|
|
|
قضايا و اراء
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
المعركة الدبلوماسية لحرب السويس بقلم : عبدالرؤوف الريدي
|
|
 |
تنتهي الحروب في العادة بعمل عسكري يحسمها نصر أو هزيمة, أما حرب السويس1956 فإن حسمها جاء من خلال معركة سياسية دبلوماسية كبري تكاد تكون معركة فريدة في التاريخ الدبلوماسي الحديث, إذ حينما كانت القوات الغازية للدول المتآمرة الثلاث, إسرائيل وبريطانيا وفرنسا, تبدأ تحركها تنفيذا لسيناريو العدوان الذي تم وضعه تفصيلا في اتفاقية سفر الموقعة في24 أكتوبر1956 بالقرب من العاصمة الفرنسية, كانت هناك آلة دبلوماسية ضخمة تتحرك لإيقاف هذه الحرب أو بالأحري إجهاضها,
وكان ذلك بمثابة مخاض لميلاد ميزان قوي جديدة ليس فقط علي مستوي منطقة الشرق الأوسط بل علي مستوي العالم ككل.ومن الغريب أن انجلترا وفرنسا كانتا هما اللتان اقترحتا الذهاب إلي الأمم المتحدة لطرح قضية تأميم القناة علي مجلس الأمن بعد التأميم, وكانت الدولتان الاستعماريتان تهدفان من الذهاب إلي المجلس في سبتمبر ـ أكتوبر1956 إلي تهيئة المسرح وإيجاد الذريعة للقيام بعمل عسكري ضد مصر, إلا أن الدبلوماسية المصرية بقيادة د. محمود فوزي
ومساعدة داج همرشلد سكرتير عام الأمم المتحدة استطاعت أن تجعل من هذا الاجتماع فرصة للتوصل إلي إطار للتفاوض بين الجانبين وليس ذريعة للعدوان.. وانتهت هذه الاجتماعات إلي اتفاق علي مبادئ ستة أقرها مجلس الأمن لتكون إطارا للتفاوض للتوصل إلي اتفاق حل الأزمة. وهي حرية الملاحة في القناة, واحترام السيادة المصرية, والفصل بين إدارة القناة وسياسات الدول, وتحديد رسوم المرور في القناة بالاتفاق بين مصر ومستخدمي القناة, وتجنيب جزء من عائد القناة من أجل تنميتها, وحل النزاعات التي تنشأ عن طريق التحكيم. وانتهت هذه المفاوضات بإقرار مجلس الأمن للمبادئ الستة يوم13 أكتوبر وعاد الوزراء الثلاثة إلي بلادهم علي أساس أن يلتقوا في موعد آخر لاستئناف المفاوضات.
ولا يعطي المؤرخون أهمية كبيرة لاتفاق المبادئ الستة إلا أنني أعتقد أن هذا الاتفاق كان له دور أساسي في وقوف الرأي العام العالمي إلي جانب مصر عندما وقع العدوان يوم29 أكتوبر1956. كان سيناريو العدوان يقضي بأن تبدأ إسرائيل الحرب يوم29 أكتوبر بحجة أنها تدخل سيناء لضرب قواعد الفدائيين ثم تعلن أنها قد وصلت إلي الشاطئ الشرقي للقناة بغض النظر عما إذا كانت قد وصلت بالفعل أم لا.. حتي تعطي الذريعة للدولتين المتآمرتين الأخريين, فرنسا وانجلترا, لتقديم إنذار لمصر لإخلاء منطقة القناة حتي يتمكنا من احتلال منطقة القناة بحجة حماية القناة وحرية الملاحة.. وعندما ترفض مصر هذا الإنذار يكون ذلك مبررا لانجلترا وفرنسا لبدء العمليات العسكرية برا وبحرا وجوا ضد مصر ثم إنزال قواتهما واحتلال منطقة القناة. كان ذلك هو السيناريو الذي ما إن بدأ تنفيذه في مساء التاسع والعشرين من أكتوبر بالغزو الإسرائيلي لسيناء ثم بالإنذار البريطاني في اليوم التالي.. حتي هب العالم واحتشد في واحدة من أروع ملاحم التضامن العالمي ضد العدوان عبر التاريخ الحديث..
تمثلت البداية في موقف مصر ـ عبدالناصر ـ الذي رفض الإنذار.. وأعلن أن مصر ستقاوم العدوان حتي آخر رجل وآخر طلقة.. وتلك صفحة ينبغي أن تحفر في ذاكرة الأجيال.. ودون هذا الموقف ما كان سيمكن بناء موقف عالمي ضد العدوان..وكان الرئيس الأمريكي أيزنهاور هو الذي رفض منذ البداية استخدام القوة لحل مشكلة تأميم شركة القناة.. كما عارض العدوان, وهو الذي أمر الوفد الأمريكي مساء يوم29 أكتوبر1956 بطلب عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن للنظر في العدوان. وانعقد المجلس في اليوم التالي, أي يوم30 أكتوبر.. حيث قدم المندوب الأمريكي هنري كابوت لودج مشروع القرار الذي يطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي المصرية, وفي أثناء الجلسة جاءت الأنباء أن كلا من بريطانيا وفرنسا قد قدمتا إلي مصر وإسرائيل الإنذار الذي كان متفقا عليه.
طلب الوفد الأمريكي طرح مشروع القرار للتصويت علي الفور, مشيرا إلي أن هذا القرار يجعل قيام انجلترا وفرنسا إنذارهما غير ذي موضوع, إلا أن الدولتين الاستعماريتين عارضتا المشروع بل وصوتتا ضده, أي ضد مشروع تقدمت به حليفتهما الكبري وهي الولايات المتحدة.. وكان هذا التصويت في حد ذاته كشفا للمستور وللتواطؤ الذي سرعان ما بدا سافرا للعيان.. أما الاتحاد السوفيتي فقد صوت إلي جانب الولايات المتحدة لمصلحة المشروع.. ولكن المشروع لم يمر بسبب استخدام حق الفيتو من جانب انجلترا وفرنسا, باعتبارهما دولتين دائمتي العضوية في المجلس.
إزاء حالة الشلل التي أصابت مجلس الأمن بسبب استخدام الفيتو أوحي الوفد الأمريكي إلي وفد يوغوسلافيا بأن يتقدم بمشروع قرار إجرائي لنقل الأزمة إلي الجمعية العامة, وذلك طبقا لقرار الاتحاد في سبيل السلم الذي يعتبر قرارا إجرائيا لا يخضع لاستخدام حق الفيتو.. وتم التصويت وحصل القرار علي الأغلبية اللازمة وتمت دعوة الجمعية العامة للانعقاد علي الفور في جلسة استثنائية في اليوم التالي, أي الخميس أول نوفمبر.
وقد أقرت الجمعية العامة قرارا يقضي بأن يتم وقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي المصرية التي احتلتها, وأقرت الجمعية العامة هذا القرار بأغلبية ساحقة, ولم تعارضه سوي حفنة من الدول.
انفضت الجلسة الأولي للجمعية العامة في ساعات الفجر في اليوم التالي أي يوم7 نوفمبر, بعد انفضاضها بقليل كان جمال عبدالناصر يخطب في الجامع الأزهر ويعلن أن مصر ستقاتل حتي آخر رجل وحتي آخر طلقة.. وأنها لن تستسلم أبدا.. وفي الوقت الذي كان جمال عبدالناصر يعلن ذلك وسط هتافات الجماهير المحتشدة ووسط مظاهرات التأييد في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي.. كان أنتوني إيدن يتعرض لموجات عارمة من الاحتجاج عليه ليس فقط بين صفوف حزب العمال المعارض بل بين صفوف حزبه.. كما كان يتعرض لاحتجاجات قوية من جانب دول أعضاء في الكومنولث.. أما الضغط الأكبر فكان قادما عبر الأطلنطي.. من الحليف التقليدي الأكبر.. من الولايات المتحدة.. ولم يكن هناك من يحاول إنقاذه ويلقي إليه بقارب النجاة سوي وزير خارجية كندا لستر بيرسون الذي كان يحضر اجتماعات الجمعية العامة الاستثنائية في نيويورك.
تمثلت محاولة لستر بيرسون في اقتراح تقدم به للجمعية العامة يقضي بتشكيل قوة تابعة للأمم المتحدة تقوم بحفظ السلام في المنطقة بينما تجري مفاوضات بين الأطراف للتوصل إلي حل للمشكلة السياسية, ورغم أن الجمعية العامة أقرت مشروع بيرسون فإن المفاوضات التي جرت بعد ذلك من أول نوفمبر حتي الخامس من نوفمبر كانت حاسمة في رفض فكرة إشراك القوات البريطانية والفرنسية التي رفضتها مصر ومعها الدول الإفريقية والآسيوية التي كان يتفاوض بالنيابة عنها سفير الهند آرثر لال, وأصبحت فكرة قوة الأمم المتحدة, هدفها ـ هي تسهيل انسحاب القوات المعتدية.. وكانت تلك هي الفرصة الوحيدة التي أتيحت أمام إيدن للتراجع عن حماقة الغزو, ولكنه في هذا الوقت كان قد فقد توازنه وارتبكت تصرفاته وأصبح لا يري أين الصواب وأين الخطأ؟ وفي الوقت نفسه بدأت عمليات المقاومة المصرية في بورسعيد.. كما أخذت الضغوط تتضاعف علي إيدن بوجه خاص أبرزهاالإنذار السوفيتي الذي جاء يوم إنزال القوات علي بورسعيد وما تضمنه من تهديد باستخدام الصواريخ ضد الدول المعتدية..
لم يستطع إيدن مقاومة هذه الضغوط ولم يعد قادرا علي المقاومة نفسيا أو عصبيا.. إلا أن الموقف أصبح أكثر تعقيدا بنزول القوات إلي بورسعيد وأصبح السؤال أمام إيدن المنهار هو:هل من طريق للتراجع؟, هنا ظهر الاقتراح الكندي مرة أخري ولكنه لم يعد قارب نجاة بل أصبح ورقة التوت التي يمكن من خلالها لإيدن أن يعلن أن انسحاب القوات يأتي في إطار إقرار الجمعية العامة إنشاء القوات الدولية التي ستتوجه إلي مصر كقوة سلام, فأعلنت بريطانيا وفرنسا استجابتهما لقرار الجمعية العامة بوقف القتال صباح يوم7 نوفمبر وانتهت أكبر حماقة في التاريخ الحديث.
تركز الاهتمام في نيويورك علي إنشاء القوة الدولية الجديدة وأصبح داج همرشلد السكرتير العام هو محور النشاط والاتصالات الدولية.. وكانت لدي همرشلد رؤية واضحة لما يمكن أن يفعله وأصبح أهم شيء أمامه هو كيفية التوصل إلي اتفاق مع مصر حول تشكيل هذه القوة, وكانت تلك هي المعركة الدبلوماسية الثانية التي تنتظر الدكتور فوزي, ومن خلال المفاوضات بين فوزي وهمرشلد تم التوصل إلي اتفاق حول تعيين جنرال بيريز الكندي الذي كان موجودا أصلا في المنطقة ليشرف علي تنفيذ اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل والدول العربية
ليكون أول قائد لقوة الطوارئ الدولية. وقد نجحت مصر في جعل المشاركة في القوة أساسا من دول صديقة أو محايدة واستبعدت الدول الأعضاء في أحلاف عسكرية( الناتو وحلف بغداد), وإذا كانت انجلترا وفرنسا قد قامتا بسحب قواتهما في22 ديسمبر فإن الموقف بالنسبة لإسرائيل كان شيئا آخر.. كان بن جوريون قد أعلن أن سيناء قد أصبحت جزءا من أرض إسرائيل, وأخذ يطلق الأسماء العبرية علي المواقع المصرية في سيناء.. كما أعلن أن اتفاقيات الهدنة قد ماتت ودفنت إلي غير رجعة.. إلا أن إسرائيل لم تستطع أن تواصل هذا الموقف إزاء إصرار الأمم المتحدة والرئيس أيزنهاور علي ضرورة الانسحاب من سيناء ومن قطاع غزة الذي عادت إليه الإدارة المصرية مرة أخري وانتصرت هنا مرة أخري مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.. واكتسبت المنظمة الدولية احترام العالم كله وأصبح لها دورها المهم في تسيير العلاقات الدولية..
تحية للرجال الذين صنعوا النصر.. في واحدة من أزهي لحظات التاريخ الحديث, ليس فقط لمصر ولكن في مسيرة الكفاح الطويل لشعوب العالم لإقامة عالم يستند إلي مبادئ الحق والعدل والحرية. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|