|
|
|
ملفات الأهرام
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
هل هنـاك قنبلـة نــووية إســـلامية ؟ القنبلة الباكستانية تخدم أمن باكستان في صراعها مع الهند والقنبلة الإيرانية تستهدف إحياء حلم فارس الإقليمي بقلم: مكرم محمد أحمد
|
الحلقة الثانية |
 |
هل يمكن أن نعتبر القنبلة النووية الباكستانية ـ التي نقلت دولة باكستان الاسلامية في سباق تسلحها مع الهند الي دولة نووية ـ قنبلة اسلامية, تزيد قدرة العالم الاسلامي علي مواجهة تحدياته بحيث تصبح سندا حقيقيا للعالم الاسلامي أم أن القنبلة الباكستانية ترتبط فقط بالصراع المرير مع الهند منذ انفصالهما عام1947.. وهل يمكن ان نعتبر القنبلة الايرانية, التي لاتزال في حكم الغيب قنبلة إسلامية, تشكل إضافة قوة الي العالم الاسلامي, أم انها ـ أن وجدت ـ فسوف تكون فقط في خدمة فارس, التي تسعي منذ عصر الشاه محمد رضا بهلوي الي ان تصبح قوة إقليمية ذات أسنان نووية ؟
إن فحص هاتين المقولتين في ضوء الوقائع والحقائق المرتبطة بسعي الدولتين الي امتلاك القنبلة يؤكد أنه ليس هناك ما يمكن ان نسميه قنبلة اسلامية!
لا أعرف من أين جاء هذا المصطلح الذي يفتقد, كما يقول المناطقة, ما يثبت صدقه, ولا يدل علي ما يمكن ان يستدل عليه, لأن القنبلة الاسلامية تعني وجود عالم اسلامي تحكمه إرادة سياسية غالبة, وتتوحد مصالحه ومخاطره ومصيره, تربطه وحدة الهدف أو وحدة الصف, وتترابط علاقاته وصلاته بما يجعله كتلة موحدة ذات وزن مؤثر في عالمنا, تعي واقعها ومستقبلها, ويمكن ان توحد قرارها وجهودها دفاعا عن مصالحها.. وليس مع الاسف هكذا حال عالمنا الإسلامي, الذي يضم اكثر من مليار مسلم موزعين علي دول عديدة مختلفة أغلبها يعاني مشاكل التخلف والفقر وضعف علوم المستقبل ومعارفه, وغياب الديمقراطية وحقوق الانسان, وتفرق المصالح وشتات المواقف, رغم ترابطه في مؤتمر إسلامي ينعقد علي مستوي القمة كلما نزلت بالمسلمين كارثة أو ألمت بهم محنة كبري, ورغم تعاطفه الشديد مع الشعب الفلسطيني, وقضيته التي تكاد تكون حافز الترابط الوحيد بين المجتمعات الاسلامية ودعواتهم المستمرة بأن يرفع الله عن الفلسطينيين غمة احتلال إسرائيلي بغيض هو أقبح صور الاحتلال عنصرية وأشدها خسة.
وأغلب الظن أن الغرب هو الذي صك هذا المصطلح الذي ينم محتواه عن صيغة تحذير بأكثر من أن يدل علي شيء موجود أو يحتمل وجوده, لان القنبلة الاسلامية كما يراها الغرب, إن أصبحت واقعا بالفعل, فسوف تكون صنوا لعالمها المسلم! تحكمها العاطفة بأكثر من أن يحكمها العقل! ويتحكم فيها قرار السلطان الذي يمكن في غضبه أن يصدر قرارات مندفعة لاتزن عواقب الامور! علي عكس القنبلة المسيحية الغربية والقنبلة الاسرائيلية اللتين يحكمهما العقل ويتحكم فيهما نظام ديمقراطي لا يعرف سطوة السلطان! يزن الأمور بمعايير المصلحة العليا وليس بمعايير فردية!
وربما يمكن أن تجد في رؤية بابا روما بنديكت السادس عشر التي تحدث فيها عن الإيمان والعقل, الذي اختص بهما بنديكت الغرب المسيحي وحده دون الإسلام ـ أصداء هذا التحذير, لأن المسيحية الغربية كما قال بنديكت هي الوريثة الشرعية لحضارة اليونان التي قامت علي إعلاء العقل, رغم وقائع التاريخ التي تقول عكس ذلك, وتؤكد أن الغرب ورث معرفته بحضارة اليونان من خلال ترجماته لأعمال الفارابي وابن سينا وابن رشد, وربما يكفينا فهما للمدلول الغربي لمصطلح القنبلة الإسلامية المشحون بصرخات التحذير, هذا الدفاع الخسيس عن حق إسرائيل بالتفرد بالقنبلة النووية لأنها دولة ديمقراطية يحكمها العقل, أما نحن المسلمين فالقنبلة في حوزتنا تمثل خطرا علي أمن العالم وسلامه لأننا من وجهة نظرهم حمقي لا نحسن استخدام العقل, يحكمنا السلطان بسيفه ونهيه!
وما يؤكد الهدف التحذيري من مصطلح القنبلة الإسلامية أن المصطلح تم صكه وشاع استخدامه في وقت راح فيه الغرب يبحث عن عدو جديد حتي إن أخذ شكل عفريت المآته, يحفزه علي الحفاظ علي تفوقه ويقوي داخله الرغبة في التحدي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه إثر انهيار حائط برلين, مع أن العالم الإسلامي في مجمله ضعيف مرهق ومشتت ومظلوم يبحث في الأغلب عمن ينصفه, ولا يصلح حتي لأن يكون خيال مآته.. أما تنظيم القاعدة التي تمثل فاشية الإسلام ـ كما يقول الرئيس بوش ـ ويسعي مع شيخه أسامة بن لادن إلي الحصول علي أسلحة دمار شامل فهو صناعة أمريكية تحمل أختام أجهزة المخابرات المركزية التي حشدت ومولت وسلحت هذه الجماعات بأكثر من أن تكون صناعة إسلامية.. ولو أن الرئيس الأمريكي بوش ركز الجهد الأمريكي بعد أحداث سبتمبر عام2001 علي الخلاص من تنظيم القاعدة في أفغانستان, وقاوم أطماعه في اختطاف العراق تحت ستار حربه علي الإرهاب, وطلب من العالم أجمع أن يهب لنصرته في الحرب علي إرهاب القاعدة وأنصارها من جماعات طالبان لما كان للقاعدة أي وجود, ولما ذاع صيت شيخها إلي هذا الحد, ولما كان مأزق بوش الراهن في العراق وخسارته للحرب علي الإرهاب, لأن العالم بأكمله كان علي استعداد لمناصرته إلي أن تذهب القاعدة في مهب الريح, لكنه مع الأسف حرف الحرب علي الإرهاب عن غاياتها الصحيحة فخسر الجمل بما حمل.
وبحكم الواقع العملي الذي نعيشه, هناك بالفعل قنبلة نووية باكستانية, تخدم مصالح باكستان العليا, وتخلق نوعا من توازن الرعب مع جارتها اللدود الهند, وتخدم أمن باكستان الوطني وسط جيران جميعهم مدججون بأسلحة نووية, وإذا كانت باكستان دولة إسلامية فجوهر وجود قنبلتها النووية وسببه هو أمن باكستان الوطني وليس خدمة أهداف إسلامية, وربما يكون هناك أيضا قنبلة إيرانية أو لا تكون, تخدم أهداف آيات الله في السيطرة علي الخليج وتعزيز مكانة إيران الإقليمية وسعيها إلي مد نفوذها إلي قلب الشرق الأوسط, وكلها مصالح فارسية لا يدخل فيها ما يمكن أن ندخله في نطاق تعزيز مكانة الإسلام في حرب الحضارات, هذا المصطلح الآخر الذي اخترعه الغرب في ظل إصراره علي اصطناع العالم الإسلامي عدوا بعد غياب الاتحاد السوفيتي والذي روج له جماعات النفوذ اليهودية وقوي الضغط الصهيونية, لتبقي قضية احتلال إسرائيل لأرض فلسطين في أدني سلم اهتمامات العالم, بالنظر الي وجود خطر جديد أشد شراسة, يستدعي تحالف الغرب المسيحي مع الأصولية اليهودية, يتمثل في الفاشية الإسلامية, التي يتحدث عن خطرها الرئيس بوش والبابا بنديكت, والتي تكاد تكون مثل قطة سوداء في ليلة سوداء لا يستطيع أحد أن يراها.
فإذا انتقلنا من التأملات إلي الوقائع والأحداث, فالأمر المؤكد أن إعلان كل من الهند وباكستان في مايو عام1998 امتلاكهما للقنبلة النووية بعد عدد من التفجيرات المتتابعة المتساوية عددا, قامت بها الدولتان خلال الشهر ذاته كان بمثابة اشهار لبلوغ الجانبين أهدافهما الاستراتيجية من سباق التسلح النووي, الذي بدأته الهند وباكستان بعد انفصالهما عام1947 الذي خلف ميراثا عميقا من الكراهية والعداء أدي إلي قيام ثلاث حروب بينهما.. وبرغم الفارق الزمني بين البرنامج النووي الهندي الذي بدأ عام1948 تحت الرعاية المباشرة لرئيس الوزراء جواهر لال نهرو, عندما شكلت الهند لجنة الطاقة النووية التي رأسها العالم الهندي بها بها, والبرنامج الباكستاني الذي بدأ عام1956 في وقت متأخر عن البرنامج الهندي وسانده بقوة رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو, إلا أن التفجير النووي الذي قامت به الهند في منطقة بوخاران تحت الأرض عام74 لتأكيد انتصارها النهائي علي باكستان بعد حربهما عام71 حفز الباكستانيين علي ضرورة الحصول علي القنبلة, خصوصا بعد أن تمكن ذو الفقار بوتو من اقناع العالم النووي الباكستاني عبدالقدير خان, الذي كان يعمل في ألمانيا في نظام جديد يستخدم أجهزة الطرد المركزي في إثراء اليورانيوم بضرورة العودة إلي باكستان للإشراف علي برنامجها النووي.. وتلك حقائق راسخة تؤكد أن الميراث المرير بين الجارتين اللدودين كان الحافز الأساسي لسباقهما النووي, وليس نصرة الإسلام أو هزيمته.
والثابت أيضا أن الولايات المتحدة ساعدت علي امتلاك الدولتين للقنبلة النووية سواء من خلال ردود أفعالها جد المحدودة علي التفجير النووي الهندي الذي وقع عام74 بدواعي الإبقاء علي بعض صلاتها مع الهند خشية أن تذهب إلي أحضان السوفيت وتتغير موازين القوي بشكل درامي في منطقة جنوب آسيا أو علي الجانب الآخر من خلال تخفيف ضغوطها السابقة التي كانت تمارسها علي باكستان لمنعها من الحصول علي السلاح النووي بعد إدراكها أن باكستان يمكن أن تشكل منطلقا وقاعدة لجماعات من الشباب العرب والشباب المسلم, يمكن أن تجندهم لاستنزاف الوجود السوفيتي الكافر المتورط في أفغانستان في حرب طويلة الأمد تدمي الاتحاد السوفيتي, الذي كان قد أرهقه سباق التسلح وتساعد علي تفككه وانهياره.
وبرغم العقوبات التي فرضتها واشنطن علي كل من الهند وباكستان إثر تفجيرات عام1998 إلا أنها اضطرت أخيرا إلي الاعتراف بالأمر الواقع, وقبول الهند وباكستان دولتين نوويتين خارج النادي النووي الذي يضم الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مع قدر من المحاباة النسبية, حظيت بها الهند أخيرا من جانب الرئيس الأمريكي بوش الابن الذي وافق هذا العام علي إمداد الهند بالتكنولوجيا النووية مقابل وضع أقل من نصف عدد مفاعلاتها تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة التي لا يمتد إشرافها إلي باقي المفاعلات الهندية التي تعمل في خدمة برنامج الهند العسكري.
ويكاد يكون الهدف الاستراتيجي لكل من الهند والباكستان هو الردع المتبادل الذي لا يتجاوز الدولتين إلي طرف ثالث أو أطراف أخري, مع حرص كل منهما علي تحقيق قدر من التوازن العسكري سواء في عدد الرءوس النووية المتقارب التي يملكانها أو وسائل نقلها الذي يعتمد في الأغلب علي القدرة الصاروخية للبلدين, وبرغم أن الهند تحقق قدرا من التفوق النسبي إلا أن امتلاك الطرفين لقدرة صاروخية تستطيع نقل القنبلة إلي أهداف حيوية هنا وهناك يؤكد مرة أخري الطبيعة الثنائية للصراع الذي يكاد يكون مغلقا علي الجانبين, يحصر رؤية كل منهما لفكرة العدو في الطرف الآخر دون غيره, ويكاد يكون شرط استخدام أي منهما للسلام النووي معلقا علي تهديد وجودي مباشر لأي منهما إزاء الآخر, فالقنبلة النووية الهندية غايتها النهائية باكستان, والقنبلة الباكستانية غايتها النهائية الهند, ولا علاقة لأي منهما بنصرة الإسلام أو هزيمته, وذلك ما دعا الدولتين إلي أن ترفضا معا التوقيع علي اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية عندما دخلت حيز التنفيذ عام1970, كما ربطت الدولتان توقيعهما علي اتفاقية حظر التجارب النووية بالتوقيع المتزامن لكل منهما, وإن كانت الهند قد اتخذت موقفا أكثر تشددا عندما ربطت توقيعها بالتزام كل الأطراف الدولية بما في ذلك دول النادي النووي الأعضاء الدائمون الخمس في مجلس الأمن.
وقد يصعب فصل الصراع الهندي ـ الباكستاني رغم ثنائيته عن مجمل الأوضاع في جنوب آسيا لأن حصول الصين علي القنبلة النووية هو الذي حفز الهند علي الاسراع ببرنامجها النووي, كما أن حصول الهند علي القنبلة كان السبب المباشر للدعم الضخم الذي قدمه رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو للبرنامج النووي الباكستاني, لكن الواضح أيضا, أن توازن الرعب النووي بين الدولتين حفز الجانبين علي ضرورة تواصل الحوار وقلل من فرص وقوع حرب رابعة بينهما خصوصا أن التقديرات العسكرية تؤكد أن حصاد حرب نووية بين الهند وباكستان لن يقل عدد ضحاياها عن مليون نسمة من الجانبين, كما غير كثيرا من المواقف المتشددة للطرفين وزاد من فرص امكانية الوصول الي حل وسط حول مشاكلهما المشتركة خصوصا مشكلة كشمير.
وقد يختلف الوضع مع إيران بعض الشيء عنه مع باكستان, لأن الإيرانيين يقولون انهم لا يملكون برنامجا عسكريا يتخفي خلف برنامجهم النووي الذي يهدف الي بناء عدد من محطات القوي تعمل بالمفاعلات توفيرا لكميات الغاز والبترول الضخمة التي تستهلكها المحطات الحرارية ورغم أن إيران تعد من أكبر الدول التي تملك احتياطيات بترولية وغازية تكفيها مائة عام من البترول و220 عاما من الغاز, إلا أنها تؤكد أنها لا تستهدف بناء قنبلة نووية لأن دينها الإسلامي يمنعها من ذلك, لأن الخيار العسكري النووي يكاد يكون بالنسبة لطهران خيارا غير عقلاني لصعوباته الفنية, كما أن تصنيع قنبلة نووية من جانب دولة عضو في معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية هو خيار غير مأمون لأنه يتطلب درجة عالية من السرية يصعب توافرها في ظل الملاحقة والمراقبة الدولية التي تستهدف برنامجها المدني, وأن إصرارها علي حقها في تخصيب اليورانيوم ينبع من حقها الأصيل في ذلك, الذي تقره المادة الرابعة من اتفاقية الحظر النووي.
غير أن التحالف الغربي الأمريكي يشكك في صدق نيات طهران, ويتهمها بامتلاك برنامج خفي لتصنيع القنبلة, دليله الواضح تعمدها اخفاء امتلاكها لمحطة ضخمة في ناتانز لتخصيب اليورانيوم بواسطة أجهزة الطرد المركزي التي حصلت عليها من شبكة العالم النووي الباكستاني عبدالقدير خان إضافة إلي جهودها في إنشاء منشأة في منطقة أراك لتصنيع الماء الثقيل لم تخطر بها طهران الوكالة الدولية للطاقة, كما تقضي اتفاقية الضمانات التي وقعت عليها وأن عدم شفافية البرنامج النووي الإيراني وغموضه يكشف نياتها في صنع سلاح نووي خصوصا في ظل إصرار طهران علي المضي قدما في عمليات تخصيب اليورانيوم التي لا تشكل بديلا اقتصاديا معقولا لإيران بسبب التكلفة الضخمة لعمليات التخصيب التي ربما تتجاوز المليار دولار قياسا علي حجم الاحتياطيات المحدودة من اليورانيوم الذي تملكه طهران الذي لا يؤهلها لأن تكون واحدة من اثنتي عشرة دولة في العالم تنتج الوقود النووي بشقيه الأمامي والخلفي.
وسواء كانت المشكلة تعود إلي مجرد غياب الشفافية والغموض في البرنامج النووي الإيراني الذي تقول طهران انه لم يكن أمرا متعمدا, ولا يبرر حرمانها من حق قانوني أصيل في إثراء اليورانيوم تكفله لها معاهدة الحظر, أم أن هناك بالفعل برنامجا عسكريا كان منذ زمن بعيد ضمن طموحات شاه إيران محمد رضا بهلوي, الذي كان يخطط لتحويل إيران إلي قوة إقليمية ضخمة ذات أسنان نووية, وأنفق علي برنامجه النووي, الذي كان يتضمن بناء مفاعلين نوويين كبيرين في منطقة بوشهر وعدد من مراكز البحث العلمي النووي, ما يتجاوز6 مليارات دولار بأسعار الستينيات من القرن الماضي, فواقع الحال يقول إن آيات الله الذين ورثوا حكم الشاه بعد ثورة خميني عام1979, وأهملوا مشروع الشاه النووي الذي كان يشرف عليه الألمان وأوقفوا العمل فيه, ما لبثوا أن عادوا بعد بضع سنوات قليلة إلي تبني طموحات فارس القديمة, وجددوا اهتمامهم بالبرنامج النووي ولجأوا إلي الروس لاستكمال بناء المفاعل الأول في بوشهر بعد أن غادر الألمان, وأنفقوا بسخاء علي بناء بنية أساسية علمية يمكن أن تخدم أهدافا نووية مدنية وعسكرية في الوقت ذاته. بما يعني أن القنبلة النووية الإيرانية إن لم تكن بعد أمرا واقعا, إلا أنها يمكن أن تكون أمرا محتملا.
وإذا كان خبراء الوكالة الدولية للطاقة يعتقدون أنه لايزال هناك متسع من الوقت يسمح باستمرار الحوار بين التحالف الغربي الأمريكي وطهران أملا في الوصول إلي حل وسط لمشكلة إثراء اليورانيوم دون التعجيل بعمل عسكري, لأن طهران ـ كما يري خبراء الوكالة في ضوء امكاناتها الحالية ـ قد لا تستطيع صنع قنبلة نووية قبل عشرة أعوام علي الأقل, فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ـ علي وجه الخصوص التي تعتقد أن حصول إيران علي القنبلة النووية يكاد يكون مشكلة وجود لا تستطيع أن تتعايش معها ـ يريان أن الخطر أقرب من ذلك كثيرا وأن طهران قد لا تحتاج إلي كل هذا الوقت لتفاجيء العالم بأن في حوزتها قنبلة, تمثل خطرا وتهديدا لأمن الغرب ووجود إسرائيل.
وعندما يفتش المرء عن المبررات التي من أجلها تسعي إيران إلي امتلاك القنبلة النووية, فربما يكون أول هذه المبررات عداءها المتزايد مع الولايات المتحدة, واحساسها بغياب أمنها الوطني والاقليمي في ظل التردي المستمر في علاقات البلدين, وتزايد حجم الوجود العسكري الأمريكي علي مسافة قدم في دول الخليج, وسعي واشنطن الحثيث إلي أن يكون لها موطيء قدم في أذربيجان يعزز فرص حصارها لايران, فضلا عن أن الرئيس بوش اعتبر إيران رأس مثلث الشر الذي يضم كوريا الشمالية وسوريا, ووضعهما علي رأس قائمة الدول المصدرة للارهاب التي تشكل ملاذا آمنا لجماعاته, وتسلح حزب الله الذي ساعدت علي إقامته في لبنان كي يكون أداة نفوذ قوية لسياساتها في قلب الشرق الأوسط, إضافة إلي سعيها إلي النفاذ لمنظمتي حماس والجهاد في الأرض الفلسطينية المحتلة, كما تبني بوش ازاء طهران سياسات العزل والاستبعاد ورفض الحوار معها, ولم يكتم رغبته في تغيير حكم الملالي واسقاط النظام الايراني, وحاول جهده أن يعاون وينظم حركات التمرد داخل إيران, حيث توجد أقليات عرقية وطائفية, تتوزع علي أطراف إيران في الأهواز وخوزستان وبلوخستان ومناطق الأكراد تشكو من صور عديدة من التمييز السلبي يمارسها حكم آيات الله
وبسبب هذه التحديات الأمنية فربما يكون امتلاك إيران للقنبلة النووية من وجهة نظرها عنصر ردع, يخفف من وطأة تحديات عديدة تمثل بالنسبة لنظام الحكم الايراني قضية وجود وبقاء.
كما يدخل ضمن مبررات الحصول علي القنبلة أحلام فارس القديمة, التي أحياها الملالي في أن تكون إيران قوة إقليمية تملك أسنانا نووية إلي جوار الهند وباكستان, تدعم نفوذها في آسيا الوسطي, وتمكنها من النفاذ إلي الشرق الأوسط, والسيطرة علي أمن دول الخليج الذي وضح في إسراعها إلي احتلال الجزر الثلاث التابعة لدولة الامارات اثر انسحاب القوات البريطانية من منطقة الخليج عام1971, ومحاولاتها تصدير الثورة الايرانية وسعيها إلي النفاذ إلي الأقليات الشيعية في المنطقة... وجميع ذلك يمثل مبررات يتعلق جميعها بأمن فارس في تحدياتها القديمة والجديدة, لاتسوغ لأحد أن يعتبر القنبلة الايرانية قنبلة إسلامية تخدم أهدافا تعزز قدرة العالم الاسلامي وتصون وحدته في صراعه مع الغرب كما يدعي تحالف المحافظين الجدد مع الأصولية اليهودية, سواء كانت القنبلة الايرانية مجرد أضغاث أحلام أو كانت حلما واقعيا يقبل التحقيق. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|