس لكنها سرعان ما انقلبت واستقرت فوق ساقي, فتجمع المارة وأخرجوني من تحتها, وقد تفتتت عظام الفخذين تماما, وحملوني إلي المستشفي القريب من موضع الحادث, وظللت تحت الفحص ساعات طويلة مرت كالدهر, وثم نظر الطبيب إلي من حولي وقال لهم, لا علاج له في هذا المستشفي, وكتب لي خطاب تحويل إلي مستشفي آخر, وخضعت للفحص من جديد, وكان يخرج طبيب ليدخل آخر, والجميع مندهشون وعلامات الآسي والدهشة تعلو وجوههم, وبعد يومين كاملين جاء التقرير النهائي الذي نزل علي كالصاعقة بأن جراحي قد تلوثت وأنني أصبت بغرغرينا تقتضي إجراء جراحة عاجلة لبتر الأعضاء المصابة قبل أن يمتد تأثيرها وتنتشر سمومها في باقي أنحاء جسدي, وأجريت لي هذه الجراحة المؤلمة, وخرجت منها وأنا احمل نصف جسد, وبعد أن فقدت ساقي اللتين تساعداني علي العمل والحركة, وهكذا أصبحت حبيس مقعدي المتحرك الذي لم أغادره منذ تسع سنوات..
وكان طبيعيا وحالي أصبحت كذلك أن أفكر في أن أحل فتاتي من مسألة الارتباط.. لكنها لم تنتظر أن تكون المبادرة مني, إذ لم تمض أيام علي عودتي إلي منزلي حتي جاءني أهلها حاملين معهم الشبكة وبعض الهدايا التي قدمتها لها في شهور الخطبة القليلة, وتمنوا لي حياة سعيدة من هي جديرة بي لأن ابنتهم ترفض الارتباط بي لأنها لن تكون قادرة علي اسعادي ورعايتي.. فلم انطق بكلمة واحدة, ولم اتعجب مما سمعته إذ أنني لم أكن أتوقع منها أن تضحي بمستقبلها من أجل شاب قعيد, كما أنني لن أقبل ذلك..
وبالرغم من الهزة النفسية العنيفة التي تعرضت لها, فإنني صرفت تفكيري كله إلي البحث عن عمل يناسب ظروفي الجديدة بعد أن أصبحت غير قادر علي قيادة السيارات وهو العمل الوحيد الذي اتاحته لي الأيام, وتذكرت شهادتي المتوسطة, وتساءلت في نفسي: لماذا لا أحاول البحث عن عمل في أي شركة أو جهة حكومية أو قطاع عام خصوصا أن هناك قانونا يقضي بإتاحة5% من فرص العمل بها للمعاقين, فتقدمت بأوراقي إلي جهات عديدة, وجاءني رد من شركة في الجيزة يفيد قبولي للعمل بها ففرحت جدا وعندما ذهبت إلي مقر الشركة قالوا لي انهم سوف يرسلون إلي بموعد تسلم العمل فور تحديده, ومرت شهور ومازلت في الانتظار..
إن الخناق يضيق من حولي يا سيدي وأنا أسير المنزل ولا دخل لي, ولا أمل في التعيين في أي شركة, وليس لدي ما استطيع به ان اقيم مشروعا بسيطا, ولا أن اشتري دراجة بخارية تساعدني علي التنقل من مكان إلي آخر وقضاء بعض الأعمال التي تكفل لي توفير مبلغ شهري أواجه به متطلبات الحياة.. إنني لا أدري كيف سأكمل باقي مشوار الحياة بلا زوجة ولا عمل ولا أمل في انتشالي من الضياع!.
** وأذكر ربك اذا نسيت.. سبحانه هو وحده القادر والمقتدر, ولاراد لحكمه, وعلينا أن نرضي بما قسمه لنا في هذه الحياة الدنيا, فكلما امتثلنا لأوامره, واجتنبنا نواهيه هيأ لنا من أمرنا رشدا, فعليك ياسيدي أن تتقرب اليه عز وجل بالصلاة والسجود عملا بقوله تعالي واسجد واقترب, وادعوني استجب لكم, فالايمان القويم هو الذي يصفي النفس ويرشد الانسان الي الطريق السليم, ويزيده عزيمة واصرارا علي مواصلة الكفاح والنجاح.
أما عن فتاتك التي فسخت خطبتها لك, فلا تثريب عليها, وأحمد ربك أنك انفصلت عنها قبل الزواج, فمثل هذه الزيجة لم يكن واردا أن تصمد بعد الحادث الذي تعرضت له, وثق في أن الأقدار تخبيء لك من هي جديرة بك, ويسعدها أن تكون زوجا لها, فاذا كنت قد فقدت ساقيك في حادث لاذنب لك فيه ولاجريرة, فانك لم تفقد عزيمتك واصرارك وقدرتك علي مواصلة الحياة, والفضليات اللاتي يقسن الأمور بهذا المقياس الحكيم كثيرات, فانتظر الفرج قريبا بإذن الله.
وأما عن العمل المناسب لك فإن رسالتك تفتح بابا مهما للمناقشة يتعلق بمدي التزام الشركات بتعيين نسبة5% من العاملين فيها من المعاقين, والشروط الواجب توافرها فيمن يتم تعيينهم.. وينبغي علي وزارة القوي العاملة أن تتدخل لانقاذ هذه الفئة المظلومة, وتشير الي ذلك آلاف الرسائل التي اتلقاها في بريد الاهرام والتي يشكو كاتبوها من أنهم حصلوا علي تأشيرات وهمية بالعمل!
ولعل العمل المناسب لك الآن هو اقامة مشروع صغير يتماشي مع ظروفك, فتفضل بزيارتي لبحث هذا الأمر بمشاركة أهل الخير في هذه الأيام المباركة, وكل عام والجميع في صحة وسلام. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|