|
|
|
قضايا و اراء
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
مشوار المشاوير! بقلم : مفيد فوزي
|
|
 |
نأتي إلي الحياة بصرخة ونخرج منها بشهقة! حين يشتد عودنا, نواجه الدنيا بنقاء, وسرعان ماتنتهك عذريتنا ونفقد الصفاء.. نخرج وقد ارتدينا فوق وجوهنا عشرات الأقنعة ونعيش تمثيليات محبوكة بقلم الكذب واخراج البهتان. نحاول أن نعثر علي أنفسنا, فنكتشف أن الازدواجية في كراتنا الحمراء ولا مفر فالمدن مسممة بسحابات سوداء لا من قش الأرز إنما من أنفاسنا واصواتنا وصراخنا! وأي جهاز بيئة في العالم غير قادر علي مكافحة هذه السحابات السوداء البشرية, الفوضي تمشي في الطرقات والمعايير اختلت وارتدي الفوضويون عباءة الديمقراطية وتمقرطوا بأشكال شتي.. معارضة في الساحات ميليشيات عسكرية في الجامعات, محاكمات شعبية لوزراء.. حوارات مدججة لرأي قيل.. قضاة غاضبون, صحفيون يحاكمون.. أقلام تتطاول, صحف تتصيد. أحلام مؤجلة.
زمان وإلي وقت قريب كان واحد زائد واحد يساوي اثنين, والآن صار واحد+ واحد يساوي أربعة وربما سبعة! زمان كانت الشمس تشرق ثم تغرب والآن الغروب يثقب ضوء النهار! زمان, كنا نعرف أن روزاليوسف يملكها احسان عبدالقدوس وان الأخبار ملك الأخوين أمين وأن الأهرام الحديث ولد علي أيدي هيكل. الآن صحف لاتعرف من يمولها ومن ينفق عليها ولاتعرف من يوجهها وفي أيدي من( الروموت كنترول)؟ الآن, تحترف الأقلام ـ بعضها ـ ارضاء فلان أو علان ولكل رضا سام ثمن. الصغار يتطاولون علي الكبار بكلمات وأوصاف ممجوجة. و سحابات القاهرة في واد وبقية الوادي في واد آخر. هموم مختلفة, مشاكل مختلفة, آمال مختلفة.
علمتنا السحابة البشرية السوداء قيما غريبة. صرنا نتلون. نتذاكي. نتغابي. نتسيس. نبيع. ننحط. نهادن. نفتي. نصرخ, فلا يسمعون. نحتج, فلا يأبهون. نتشقلب, فلا يلتفتون أحيانا نتساءل: هل نحن أدوات مائدة؟ شوكة وسكينة وملعقة؟ ربما! ولأن( المرور السياسي) بلا اشارات حمراء وصفراء وخضراء, اختلط الحابل بالنابل وأصبحت للأشياء أسماء أخري. فالفهلوة نجاح والصوت العالي ثقة والمحسوبية ذكاء والواسطة شطارة. وأصبح كل واحد منا( سيد قراره). يستولي علي أرض الحكومة, لامانع. يطرد سكان عمارته, وماله. ينشط في مصانع تحت السلم, وفيها ايه؟ وكل يوم من ده كتير!
المتفاءلون يسألون ويحلمون: هل هناك أمل؟ ماذا يزيح هذا الضباب عن العقول؟ الأمل ضعيف في هذا الجيل, والأمل قوي في جيل قادم سيشرب أطفاله القيم مع اللبن. وسيفطم علي أدب الحوار واحترام الكبار. جيل لن يتنفس السأم. جيل سيرضع الجدية ويعمد في هيكل الانتماء. أما جيلنا فإننا نحقد ونحسد ونغار ونتشاءم ونخاصم ونعادي ونزمبك ونتنافس ونكافح ونتراشق, ونتهم, ونخاف ونقلق وننزعج و.... الحياة قصيرة مهما طالت. الحياة رفة جفن في عيون الزمن. الحياة شهوات مؤقتة الحياة.. انتصارات مهزومة. نحن دمي خشبية من لحم في أيدي الحضارة والتكنولوجيا. الحياة فخ من الشرور. وتأتي لحظة, نرصد فقط, نراقب فقط, نتفرج فقط. ونترفع ونتسامي ونهمش, ونقف في الطابور الطويل الطويل الطويل. نتوقف وننتظر ونراجع وتكون الذاكرة قد أصابها الصدأ. ويستوي كل شيء القمة مع السفح والمجد مع الفشل. وتتساءل بحرقة: هل هناك من يقدر جهدك ويطرز مشوارك بإنصاف. وتنسال إلي خدك دمعة. فـ.. عظماء ذهبوا دون كلمة ونتذكرهم في الميلاد أو الموت. وكلما غابوا, أسدلنا عليهم ستائر النسيان. ونصبح رقما ينقص من التعداد القومي. ونسكن حفرة متر * متر. وربما يتذكرنا أحد أو ينصفنا آخر أو يسجل بصمتنا ثالث إذا كانت البصمة خضراء ولم تتعرض لعوامل التعرية أو الطمس!
إن للموت مواعيد, هي تلك المواعيد الوحيدة التي نجهلها. ولكن هناك ـ في المجتمع ـ أموات وهم أحياء. أموات لم يقترب منهم التوربيني قاتل الأطفال سفاح المدينة. وهناك أحياء في عداد الأموات ربما انكرهم المجتمع وربما ذبحهم بعدم التقدير.
لكن مشوار كل المشاوير يكلل بالصمت والسكينة لأنه في حفرة ولن نستطيع أن نتصل بساكنها أو نحاول في وقت آخر! |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|